إن الوضع الذي تشهده المنطقة وسط التهديدات والتهديدات المضادة وحشد القوات الأمريكية التي تهدد بضرب إيران والضغط عليها من مختلف الجوانب بدأ يؤشر إلى احتمالات المواجهة العسكرية بالدرجة الأولى وما الحديث عن المفاوضات إلا نوع من الغطاء أو التمويه الذي يذكر بما قبل حرب 12 يوما التي كانت هي أيضا مسبوقة بمفاوضات وتطمينات وتصريحات تقول إن الأمور طيبة وإن المفاوضات تسير في اتجاه إيجابي فتعرضت إيران وقتها بسبب هذه المفاوضات إلى نوع من الخداع الاستراتيجي لأنها كانت ستارا للضرب العسكري والحرب التي استمرت حوالي أسبوعين وانتهت فجأة بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه انتصر على إيران وإنه دمر المواقع النووية الإيرانية التي يجري فيها تخصيب اليورانيوم.
هذا الوضع الجديد الذي نعيشه اليوم يكاد يكون صورة طبق الأصل من الوضع الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة وذلك وبحسب معظم تقديرات الخبراء الاستراتيجيين أن هنالك عدة سيناريوهات منها على الأقل:
الأول: سيناريو الضربة المحدودة وهي الأرجح لمزيد من الضغوط على النظام في إيران لتقديم المزيد من التنازلات وربما تكون هذه المفاوضات الجارية حاليا وسيلة لإخراج هذه الضربة بشكل صوري لحفظ ماء وجه الطرفين ونزع فتيل التصعيد وفي مقابل ذلك تعلن إيران تنازلها عن المشروع النووي والقبول بما سبق أن أعلنته بتعاون إقليمي من أجل الطاقة النووية تشارك فيه معظم دول المنطقة للتزود بالطاقة الكهربائية على سبيل المثال.
الثاني: حرب شاملة وواسعة بين الطرفين تستخدم فيها القوات البرية والجوية والبحرية، وهذه الحرب إذا ما حدثت ستكون شاملة وإقليمية لا تبقي ولا تذر ولكن هذا النوع من الحروب غير مستعد لها الرئيس الأمريكي ترامب نفسه لأنه لا يرغب في ذلك وسياساته تدور حول ضربات سريعة وإنجازات فورية على طريقة فنزويلا من دون تكاليف باهظة وقرار الحرب الإقليمية إذا ما حدث لا يتفق مع أهداف الرئيس ترامب بل ويخشى أن يتحول إلى حرب عالمية بشكل أو بآخر وذلك لأن كل من روسيا الاتحادية والصين الشعبية تقفان صراحة في هذه المرحلة مع إيران وترفضان الاعتداء عليها عسكريا وتدعوان إلى حل سلمي.
الثالث: يدور حول إمكانية تأجيل هذا الهجوم المرتقب لأشهر أخرى مع مزيد من التشجيع الداخلي الإيراني ضد النظام وذلك استجابة لجهود التهدئة من الدول الإقليمية والعالم خشية أن تكلف هذه المواجهة تكاليف باهظة على الاقتصاد العالمي كله وهذا السيناريو وارد أيضا وسط التهديدات الدولية والإقليمية خاصة وإن الاقتصاد العالمي يعاني منذ عدة سنوات من مشكلات جوهرية وإن سياسات ترامب الاقتصادية والتجارية لم تنجح في حل مشكلات الاقتصاد الأمريكي، بل زادته سوءا فإذا ما دخل هذه الحرب فإن الاقتصاد فسيكون هو الضحية الأولى.
إن هذه التقديرات والسيناريوهات بشأن هذه المواجهة المحتملة حاليا متداولة في الإعلام العالمي ولكن النقطة الأساسية والخطيرة التي يمكن أن تخلط الأوراق وتغير الأوضاع جملة وتفصيلا هي احتمالات تدخل إسرائيل وضرب إيران بحيث تبدأ إسرائيل بالضربة الأولى لدفع الولايات المتحدة الأمريكية دفعا للمشاركة في هذه الحرب وذلك مثلما حدث في شهر يوليو الماضي عندما شنت إسرائيل بدعم أمريكي العديد من الهجمات على إيران شملت مواقع نووية وعسكرية ومدنية واغتيال عدد من القادة العسكريين والسياسيين وهذا السيناريو هو الأخطر لأنه يورط المنطقة كلها ويجعل الأوضاع خارج السيطرة خاصة في ضوء مستوى الحشود العسكرية الموجودة حاليا من الطرفين فالحشود العسكرية الأمريكية لم تتوقف من حاملات الطائرات والبوارج الحربية والمعدات العسكرية وغيرها.
لا أحد تقريبا يرى مصلحة في حرب شاملة لأنها إذا بدأت ربما تدخل فيها أطراف أخرى كما أسلفنا وعندها يصعب السيطرة علي الوضع مما قد يؤدي إلى اتساع نطاق المواجهة التي ستدخل المنطقة في دورة من العنف وتزعزع الأمن والاستقرار وما يحمله كل ذلك من أضرار اقتصادية واجتماعية.
إن العناد الإيراني والإصرار المستمر على التوسع والتدخل في الإقليم وتسليح الأذرع في العراق وسوريا ولبنان واليمن لا يزال يشكل خطرا على الأوضاع في المنطقة وفي الإقليم ونعتقد أنه آن الأوان لتراجع الدولة الإيرانية سياساتها في اتجاه سلمي لإبعاد المنطقة والإقليم عن التدخلات الخارجية وسباق التسلح والفوضى.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك