على مدى أكثر من عامين من الحرب المدمرة في قطاع غزة، برزت قضية مساءلة إسرائيل عن الجرائم التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين كاختبار صعب ومرير للعدالة الدولية. فبينما تتصاعد الانتهاكات والجرائم الجسيمة، من بينها جرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، تظهر آليات المساءلة الدولية بطيئة وعاجزة عن مجاراة حجم الكارثة الإنسانية. تتداخل السياسة والمصالح الدولية لتعرقل تحقيق العدالة، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى وفعالية المؤسسات القانونية الدولية في حماية حقوق الإنسان وتطبيق القانون الدولي في ظل النزاعات المسلحة.
في هذا السياق، أكدت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لمنظمة «الديمقراطية الآن للعالم العربي»، في مقال نُشر عبر «المركز العربي بواشنطن دي سي»، أن التحركات الدولية لمحاسبة إسرائيل تمثل «اختبارًا حاسمًا لمصداقية العدالة الدولية»، حيث لا يُقاس الأمر فقط بقدرة هذه الأنظمة على تنفيذ القوانين وملاحقة الجرائم مستقبلًا، بل يشمل أيضًا مدى استمرارية وهيبة المؤسسات القانونية الدولية نفسها.
ورغم أن مؤسسات دولية بارزة مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية أظهرت استعدادًا لدعم جهود المساءلة، إلا أن بطء الإجراءات وتداخل العوامل السياسية يُضعف من جدواها الفعلية. فمحكمة العدل الدولية، التي تنظر في قضايا الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين، لا يُتوقع أن تصدر حكمها النهائي قبل نهاية عام 2027 أو حتى 2028، وفقًا للتقديرات القانونية الحالية.
وعندما تحركت المحكمة الجنائية الدولية، كما حدث في نوفمبر 2024 حينما أصدرت أوامر توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب، امتنعت عدة دول موقعة على نظام روما الأساسي عن تنفيذ تلك الأوامر، أو رفضتها تمامًا، مما يعكس -بحسب ويتسن- دعم هذه الحكومات للجرائم الإسرائيلية بدلاً من الوفاء بالتزاماتها القانونية الدولية.
وفي معرض تحليلها، ترى ويتسن أن أدوات القانون الدولي، والدبلوماسية، والعقوبات الاقتصادية، إذا ما استُخدمت بشكل منسق، يمكن أن تشكل وسيلة فعالة وسلمية لمواجهة هذا الإفلات الممنهج من العقاب. لكن في المقابل، يرى ماغنوس كيلاندر، أستاذ حقوق الإنسان في جامعة بريتوريا، أن الضغط السياسي -من داخل إسرائيل وخارجها- هو السبيل الوحيد لإحداث تغيير فعلي.
وفي حين بدأت مواقف بعض الحكومات الغربية تتغير باتجاه إدانة أفعال إسرائيل، تواصل إدارة دونالد ترامب في الولايات المتحدة دعمها غير المشروط لتلك الأفعال، وهو ما أكدته لورا كيلي من موقع «ذا هيل»، التي أشارت إلى أن واشنطن منحت تل أبيب «ضوءًا أخضر ضمنيًا» للمضي قدمًا في مخططها للسيطرة الكاملة على غزة.
من ناحية قانونية، تنظر محكمة العدل الدولية حاليًا في قضيتين متوازيتين: الأولى تتعلق بالإبادة الجماعية في غزة، والثانية بالاحتلال غير القانوني للأراضي الفلسطينية. وأوضح إيفا فوسكوفيتش، الأستاذ بجامعة أوتريخت الهولندية، أن المحكمة تُعرف ببطء مداولاتها، وتعمل ضمن آلية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار كل الجوانب الإجرائية.
وفي مثال مشابه، أشار كيلاندر إلى أن قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية بدأت عام 1993، ولم يُصدر الحكم النهائي فيها إلا عام 2007. وبالقياس على هذا البطء، قد لا تُصدر المحكمة حكمها في القضية الفلسطينية قبل 2028، خاصة مع منحها في يوليو 2025 تمديدًا لستة أشهر لمحامي إسرائيل لتقديم دفاعهم.
وأوضح مايكل بيكر، الأستاذ المساعد للقانون الدولي في كلية ترينيتي بدبلن، والمسؤول القانوني السابق في محكمة العدل الدولية (2010–2014)، أنه حتى بعد تقديم الدفاع الإسرائيلي، فإن المرافعات الختامية ستستغرق على الأقل ستة أشهر، على أن تبدأ جلسات الاستماع في وقت ما من عام 2027، إذا لم تطرأ عراقيل جديدة.
وفي حين أصدرت المحكمة بالفعل عدة أوامر مؤقتة ضد إسرائيل، مثل وقف الأعمال العدائية، وزيادة دخول المساعدات إلى غزة، ووقف القصف على رفح، فقد تجاهلت حكومة نتنياهو هذه الأوامر بالكامل. كما رفضت الالتزام بقرار المحكمة الصادر في يوليو 2024 الذي ينص على عدم شرعية احتلال كل الأراضي الفلسطينية.
أشارت جولييت ماكنتاير، المحاضرة البارزة في جامعة جنوب أستراليا، إلى أن المحكمة تُظهر «حذرًا مفرطًا» في هذه القضية لتجنب اتهامات بانحيازها ضد إسرائيل، ما يفسر تباطؤها في التعامل مع الدفاعات الإسرائيلية. وفي هذه الأثناء، استمر العدوان الإسرائيلي، مسفرًا عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وإصابة مئات الآلاف وتجويعهم عمدًا، فيما وصفه خبراء قانونيون وأمميون بأنه حملة إبادة جماعية متعمدة.
في المقابل، اتخذت المحكمة الجنائية الدولية، ومقرها كذلك في لاهاي، خطوات أكثر مباشرة من نظيرتها «محكمة العدل الدولية» لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين. إذ تلقت المحكمة أدلة قوية منذ بداية الحرب، أبرزها من مؤسسة هند رجب، والتي قدمت نحو 8000 وثيقة ضد 1000 جندي إسرائيلي، تشمل منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر تدمير البنية التحتية المدنية واستهداف المدنيين عمدًا.
بناءً على ذلك، نفّذ المدعي العام للمحكمة، كريم خان، طلبًا بإصدار مذكرات توقيف دولية ضد نتنياهو وغالانت في نوفمبر 2024. لكن العديد من الدول الـ125 الموقعة على نظام روما الأساسي رفضت التعاون. فقد صرح المستشار الألماني فريدريش ميرز أن حكومته ستجد وسيلة لاستقبال نتنياهو دون تنفيذ أمر التوقيف. أما رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، فذهب أبعد من ذلك بإعلان انسحاب بلاده من عضوية المحكمة.
وفي تطور لاحق، أمر قضاة المحكمة في أوائل 2025 المدعي العام خان بعدم تقديم طلبات توقيف جديدة علنًا، قبل أن يُجبر على التنحي في مايو من نفس العام بعد اتهامات بسوء السلوك الجنسي. ورغم إعداد طلبات جديدة بحق شخصيات متطرفة مثل إيتمار بن جفير وبتسلئيل سموتريتش، لا يمكن ضمان التزام الدول الأعضاء بتنفيذها في ظل تجاهل عدد كبير منها للأوامر السابقة.
إلى جانب المسارات الدولية، لاحظت ويتسن تصاعد جهود المحاسبة ضمن أنظمة الولاية القضائية العالمية في الدول الوطنية. فمثلًا، فتح الادعاء البلجيكي في أكتوبر 2024 تحقيقًا ضد مواطن بلجيكي خدم كقناص في الجيش الإسرائيلي، وأحال القضية إلى المحكمة الجنائية في يوليو 2025. كذلك، بدأت الشرطة الكندية تحقيقًا وفق قانون الجرائم ضد الإنسانية مع كنديين يشاركون في الجيش الإسرائيلي.
أما في بريطانيا، فقد تقدم المحامي الحقوقي البارز مايكل مانسفيلد بشكوى في أبريل 2025 إلى شرطة لندن ضد عشرة مواطنين بريطانيين شاركوا في عمليات عسكرية إسرائيلية. وقال مانسفيلد: «إذا لم نتمكن من إيقاف دولة أجنبية عن انتهاك القانون الدولي، فعلى الأقل يمكننا منع مواطنينا من المشاركة فيه». ورغم أن هذه التحقيقات لم تُفضِ حتى الآن إلى توجيه اتهامات رسمية، إلا أنها بدأت تُقيد حركة الجنود الإسرائيليين وتشير إلى وجود إرادة دولية متزايدة لوقف الإفلات من العقاب.
وفيما يتعلق بتجاهل إسرائيل الدائم لأوامر المحاكم الدولية، أكد كيلاندر أن دعم الولايات المتحدة المستمر لتل أبيب يُعد العقبة الأكبر أمام أي محاسبة حقيقية، بل إنه يجعل فرض العدالة الدولية أمرًا مستحيلًا في الوقت الحالي. وكان دونالد ترامب قد عمد في فبراير 2025 إلى وقف المساعدات عن جنوب إفريقيا، احتجاجًا على دعواها أمام محكمة العدل الدولية، زاعمًا دون دليل وجود تمييز عنصري ضد الأفريكانيين البيض.
كما وثّقت ويتسن كيف استهدفت كل من إسرائيل والولايات المتحدة المحكمة الجنائية الدولية بحملات ضغط وتهديدات، تضمنت فرض عقوبات اقتصادية ومنع سفر على المدعي العام السابق خان وموظفي المحكمة. وقد وصفت منظمة العفو الدولية هذه الإجراءات بأنها محاولة «لتقويض قدرة المحكمة على ملاحقة مجرمي الحرب».
وفي خاتمة تحليلها، رأت ويتسن أن جميع هذه الإجراءات، من المحكمة الدولية إلى الجنائية، ومن المبادرات الوطنية إلى التحركات الشعبية، «لم توقف الإبادة الجماعية الإسرائيلية المتواصلة»، كما لم تحدّ من مساعي إسرائيل لضم الأراضي الفلسطينية. غير أنها أكدت أن هناك «زخمًا متزايدًا» في العالم لمواجهة هذا الإفلات من العقاب.
وفي سياق متصل، ترى ماكنتاير أن من مزايا المسار القانوني لمحكمة العدل الدولية أنه إذا ما ثبت أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، فلن يكون هناك «أي شك قانوني في هذا الاستنتاج». لكن بيكر حذّر من أن هذا التركيز المفرط على التوصيف القانوني يُغفل حقيقة أن «حدوث الإبادة بحد ذاته يعني أننا تأخرنا كثيرًا في التدخل»، وبالتالي «لا ينبغي أن ننتظر الإبادة الجماعية كي نتحرك».
رغم التحديات الكبيرة والعراقيل السياسية التي تواجه ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين، تظل المساعي الدولية والمحلية لمحاسبة مرتكبي الجرائم حربًا مستمرة، وإن كانت ببطء شديد. ما يجمع الخبراء والحقوقيين هو قناعة أن العدالة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر تنسيق الجهود القانونية والسياسية، مع تصاعد الضغط الشعبي والدولي لمواجهة الإفلات من العقاب.
ومع ذلك، فإن الدروس المستخلصة من هذا الصراع تؤكد أن تأخير التحرك القانوني يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الكارثة، مما يحتم على المجتمع الدولي عدم الانتظار حتى وقوع المجازر الكبرى، بل اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة لمنع المزيد من المعاناة والانتهاكات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك