العدد : ١٧٤٨٩ - الاثنين ٠٩ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨٩ - الاثنين ٠٩ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

بطء العدالة الدولية في محاسبة جرائم الحرب بغزة

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الاثنين ٠٩ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عامين‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬المدمرة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬برزت‭ ‬قضية‭ ‬مساءلة‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬ارتكبتها‭ ‬بحق‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬كاختبار‭ ‬صعب‭ ‬ومرير‭ ‬للعدالة‭ ‬الدولية‭. ‬فبينما‭ ‬تتصاعد‭ ‬الانتهاكات‭ ‬والجرائم‭ ‬الجسيمة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬جرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية‭ ‬وجريمة‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬تظهر‭ ‬آليات‭ ‬المساءلة‭ ‬الدولية‭ ‬بطيئة‭ ‬وعاجزة‭ ‬عن‭ ‬مجاراة‭ ‬حجم‭ ‬الكارثة‭ ‬الإنسانية‭. ‬تتداخل‭ ‬السياسة‭ ‬والمصالح‭ ‬الدولية‭ ‬لتعرقل‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة،‭ ‬مما‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬جوهرية‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬وفعالية‭ ‬المؤسسات‭ ‬القانونية‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وتطبيق‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أكدت‭ ‬سارة‭ ‬ليا‭ ‬ويتسن،‭ ‬المديرة‭ ‬التنفيذية‭ ‬لمنظمة‭ ‬‮«‬الديمقراطية‭ ‬الآن‭ ‬للعالم‭ ‬العربي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬نُشر‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬المركز‭ ‬العربي‭ ‬بواشنطن‭ ‬دي‭ ‬سي‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬التحركات‭ ‬الدولية‭ ‬لمحاسبة‭ ‬إسرائيل‭ ‬تمثل‭ ‬‮«‬اختبارًا‭ ‬حاسمًا‭ ‬لمصداقية‭ ‬العدالة‭ ‬الدولية‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬الأمر‭ ‬فقط‭ ‬بقدرة‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬القوانين‭ ‬وملاحقة‭ ‬الجرائم‭ ‬مستقبلًا،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬مدى‭ ‬استمرارية‭ ‬وهيبة‭ ‬المؤسسات‭ ‬القانونية‭ ‬الدولية‭ ‬نفسها‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬مؤسسات‭ ‬دولية‭ ‬بارزة‭ ‬مثل‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬والمحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬أظهرت‭ ‬استعدادًا‭ ‬لدعم‭ ‬جهود‭ ‬المساءلة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بطء‭ ‬الإجراءات‭ ‬وتداخل‭ ‬العوامل‭ ‬السياسية‭ ‬يُضعف‭ ‬من‭ ‬جدواها‭ ‬الفعلية‭. ‬فمحكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية،‭ ‬التي‭ ‬تنظر‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬ارتكبتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬لا‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬تصدر‭ ‬حكمها‭ ‬النهائي‭ ‬قبل‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2027‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬2028،‭ ‬وفقًا‭ ‬للتقديرات‭ ‬القانونية‭ ‬الحالية‭.‬

وعندما‭ ‬تحركت‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2024‭ ‬حينما‭ ‬أصدرت‭ ‬أوامر‭ ‬توقيف‭ ‬بحق‭ ‬نتنياهو‭ ‬ووزير‭ ‬دفاعه‭ ‬السابق‭ ‬يوآف‭ ‬غالانت‭ ‬بتهم‭ ‬ارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب،‭ ‬امتنعت‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬موقعة‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬روما‭ ‬الأساسي‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬تلك‭ ‬الأوامر،‭ ‬أو‭ ‬رفضتها‭ ‬تمامًا،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ -‬بحسب‭ ‬ويتسن‭-‬‭ ‬دعم‭ ‬هذه‭ ‬الحكومات‭ ‬للجرائم‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتزاماتها‭ ‬القانونية‭ ‬الدولية‭.‬

وفي‭ ‬معرض‭ ‬تحليلها،‭ ‬ترى‭ ‬ويتسن‭ ‬أن‭ ‬أدوات‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬والدبلوماسية،‭ ‬والعقوبات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استُخدمت‭ ‬بشكل‭ ‬منسق،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬وسيلة‭ ‬فعالة‭ ‬وسلمية‭ ‬لمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الإفلات‭ ‬الممنهج‭ ‬من‭ ‬العقاب‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يرى‭ ‬ماغنوس‭ ‬كيلاندر،‭ ‬أستاذ‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بريتوريا،‭ ‬أن‭ ‬الضغط‭ ‬السياسي‭ -‬من‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل‭ ‬وخارجها‭- ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬لإحداث‭ ‬تغيير‭ ‬فعلي‭.‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬بدأت‭ ‬مواقف‭ ‬بعض‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬تتغير‭ ‬باتجاه‭ ‬إدانة‭ ‬أفعال‭ ‬إسرائيل،‭ ‬تواصل‭ ‬إدارة‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬دعمها‭ ‬غير‭ ‬المشروط‭ ‬لتلك‭ ‬الأفعال،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أكدته‭ ‬لورا‭ ‬كيلي‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬‮«‬ذا‭ ‬هيل‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬منحت‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬‮«‬ضوءًا‭ ‬أخضر‭ ‬ضمنيًا‮»‬‭ ‬للمضي‭ ‬قدمًا‭ ‬في‭ ‬مخططها‭ ‬للسيطرة‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬غزة‭.‬

من‭ ‬ناحية‭ ‬قانونية،‭ ‬تنظر‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬حاليًا‭ ‬في‭ ‬قضيتين‭ ‬متوازيتين‭: ‬الأولى‭ ‬تتعلق‭ ‬بالإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬والثانية‭ ‬بالاحتلال‭ ‬غير‭ ‬القانوني‭ ‬للأراضي‭ ‬الفلسطينية‭. ‬وأوضح‭ ‬إيفا‭ ‬فوسكوفيتش،‭ ‬الأستاذ‭ ‬بجامعة‭ ‬أوتريخت‭ ‬الهولندية،‭ ‬أن‭ ‬المحكمة‭ ‬تُعرف‭ ‬ببطء‭ ‬مداولاتها،‭ ‬وتعمل‭ ‬ضمن‭ ‬آلية‭ ‬دقيقة‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬كل‭ ‬الجوانب‭ ‬الإجرائية‭.‬

وفي‭ ‬مثال‭ ‬مشابه،‭ ‬أشار‭ ‬كيلاندر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قضية‭ ‬البوسنة‭ ‬والهرسك‭ ‬ضد‭ ‬صربيا‭ ‬بموجب‭ ‬اتفاقية‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬بدأت‭ ‬عام‭ ‬1993،‭ ‬ولم‭ ‬يُصدر‭ ‬الحكم‭ ‬النهائي‭ ‬فيها‭ ‬إلا‭ ‬عام‭ ‬2007‭. ‬وبالقياس‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬البطء،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تُصدر‭ ‬المحكمة‭ ‬حكمها‭ ‬في‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬قبل‭ ‬2028،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬منحها‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬2025‭ ‬تمديدًا‭ ‬لستة‭ ‬أشهر‭ ‬لمحامي‭ ‬إسرائيل‭ ‬لتقديم‭ ‬دفاعهم‭.‬

وأوضح‭ ‬مايكل‭ ‬بيكر،‭ ‬الأستاذ‭ ‬المساعد‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬ترينيتي‭ ‬بدبلن،‭ ‬والمسؤول‭ ‬القانوني‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ (‬2010–2014‭)‬،‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬تقديم‭ ‬الدفاع‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬فإن‭ ‬المرافعات‭ ‬الختامية‭ ‬ستستغرق‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬جلسات‭ ‬الاستماع‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2027،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تطرأ‭ ‬عراقيل‭ ‬جديدة‭.‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬أصدرت‭ ‬المحكمة‭ ‬بالفعل‭ ‬عدة‭ ‬أوامر‭ ‬مؤقتة‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل،‭ ‬مثل‭ ‬وقف‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية،‭ ‬وزيادة‭ ‬دخول‭ ‬المساعدات‭ ‬إلى‭ ‬غزة،‭ ‬ووقف‭ ‬القصف‭ ‬على‭ ‬رفح،‭ ‬فقد‭ ‬تجاهلت‭ ‬حكومة‭ ‬نتنياهو‭ ‬هذه‭ ‬الأوامر‭ ‬بالكامل‭. ‬كما‭ ‬رفضت‭ ‬الالتزام‭ ‬بقرار‭ ‬المحكمة‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬2024‭ ‬الذي‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬شرعية‭ ‬احتلال‭ ‬كل‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭.‬

أشارت‭ ‬جولييت‭ ‬ماكنتاير،‭ ‬المحاضرة‭ ‬البارزة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬جنوب‭ ‬أستراليا،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المحكمة‭ ‬تُظهر‭ ‬‮«‬حذرًا‭ ‬مفرطًا‮»‬‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬لتجنب‭ ‬اتهامات‭ ‬بانحيازها‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬تباطؤها‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الدفاعات‭ ‬الإسرائيلية‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء،‭ ‬استمر‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬مسفرًا‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المدنيين،‭ ‬وإصابة‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬وتجويعهم‭ ‬عمدًا،‭ ‬فيما‭ ‬وصفه‭ ‬خبراء‭ ‬قانونيون‭ ‬وأمميون‭ ‬بأنه‭ ‬حملة‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬متعمدة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬اتخذت‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية،‭ ‬ومقرها‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬لاهاي،‭ ‬خطوات‭ ‬أكثر‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬نظيرتها‭ ‬‮«‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‮»‬‭ ‬لمحاسبة‭ ‬المسؤولين‭ ‬الإسرائيليين‭. ‬إذ‭ ‬تلقت‭ ‬المحكمة‭ ‬أدلة‭ ‬قوية‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬أبرزها‭ ‬من‭ ‬مؤسسة‭ ‬هند‭ ‬رجب،‭ ‬والتي‭ ‬قدمت‭ ‬نحو‭ ‬8000‭ ‬وثيقة‭ ‬ضد‭ ‬1000‭ ‬جندي‭ ‬إسرائيلي،‭ ‬تشمل‭ ‬منشورات‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تُظهر‭ ‬تدمير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المدنية‭ ‬واستهداف‭ ‬المدنيين‭ ‬عمدًا‭.‬

بناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬نفّذ‭ ‬المدعي‭ ‬العام‭ ‬للمحكمة،‭ ‬كريم‭ ‬خان،‭ ‬طلبًا‭ ‬بإصدار‭ ‬مذكرات‭ ‬توقيف‭ ‬دولية‭ ‬ضد‭ ‬نتنياهو‭ ‬وغالانت‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2024‭. ‬لكن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الـ125‭ ‬الموقعة‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬روما‭ ‬الأساسي‭ ‬رفضت‭ ‬التعاون‭. ‬فقد‭ ‬صرح‭ ‬المستشار‭ ‬الألماني‭ ‬فريدريش‭ ‬ميرز‭ ‬أن‭ ‬حكومته‭ ‬ستجد‭ ‬وسيلة‭ ‬لاستقبال‭ ‬نتنياهو‭ ‬دون‭ ‬تنفيذ‭ ‬أمر‭ ‬التوقيف‭. ‬أما‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬المجر‭ ‬فيكتور‭ ‬أوربان،‭ ‬فذهب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بإعلان‭ ‬انسحاب‭ ‬بلاده‭ ‬من‭ ‬عضوية‭ ‬المحكمة‭.‬

وفي‭ ‬تطور‭ ‬لاحق،‭ ‬أمر‭ ‬قضاة‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬2025‭ ‬المدعي‭ ‬العام‭ ‬خان‭ ‬بعدم‭ ‬تقديم‭ ‬طلبات‭ ‬توقيف‭ ‬جديدة‭ ‬علنًا،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُجبر‭ ‬على‭ ‬التنحي‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬العام‭ ‬بعد‭ ‬اتهامات‭ ‬بسوء‭ ‬السلوك‭ ‬الجنسي‭. ‬ورغم‭ ‬إعداد‭ ‬طلبات‭ ‬جديدة‭ ‬بحق‭ ‬شخصيات‭ ‬متطرفة‭ ‬مثل‭ ‬إيتمار‭ ‬بن‭ ‬جفير‭ ‬وبتسلئيل‭ ‬سموتريتش،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ضمان‭ ‬التزام‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬بتنفيذها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تجاهل‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬للأوامر‭ ‬السابقة‭.‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬المسارات‭ ‬الدولية،‭ ‬لاحظت‭ ‬ويتسن‭ ‬تصاعد‭ ‬جهود‭ ‬المحاسبة‭ ‬ضمن‭ ‬أنظمة‭ ‬الولاية‭ ‬القضائية‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الوطنية‭. ‬فمثلًا،‭ ‬فتح‭ ‬الادعاء‭ ‬البلجيكي‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬2024‭ ‬تحقيقًا‭ ‬ضد‭ ‬مواطن‭ ‬بلجيكي‭ ‬خدم‭ ‬كقناص‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وأحال‭ ‬القضية‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬2025‭. ‬كذلك،‭ ‬بدأت‭ ‬الشرطة‭ ‬الكندية‭ ‬تحقيقًا‭ ‬وفق‭ ‬قانون‭ ‬الجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية‭ ‬مع‭ ‬كنديين‭ ‬يشاركون‭ ‬في‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬فقد‭ ‬تقدم‭ ‬المحامي‭ ‬الحقوقي‭ ‬البارز‭ ‬مايكل‭ ‬مانسفيلد‭ ‬بشكوى‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2025‭ ‬إلى‭ ‬شرطة‭ ‬لندن‭ ‬ضد‭ ‬عشرة‭ ‬مواطنين‭ ‬بريطانيين‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬إسرائيلية‭. ‬وقال‭ ‬مانسفيلد‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬إيقاف‭ ‬دولة‭ ‬أجنبية‭ ‬عن‭ ‬انتهاك‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬فعلى‭ ‬الأقل‭ ‬يمكننا‭ ‬منع‭ ‬مواطنينا‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬فيه‮»‬‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التحقيقات‭ ‬لم‭ ‬تُفضِ‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬توجيه‭ ‬اتهامات‭ ‬رسمية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬بدأت‭ ‬تُقيد‭ ‬حركة‭ ‬الجنود‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬وتشير‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬إرادة‭ ‬دولية‭ ‬متزايدة‭ ‬لوقف‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭.‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتجاهل‭ ‬إسرائيل‭ ‬الدائم‭ ‬لأوامر‭ ‬المحاكم‭ ‬الدولية،‭ ‬أكد‭ ‬كيلاندر‭ ‬أن‭ ‬دعم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬المستمر‭ ‬لتل‭ ‬أبيب‭ ‬يُعد‭ ‬العقبة‭ ‬الأكبر‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬محاسبة‭ ‬حقيقية،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يجعل‭ ‬فرض‭ ‬العدالة‭ ‬الدولية‭ ‬أمرًا‭ ‬مستحيلًا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭. ‬وكان‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬قد‭ ‬عمد‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2025‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬المساعدات‭ ‬عن‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا،‭ ‬احتجاجًا‭ ‬على‭ ‬دعواها‭ ‬أمام‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية،‭ ‬زاعمًا‭ ‬دون‭ ‬دليل‭ ‬وجود‭ ‬تمييز‭ ‬عنصري‭ ‬ضد‭ ‬الأفريكانيين‭ ‬البيض‭.‬

كما‭ ‬وثّقت‭ ‬ويتسن‭ ‬كيف‭ ‬استهدفت‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬بحملات‭ ‬ضغط‭ ‬وتهديدات،‭ ‬تضمنت‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومنع‭ ‬سفر‭ ‬على‭ ‬المدعي‭ ‬العام‭ ‬السابق‭ ‬خان‭ ‬وموظفي‭ ‬المحكمة‭. ‬وقد‭ ‬وصفت‭ ‬منظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬بأنها‭ ‬محاولة‭ ‬‮«‬لتقويض‭ ‬قدرة‭ ‬المحكمة‭ ‬على‭ ‬ملاحقة‭ ‬مجرمي‭ ‬الحرب‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬خاتمة‭ ‬تحليلها،‭ ‬رأت‭ ‬ويتسن‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات،‭ ‬من‭ ‬المحكمة‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬الجنائية،‭ ‬ومن‭ ‬المبادرات‭ ‬الوطنية‭ ‬إلى‭ ‬التحركات‭ ‬الشعبية،‭ ‬‮«‬لم‭ ‬توقف‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المتواصلة‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬تحدّ‭ ‬من‭ ‬مساعي‭ ‬إسرائيل‭ ‬لضم‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭. ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬زخمًا‭ ‬متزايدًا‮»‬‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬لمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭.‬

وفي‭ ‬سياق‭ ‬متصل،‭ ‬ترى‭ ‬ماكنتاير‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬مزايا‭ ‬المسار‭ ‬القانوني‭ ‬لمحكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬ثبت‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ترتكب‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية،‭ ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬أي‭ ‬شك‭ ‬قانوني‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاستنتاج‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬بيكر‭ ‬حذّر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التركيز‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬التوصيف‭ ‬القانوني‭ ‬يُغفل‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬حدوث‭ ‬الإبادة‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬تأخرنا‭ ‬كثيرًا‭ ‬في‭ ‬التدخل‮»‬،‭ ‬وبالتالي‭ ‬‮«‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ننتظر‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬كي‭ ‬نتحرك‮»‬‭.‬

رغم‭ ‬التحديات‭ ‬الكبيرة‭ ‬والعراقيل‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬ملاحقة‭ ‬المسؤولين‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬تظل‭ ‬المساعي‭ ‬الدولية‭ ‬والمحلية‭ ‬لمحاسبة‭ ‬مرتكبي‭ ‬الجرائم‭ ‬حربًا‭ ‬مستمرة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬ببطء‭ ‬شديد‭. ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬الخبراء‭ ‬والحقوقيين‭ ‬هو‭ ‬قناعة‭ ‬أن‭ ‬العدالة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬تنسيق‭ ‬الجهود‭ ‬القانونية‭ ‬والسياسية،‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬الضغط‭ ‬الشعبي‭ ‬والدولي‭ ‬لمواجهة‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الدروس‭ ‬المستخلصة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬تأخير‭ ‬التحرك‭ ‬القانوني‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الكارثة،‭ ‬مما‭ ‬يحتم‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬عدم‭ ‬الانتظار‭ ‬حتى‭ ‬وقوع‭ ‬المجازر‭ ‬الكبرى،‭ ‬بل‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬سريعة‭ ‬وحاسمة‭ ‬لمنع‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭ ‬والانتهاكات‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا