ينطوي تاريخ القوة الأمريكية من جوانب عديدة على عملية إعادة ابتكار وإنتاج للقواعد، وذلك من أجل تصميم قواعد جديدة تناسب وتخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية.
قد يدعو هذا الأمر في البداية إلى التساؤل غير أنه يعكس إدراكا ضروريا، ولا سيما في ضوء أحدث ابتكار سياسي للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، الذي يتمثل في إنشاء ما يسمى مجلس السلام.
لقد استنتج البعض على عجل أن أحدث مناورة سياسية للرئيس ترامب -التي تم الكشف عنها مؤخراً في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس- هي مسعى ترامبي فريد من نوعه، ومنفصل عن مبادئ السياسة الخارجية الأمريكية السابقة.
لقد أخطأوا في استنتاجاتهم، وقد يكونون قد وقعوا في هذا الخطأ إلى حد كبير بسبب أسلوب ترامب السياسي ومزاعمه المستمرة، وإن كانت بلا أساس، بأنه أنهى الحروب، وحل النزاعات العالمية، وجعل العالم مكاناً أكثر أماناً.
في حفل إطلاق منتدى دافوس، عزز الرئيس دونالد ترامب هذا الوهم المصمم بعناية، متفاخراً بالقيادة التاريخية المزعومة لأمريكا في تحقيق السلام؛ مشيداً بالاختراقات الدبلوماسية غير المسبوقة المزعومة؛ حيث قدم مجلس السلام واعتبرها آلية محايدة وخيِّرة قادرة على تحقيق الاستقرار في أكثر مناطق العالم اضطراباً.
لكن قراءة أقل تحيزاً للتاريخ تسمح لنا برؤية تصميم ترامب السياسي -سواء في غزة أو خارجها- ليس كحالة استثنائية، بل كجزء من نمط أمريكي طالما ألفناه وعرفناه. يسعى صناع السياسة الخارجية الأمريكية مراراً وتكراراً إلى استعادة السيطرة على الشؤون العالمية؛ وتهميش الإجماع الدولي؛ وفرض أطر سياسية يحددونها ويديرونها ويتحكمون بها في نهاية المطاف.
إن مجلس السلام -وهو نادٍ سياسي لا يقبل إلا المدعوين ويسيطر عليه الرئيس ترامب نفسه بالكامل- يتشكل بشكل متزايد كواقع جيوسياسي جديد تفرض فيه الولايات المتحدة الأمريكية نفسها كوصية على الشؤون العالمية، بدءًا من غزة التي دمرتها حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، وتضع نفسها صراحة بديلا لمنظمة الأمم المتحدة ذاتها.
على الرغم من أن دونالد ترامب لم يصرح بذلك صراحة، فإن ازدراءه العلني للقانون الدولي وسعيه الدؤوب لإعادة تصميم النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية مؤشرات واضحة على نواياه الحقيقية.
لا شك أن المفارقة صادمة في هذا الشأن؛ فالهيئة التي من المفترض أن توجه قطاع غزة خلال عملية إعادة الإعمار بعد حرب الإبادة الجماعية المدمرة التي ارتكبتها إسرائيل لا تضم فلسطينيين، فضلا عن سكان غزة أنفسهم.
والأمر الأكثر إدانة هو حقيقة أن حرب الإبادة الجماعية التي يدعي أن الولايات المتحدة الأمريكية تتصدى لها كانت في الحقيقة مدعومة سياسياً، وممولة عسكرياً، ومحمية دبلوماسياً من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، أولاً في عهد جو بايدن ثم لاحقاً في عهد ترامب.
لا يحتاج المرء إلى بصيرة كبيرة ليستنتج أن مجلس السلام التابع لترامب لا يهتم بالسلام، ولا يهتم حقاً بغزة. فما الهدف من المبادرة إذن؟
لا تتعلق هذه المبادرة بإعادة الإعمار أو تكريس العدالة، بل تتعلق باستغلال معاناة غزة لفرض نظام عالمي جديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أولاً في الشرق الأوسط وفي نهاية المطاف إلى ما هو أبعد من ذلك.
إن غزة -وهي منطقة محاصرة تبلغ مساحتها 365 كيلومترًا مربعًا فقط- لا تتطلب هيكلًا سياسيًا جديدًا يضم عشرات من قادة العالم، الذين يُقال إن كل واحد منهم يدفع رسوم عضوية تبلغ مليار دولار.
تحتاج غزة إلى إعادة الإعمار، ومن ثم يجب منح سكانها حقوقهم الأساسية، ومحاسبة إسرائيل على جرائمها. توجد بالفعل آليات لتحقيق ذلك، وهي تشمل منظمة الأمم المتحدة، والقانون الدولي، والمؤسسات الإنسانية العريقة، وقبل كل شيء الفلسطينيون أنفسهم، الذين أصبحت قدرتهم على الصمود والعزيمة في مواجهة العدوان الإسرائيلي أسطورية.
يتجاهل مجلس السلام كل هذا من أجل مصلحة هيكل أجوف مرتجل ومصمم خصيصًا لإرضاء غرور دونالد ترامب المتقلب وتعزيز المصالح السياسية والجيوسياسية الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة.
في الواقع، يعيد هذا القرار فلسطين قرنًا من الزمان إلى الوراء، إلى حقبةٍ كانت فيها القوى الغربية تُحدد مصيرها من جانب واحد، مدفوعةً بافتراضات عنصرية تجاه الفلسطينيين والشرق الأوسط، وهي افتراضاتٌ مهدت الطريق لكوارث المنطقة المستمرة.
ومع ذلك، يبقى السؤال المحوري: هل هذه حقا مبادرةٌ فريدةٌ من نوعها في عهد ترامب؟
لا، ليس كذلك. فرغم أنها مصممة ببراعة لتغذية شعور ترامب المتضخم بالعظمة، فإنها تبقى تكتيكاً أمريكياً مألوفاً، ولا سيما خلال لحظات الأزمات العميقة.
تم توضيح هذه الاستراتيجية بشكل مقنع في كتاب نعومي كلاين «عقيدة الصدمة»، التي تعتبر أن النخب السياسية والاقتصادية تستغل الصدمات الجماعية -الحروب والكوارث الطبيعية والانهيار الاجتماعي- لفرض سياسات جذرية من شأنها أن تواجه مقاومة شعبية.
يندرج مجلس السلام الذي أنشأه ترامب ضمن هذا الإطار تماماً، حيث يستخدم دمار غزة ليس كدعوة للعدالة أو المساءلة، بل كفرصة لإعادة تشكيل الحقائق السياسية بطرق ترسخ الهيمنة الأمريكية وتهمش المعايير الدولية.
هذا ليس بالأمر الجديد. يمكن تتبع هذا النمط من خلال الأمم المتحدة التي تصورتها الولايات المتحدة، التي تأسست عام 1945 كبديل لعصبة الأمم، وكان مهندسها الرئيسي، الرئيس فرانكلين روزفلت، مصمماً على أن تضمن هذه المؤسسة الجديدة الهيمنة الهيكلية للولايات المتحدة، ولا سيما من خلال مجلس الأمن ونظام حق النقض (الفيتو)، ما يضمن نفوذ واشنطن الحاسم على الشؤون العالمية على مر الأعوام والعقود.
عندما فشلت منظمة الأمم المتحدة لاحقاً في الموافقة الكاملة على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية -ولا سيما عندما رفضت منح إدارة جورج دبليو بوش تفويضاً قانونياً لغزو العراق- وُصفت المنظمة بأنها «غير ذات صلة».
ثم قاد جورج دبليو بوش بعد ذلك ما يسمى «تحالف الراغبين»، وهي حرب عدوانية دمرت العراق وزعزعت استقرار المنطقة بأكملها، وهي عواقب وخيمة لا تزال تداعياتها قائمة حتى يومنا هذا.
شهدت فلسطين مناورة مماثلة مع ظهور ما يُسمى اللجنة الرباعية المعنية بالشرق الأوسط عام 2002، وهي إطار عمل تهيمن عليه الولايات المتحدة. ومنذ نشأتها، عملت اللجنة الرباعية بشكل منهجي على تهميش دور الفلسطينيين، والحيلولة دون أي مساءلة لإسرائيل، وجعلت القانون الدولي أمراً ثانوياً، بل ربما غير ذي جدوى.
تبقى الطريقة ثابتة: عندما تفشل الآليات الدولية القائمة في خدمة الأهداف السياسية الأمريكية، يتم ابتكار هياكل جديدة؛ ويتم تجاوز الهياكل القديمة؛ ويتم إعادة تأكيد القوة تحت ستار السلام أو الإصلاح أو الاستقرار.
وبالنظر إلى هذا السجل التاريخي، فمن المنطقي الاستنتاج أن مجلس السلام سيصبح في نهاية المطاف هيئة أخرى منحلة. ولكن قبل الوصول إلى هذه النهاية المتوقعة، فإنه يُخاطر بتقويض الآفاق الهشة أصلاً لتحقيق سلام عادل في فلسطين، وعرقلة أي جهد جاد لمحاسبة مجرمي الحرب الإسرائيليين.
أما الأمر الاستثنائي حقا فهو أنه حتى في مرحلة تراجعها، لا يزال يسمح للولايات المتحدة بالتلاعب بمصائر شعوب ومصائر مناطق بأكملها. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعد أمام أولئك الملتزمين باستعادة مركزية القانون الدولي -ليس فقط في فلسطين، بل على مستوى العالم- للتصدي لهذه الهندسة السياسية المتهورة والانتهازية.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك