العدد : ١٧٤٨٩ - الاثنين ٠٩ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨٩ - الاثنين ٠٩ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ما الذي سيحققه مجلس السلام في غزة للفلسطينيين؟

بقلم: د. رمزي بارود

السبت ٠٧ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

ينطوي‭ ‬تاريخ‭ ‬القوة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬جوانب‭ ‬عديدة‭ ‬على‭ ‬عملية‭ ‬إعادة‭ ‬ابتكار‭ ‬وإنتاج‭ ‬للقواعد،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تصميم‭ ‬قواعد‭ ‬جديدة‭ ‬تناسب‭ ‬وتخدم‭ ‬المصالح‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭.‬

قد‭ ‬يدعو‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬إلى‭ ‬التساؤل‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬يعكس‭ ‬إدراكا‭ ‬ضروريا،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬أحدث‭ ‬ابتكار‭ ‬سياسي‭ ‬للرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الحالي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬الذي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭.‬

لقد‭ ‬استنتج‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬عجل‭ ‬أن‭ ‬أحدث‭ ‬مناورة‭ ‬سياسية‭ ‬للرئيس‭ ‬ترامب‭ -‬التي‭ ‬تم‭ ‬الكشف‭ ‬عنها‭ ‬مؤخراً‭ ‬في‭ ‬المنتدى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬دافوس‭- ‬هي‭ ‬مسعى‭ ‬ترامبي‭ ‬فريد‭ ‬من‭ ‬نوعه،‭ ‬ومنفصل‭ ‬عن‭ ‬مبادئ‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬السابقة‭.‬

لقد‭ ‬أخطأوا‭ ‬في‭ ‬استنتاجاتهم،‭ ‬وقد‭ ‬يكونون‭ ‬قد‭ ‬وقعوا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخطأ‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬بسبب‭ ‬أسلوب‭ ‬ترامب‭ ‬السياسي‭ ‬ومزاعمه‭ ‬المستمرة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬بلا‭ ‬أساس،‭ ‬بأنه‭ ‬أنهى‭ ‬الحروب،‭ ‬وحل‭ ‬النزاعات‭ ‬العالمية،‭ ‬وجعل‭ ‬العالم‭ ‬مكاناً‭ ‬أكثر‭ ‬أماناً‭.‬

في‭ ‬حفل‭ ‬إطلاق‭ ‬منتدى‭ ‬دافوس،‭ ‬عزز‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬هذا‭ ‬الوهم‭ ‬المصمم‭ ‬بعناية،‭ ‬متفاخراً‭ ‬بالقيادة‭ ‬التاريخية‭ ‬المزعومة‭ ‬لأمريكا‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬السلام؛‭ ‬مشيداً‭ ‬بالاختراقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة‭ ‬المزعومة؛‭ ‬حيث‭ ‬قدم‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬واعتبرها‭ ‬آلية‭ ‬محايدة‭ ‬وخيِّرة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬اضطراباً‭.‬

لكن‭ ‬قراءة‭ ‬أقل‭ ‬تحيزاً‭ ‬للتاريخ‭ ‬تسمح‭ ‬لنا‭ ‬برؤية‭ ‬تصميم‭ ‬ترامب‭ ‬السياسي‭ -‬سواء‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬أو‭ ‬خارجها‭- ‬ليس‭ ‬كحالة‭ ‬استثنائية،‭ ‬بل‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬نمط‭ ‬أمريكي‭ ‬طالما‭ ‬ألفناه‭ ‬وعرفناه‭. ‬يسعى‭ ‬صناع‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الشؤون‭ ‬العالمية؛‭ ‬وتهميش‭ ‬الإجماع‭ ‬الدولي؛‭ ‬وفرض‭ ‬أطر‭ ‬سياسية‭ ‬يحددونها‭ ‬ويديرونها‭ ‬ويتحكمون‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭.‬

إن‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ -‬وهو‭ ‬نادٍ‭ ‬سياسي‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬إلا‭ ‬المدعوين‭ ‬ويسيطر‭ ‬عليه‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬نفسه‭ ‬بالكامل‭- ‬يتشكل‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬كواقع‭ ‬جيوسياسي‭ ‬جديد‭ ‬تفرض‭ ‬فيه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬نفسها‭ ‬كوصية‭ ‬على‭ ‬الشؤون‭ ‬العالمية،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬التي‭ ‬دمرتها‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وتضع‭ ‬نفسها‭ ‬صراحة‭ ‬بديلا‭ ‬لمنظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ذاتها‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬لم‭ ‬يصرح‭ ‬بذلك‭ ‬صراحة،‭ ‬فإن‭ ‬ازدراءه‭ ‬العلني‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬وسعيه‭ ‬الدؤوب‭ ‬لإعادة‭ ‬تصميم‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬مؤشرات‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬نواياه‭ ‬الحقيقية‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬المفارقة‭ ‬صادمة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن؛‭ ‬فالهيئة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬توجه‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬خلال‭ ‬عملية‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬المدمرة‭ ‬التي‭ ‬ارتكبتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تضم‭ ‬فلسطينيين،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬سكان‭ ‬غزة‭ ‬أنفسهم‭.‬

والأمر‭ ‬الأكثر‭ ‬إدانة‭ ‬هو‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬يدعي‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تتصدى‭ ‬لها‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬مدعومة‭ ‬سياسياً،‭ ‬وممولة‭ ‬عسكرياً،‭ ‬ومحمية‭ ‬دبلوماسياً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬أولاً‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬ثم‭ ‬لاحقاً‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ترامب‭.‬

لا‭ ‬يحتاج‭ ‬المرء‭ ‬إلى‭ ‬بصيرة‭ ‬كبيرة‭ ‬ليستنتج‭ ‬أن‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬التابع‭ ‬لترامب‭ ‬لا‭ ‬يهتم‭ ‬بالسلام،‭ ‬ولا‭ ‬يهتم‭ ‬حقاً‭ ‬بغزة‭. ‬فما‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬المبادرة‭ ‬إذن؟

لا‭ ‬تتعلق‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬بإعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬أو‭ ‬تكريس‭ ‬العدالة،‭ ‬بل‭ ‬تتعلق‭ ‬باستغلال‭ ‬معاناة‭ ‬غزة‭ ‬لفرض‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭ ‬بقيادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬أولاً‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.‬

إن‭ ‬غزة‭ -‬وهي‭ ‬منطقة‭ ‬محاصرة‭ ‬تبلغ‭ ‬مساحتها‭ ‬365‭ ‬كيلومترًا‭ ‬مربعًا‭ ‬فقط‭- ‬لا‭ ‬تتطلب‭ ‬هيكلًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬جديدًا‭ ‬يضم‭ ‬عشرات‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬العالم،‭ ‬الذين‭ ‬يُقال‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬يدفع‭ ‬رسوم‭ ‬عضوية‭ ‬تبلغ‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

تحتاج‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يجب‭ ‬منح‭ ‬سكانها‭ ‬حقوقهم‭ ‬الأساسية،‭ ‬ومحاسبة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬جرائمها‭. ‬توجد‭ ‬بالفعل‭ ‬آليات‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك،‭ ‬وهي‭ ‬تشمل‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬والقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الإنسانية‭ ‬العريقة،‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬أنفسهم،‭ ‬الذين‭ ‬أصبحت‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬والعزيمة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬أسطورية‭.‬

يتجاهل‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مصلحة‭ ‬هيكل‭ ‬أجوف‭ ‬مرتجل‭ ‬ومصمم‭ ‬خصيصًا‭ ‬لإرضاء‭ ‬غرور‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬المتقلب‭ ‬وتعزيز‭ ‬المصالح‭ ‬السياسية‭ ‬والجيوسياسية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

في‭ ‬الواقع،‭ ‬يعيد‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬فلسطين‭ ‬قرنًا‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬إلى‭ ‬حقبةٍ‭ ‬كانت‭ ‬فيها‭ ‬القوى‭ ‬الغربية‭ ‬تُحدد‭ ‬مصيرها‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬واحد،‭ ‬مدفوعةً‭ ‬بافتراضات‭ ‬عنصرية‭ ‬تجاه‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وهي‭ ‬افتراضاتٌ‭ ‬مهدت‭ ‬الطريق‭ ‬لكوارث‭ ‬المنطقة‭ ‬المستمرة‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭ ‬المحوري‭: ‬هل‭ ‬هذه‭ ‬حقا‭ ‬مبادرةٌ‭ ‬فريدةٌ‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ترامب؟

لا،‭ ‬ليس‭ ‬كذلك‭. ‬فرغم‭ ‬أنها‭ ‬مصممة‭ ‬ببراعة‭ ‬لتغذية‭ ‬شعور‭ ‬ترامب‭ ‬المتضخم‭ ‬بالعظمة،‭ ‬فإنها‭ ‬تبقى‭ ‬تكتيكاً‭ ‬أمريكياً‭ ‬مألوفاً،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬خلال‭ ‬لحظات‭ ‬الأزمات‭ ‬العميقة‭.‬

تم‭ ‬توضيح‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بشكل‭ ‬مقنع‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬نعومي‭ ‬كلاين‭ ‬‮«‬عقيدة‭ ‬الصدمة‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬أن‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬تستغل‭ ‬الصدمات‭ ‬الجماعية‭ -‬الحروب‭ ‬والكوارث‭ ‬الطبيعية‭ ‬والانهيار‭ ‬الاجتماعي‭- ‬لفرض‭ ‬سياسات‭ ‬جذرية‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬مقاومة‭ ‬شعبية‭.‬

يندرج‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬أنشأه‭ ‬ترامب‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬تماماً،‭ ‬حيث‭ ‬يستخدم‭ ‬دمار‭ ‬غزة‭ ‬ليس‭ ‬كدعوة‭ ‬للعدالة‭ ‬أو‭ ‬المساءلة،‭ ‬بل‭ ‬كفرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الحقائق‭ ‬السياسية‭ ‬بطرق‭ ‬ترسخ‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وتهمش‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭.‬

هذا‭ ‬ليس‭ ‬بالأمر‭ ‬الجديد‭. ‬يمكن‭ ‬تتبع‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬تصورتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬كبديل‭ ‬لعصبة‭ ‬الأمم،‭ ‬وكان‭ ‬مهندسها‭ ‬الرئيسي،‭ ‬الرئيس‭ ‬فرانكلين‭ ‬روزفلت،‭ ‬مصمماً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تضمن‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬الجديدة‭ ‬الهيمنة‭ ‬الهيكلية‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬ونظام‭ ‬حق‭ ‬النقض‭ (‬الفيتو‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬يضمن‭ ‬نفوذ‭ ‬واشنطن‭ ‬الحاسم‭ ‬على‭ ‬الشؤون‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬الأعوام‭ ‬والعقود‭.‬

عندما‭ ‬فشلت‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لاحقاً‭ ‬في‭ ‬الموافقة‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬مصالح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ -‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬عندما‭ ‬رفضت‭ ‬منح‭ ‬إدارة‭ ‬جورج‭ ‬دبليو‭ ‬بوش‭ ‬تفويضاً‭ ‬قانونياً‭ ‬لغزو‭ ‬العراق‭- ‬وُصفت‭ ‬المنظمة‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬غير‭ ‬ذات‭ ‬صلة‮»‬‭.‬

ثم‭ ‬قاد‭ ‬جورج‭ ‬دبليو‭ ‬بوش‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬تحالف‭ ‬الراغبين‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬حرب‭ ‬عدوانية‭ ‬دمرت‭ ‬العراق‭ ‬وزعزعت‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة‭ ‬بأكملها،‭ ‬وهي‭ ‬عواقب‭ ‬وخيمة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تداعياتها‭ ‬قائمة‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭.‬

شهدت‭ ‬فلسطين‭ ‬مناورة‭ ‬مماثلة‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬اللجنة‭ ‬الرباعية‭ ‬المعنية‭ ‬بالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬وهي‭ ‬إطار‭ ‬عمل‭ ‬تهيمن‭ ‬عليه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬ومنذ‭ ‬نشأتها،‭ ‬عملت‭ ‬اللجنة‭ ‬الرباعية‭ ‬بشكل‭ ‬منهجي‭ ‬على‭ ‬تهميش‭ ‬دور‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬والحيلولة‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬مساءلة‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬وجعلت‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬أمراً‭ ‬ثانوياً،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬غير‭ ‬ذي‭ ‬جدوى‭.‬

تبقى‭ ‬الطريقة‭ ‬ثابتة‭: ‬عندما‭ ‬تفشل‭ ‬الآليات‭ ‬الدولية‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الأهداف‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬يتم‭ ‬ابتكار‭ ‬هياكل‭ ‬جديدة؛‭ ‬ويتم‭ ‬تجاوز‭ ‬الهياكل‭ ‬القديمة؛‭ ‬ويتم‭ ‬إعادة‭ ‬تأكيد‭ ‬القوة‭ ‬تحت‭ ‬ستار‭ ‬السلام‭ ‬أو‭ ‬الإصلاح‭ ‬أو‭ ‬الاستقرار‭.‬

وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬السجل‭ ‬التاريخي،‭ ‬فمن‭ ‬المنطقي‭ ‬الاستنتاج‭ ‬أن‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬سيصبح‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬هيئة‭ ‬أخرى‭ ‬منحلة‭. ‬ولكن‭ ‬قبل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬النهاية‭ ‬المتوقعة،‭ ‬فإنه‭ ‬يُخاطر‭ ‬بتقويض‭ ‬الآفاق‭ ‬الهشة‭ ‬أصلاً‭ ‬لتحقيق‭ ‬سلام‭ ‬عادل‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬وعرقلة‭ ‬أي‭ ‬جهد‭ ‬جاد‭ ‬لمحاسبة‭ ‬مجرمي‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيليين‭.‬

أما‭ ‬الأمر‭ ‬الاستثنائي‭ ‬حقا‭ ‬فهو‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تراجعها،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يسمح‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالتلاعب‭ ‬بمصائر‭ ‬شعوب‭ ‬ومصائر‭ ‬مناطق‭ ‬بأكملها‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬يفت‭ ‬الأوان‭ ‬بعد‭ ‬أمام‭ ‬أولئك‭ ‬الملتزمين‭ ‬باستعادة‭ ‬مركزية‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ -‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭- ‬للتصدي‭ ‬لهذه‭ ‬الهندسة‭ ‬السياسية‭ ‬المتهورة‭ ‬والانتهازية‭.‬

 

{‭ ‬أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا