الفوضى التي تخلفها وراءها سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب تطول الداخل الأمريكي كما تطول العالم، إن لم تكن أكثر وطأة. وهي فوضي ليست عشوائية؛ فهي عمدية في الداخل هدفها إغراق المواطنين بكم هائل من الأنباء والتصريحات بحيث يستحيل عليهم متابعتها جميعا والتصدي لها. وذلك، بالمناسبة، واحد من التكتيكات المعروفة للنظم الشمولية.
لكن القصف المنظم للعقول يؤدي من دون قصد إلى نتائج ليست بالحسبان. فها هي تعيد ترتيب التحالفات السياسية التي طالما اعتمد عليها حزب الرئيس للفوز في الانتخابات الفيدرالية والمحلية!
إن ما تفعله إدارة ترامب عبر نشر قوات الهجرة بالمدن يمس بشكل مباشر الاصطفاف الحزبي في قضية العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات. فمنذ الستينيات على الأقل، عندما ألغي الفصل العنصري وأرسيت المساواة الاجتماعية قانونا على الأقل، بات اليمين هو التيار الذي يسعي لتحجيم دور الحكومة الفيدرالية لأنها هي التي أرست تلك المنظومة وحمتها، ويطالب بسلطات واسعة لحكومات الولايات، لأنها التي تتفنن في التراجع عن تلك المكتسبات.
أما التياران الليبرالي والتقدمي، فظلا المدافعين عن دور الحكومة الفيدرالية، إذ وجدا فيها الملاذ لتحقيق مساواة أوسع وإرساء برامج دولة الرفاهية التي لا يمكن لحكومات الولايات التملص منها. ومنذئذ، صار شعار «دور أكبر للولايات» هو اللغة الشفرية التي يستخدمها الجمهوريون، بمن فيهم ترامب نفسه، لمخاطبة جماهيرهم من دون الإفصاح عن مكنونات عنصرية صريحة.
وعلى مدى عقود طويلة، كانت الأجيال الجديدة في اليمين تُنشأ في بيئة مشبعة بنزع الثقة عن الحكومة الفيدرالية ومناصبتها العداء.
لكن ما إن وصل ترامب إلى السلطة مجددا حتى راح يسعي لتنفيذ تعهده الانتخابي بوقف الهجرة بالمطلق، الذي لا يخلو من عنصرية بالمناسبة، لأن المهاجرين يأتون اليوم من دول الجنوب. وهو استخدم صلاحياته على رأس الحكومة «الفيدرالية» لتنفيذ التعهد، فأطلق يد السلطات الفيدرالية على رأسها قوات إدارة الهجرة، فأمر بنشرها، من دون موافقة السلطات المحلية، حتى بالمدن التي لا تقع على الحدود أصلا.
ولقد تمادت قوات الهجرة، بدعم كامل وعلني من الإدارة، في استخدام العنف المفرط ضد المواطنين والمهاجرين الشرعيين، وليس فقط تجاه أولئك الذين أتوا بطرق غير الشرعية. فكانت المفارقة أن صار المدافعون عن المهاجرين، أي الليبراليين والتقدميين، في طليعة الذين يتصدون لقوات الهجرة «الفيدرالية» ويطالبون بخروجها من مدنهم. وغدا حكام الولايات الليبراليون يصفون القوات الفيدرالية «بالغزاة» الذين يقتحمون مدنهم من دون سند قانوني لأن أحدا لم يطلب وجودهم ولا وافق عليه!
ومع تزايد العنف الذي أدى إلى مقتل مواطنين من البيض، لا المهاجرين من غير البيض، لحق بكل هؤلاء الكثيرون ممن انتموا إلى اليمين التقليدي الأقل تطرفا، فضلا عن المستقلين حزبيا.
بعبارة أخري؛ فقد الجمهوريون سردية «حكم الولايات» التي كانت ورقة رابحة لتعبئة أنصارهم في الانتخابات، بل أدى استخدام ترامب القوات «الفيدرالية» لارتباك فكري وأيديولوجي لدى الكثيرين ممن يصطفون على يمين الساحة، وخصوصا الشباب.
أكثر من ذلك، فقضية الهجرة، التي ظلت عقدين على الأقل قضية انتخابية رابحة للجمهوريين في الانتخابات، حوّلها ترامب لعبء على الحزب الجمهوري، فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن الأغلبية تثق اليوم في مشروعات الديمقراطيين، لا الجمهوريين، «لإصلاح» نظام الهجرة لا إلغائها.
والأمريكيون من أصل لاتيني، المحافظون اجتماعيا واقتصاديا، الذين حسمت أصواتهم انتخابات 2024 في بعض الدوائر المتأرجحة وجدوا أنفسهم في خطر الخطف والاعتقال من جانب سلطات الهجرة التي تلاحق الناس في الشوارع بناء على لون البشرة لا بالضرورة من خلال الكشف عن أوراق الهجرة أو المواطنة!
باختصار، صار ترامب مسؤولا عن مآزق مستقبلية سيعاني منها حزبه وخاصة في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي تجري أواخر هذا العام!
{ باحثة مختصة في الشؤون الأمريكية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك