العدد : ١٧٤٨٩ - الاثنين ٠٩ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨٩ - الاثنين ٠٩ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

هل أصبح ترامب عبئا على حزبه؟!

بقلم: د. منار الشوربجي

الأحد ٠٨ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

الفوضى‭ ‬التي‭ ‬تخلفها‭ ‬وراءها‭ ‬سياسات‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬تطول‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬كما‭ ‬تطول‭ ‬العالم،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أكثر‭ ‬وطأة‭. ‬وهي‭ ‬فوضي‭ ‬ليست‭ ‬عشوائية؛‭ ‬فهي‭ ‬عمدية‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬هدفها‭ ‬إغراق‭ ‬المواطنين‭ ‬بكم‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬الأنباء‭ ‬والتصريحات‭ ‬بحيث‭ ‬يستحيل‭ ‬عليهم‭ ‬متابعتها‭ ‬جميعا‭ ‬والتصدي‭ ‬لها‭. ‬وذلك،‭ ‬بالمناسبة،‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬التكتيكات‭ ‬المعروفة‭ ‬للنظم‭ ‬الشمولية‭. ‬

لكن‭ ‬القصف‭ ‬المنظم‭ ‬للعقول‭ ‬يؤدي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قصد‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬ليست‭ ‬بالحسبان‭. ‬فها‭ ‬هي‭ ‬تعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬التحالفات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬اعتمد‭ ‬عليها‭ ‬حزب‭ ‬الرئيس‭ ‬للفوز‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الفيدرالية‭ ‬والمحلية‭!‬

إن‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬عبر‭ ‬نشر‭ ‬قوات‭ ‬الهجرة‭ ‬بالمدن‭ ‬يمس‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬الاصطفاف‭ ‬الحزبي‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬الفيدرالية‭ ‬وحكومات‭ ‬الولايات‭. ‬فمنذ‭ ‬الستينيات‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬عندما‭ ‬ألغي‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬وأرسيت‭ ‬المساواة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬قانونا‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬بات‭ ‬اليمين‭ ‬هو‭ ‬التيار‭ ‬الذي‭ ‬يسعي‭ ‬لتحجيم‭ ‬دور‭ ‬الحكومة‭ ‬الفيدرالية‭ ‬لأنها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أرست‭ ‬تلك‭ ‬المنظومة‭ ‬وحمتها،‭ ‬ويطالب‭ ‬بسلطات‭ ‬واسعة‭ ‬لحكومات‭ ‬الولايات،‭ ‬لأنها‭ ‬التي‭ ‬تتفنن‭ ‬في‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬المكتسبات‭. ‬

أما‭ ‬التياران‭ ‬الليبرالي‭ ‬والتقدمي،‭ ‬فظلا‭ ‬المدافعين‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬الحكومة‭ ‬الفيدرالية،‭ ‬إذ‭ ‬وجدا‭ ‬فيها‭ ‬الملاذ‭ ‬لتحقيق‭ ‬مساواة‭ ‬أوسع‭ ‬وإرساء‭ ‬برامج‭ ‬دولة‭ ‬الرفاهية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لحكومات‭ ‬الولايات‭ ‬التملص‭ ‬منها‭. ‬ومنذئذ،‭ ‬صار‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬دور‭ ‬أكبر‭ ‬للولايات‮»‬‭ ‬هو‭ ‬اللغة‭ ‬الشفرية‭ ‬التي‭ ‬يستخدمها‭ ‬الجمهوريون،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬ترامب‭ ‬نفسه،‭ ‬لمخاطبة‭ ‬جماهيرهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الإفصاح‭ ‬عن‭ ‬مكنونات‭ ‬عنصرية‭ ‬صريحة‭.‬

‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬طويلة،‭ ‬كانت‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬اليمين‭ ‬تُنشأ‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬مشبعة‭ ‬بنزع‭ ‬الثقة‭ ‬عن‭ ‬الحكومة‭ ‬الفيدرالية‭ ‬ومناصبتها‭ ‬العداء‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬وصل‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬مجددا‭ ‬حتى‭ ‬راح‭ ‬يسعي‭ ‬لتنفيذ‭ ‬تعهده‭ ‬الانتخابي‭ ‬بوقف‭ ‬الهجرة‭ ‬بالمطلق،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬عنصرية‭ ‬بالمناسبة،‭ ‬لأن‭ ‬المهاجرين‭ ‬يأتون‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الجنوب‭. ‬وهو‭ ‬استخدم‭ ‬صلاحياته‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬الحكومة‭ ‬‮«‬الفيدرالية‮»‬‭ ‬لتنفيذ‭ ‬التعهد،‭ ‬فأطلق‭ ‬يد‭ ‬السلطات‭ ‬الفيدرالية‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬قوات‭ ‬إدارة‭ ‬الهجرة،‭ ‬فأمر‭ ‬بنشرها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬موافقة‭ ‬السلطات‭ ‬المحلية،‭ ‬حتى‭ ‬بالمدن‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬أصلا‭. ‬

ولقد‭ ‬تمادت‭ ‬قوات‭ ‬الهجرة،‭ ‬بدعم‭ ‬كامل‭ ‬وعلني‭ ‬من‭ ‬الإدارة،‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬العنف‭ ‬المفرط‭ ‬ضد‭ ‬المواطنين‭ ‬والمهاجرين‭ ‬الشرعيين،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬تجاه‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬أتوا‭ ‬بطرق‭ ‬غير‭ ‬الشرعية‭. ‬فكانت‭ ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬صار‭ ‬المدافعون‭ ‬عن‭ ‬المهاجرين،‭ ‬أي‭ ‬الليبراليين‭ ‬والتقدميين،‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬الذين‭ ‬يتصدون‭ ‬لقوات‭ ‬الهجرة‭ ‬‮«‬الفيدرالية‮»‬‭ ‬ويطالبون‭ ‬بخروجها‭ ‬من‭ ‬مدنهم‭. ‬وغدا‭ ‬حكام‭ ‬الولايات‭ ‬الليبراليون‭ ‬يصفون‭ ‬القوات‭ ‬الفيدرالية‭ ‬‮«‬بالغزاة‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يقتحمون‭ ‬مدنهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سند‭ ‬قانوني‭ ‬لأن‭ ‬أحدا‭ ‬لم‭ ‬يطلب‭ ‬وجودهم‭ ‬ولا‭ ‬وافق‭ ‬عليه‭!‬

‭ ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬مواطنين‭ ‬من‭ ‬البيض،‭ ‬لا‭ ‬المهاجرين‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬البيض،‭ ‬لحق‭ ‬بكل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الكثيرون‭ ‬ممن‭ ‬انتموا‭ ‬إلى‭ ‬اليمين‭ ‬التقليدي‭ ‬الأقل‭ ‬تطرفا،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬المستقلين‭ ‬حزبيا‭.‬

بعبارة‭ ‬أخري؛‭ ‬فقد‭ ‬الجمهوريون‭ ‬سردية‭ ‬‮«‬حكم‭ ‬الولايات‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ورقة‭ ‬رابحة‭ ‬لتعبئة‭ ‬أنصارهم‭ ‬في‭ ‬الانتخابات،‭ ‬بل‭ ‬أدى‭ ‬استخدام‭ ‬ترامب‭ ‬القوات‭ ‬‮«‬الفيدرالية‮»‬‭ ‬لارتباك‭ ‬فكري‭ ‬وأيديولوجي‭ ‬لدى‭ ‬الكثيرين‭ ‬ممن‭ ‬يصطفون‭ ‬على‭ ‬يمين‭ ‬الساحة،‭ ‬وخصوصا‭ ‬الشباب‭.‬

أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فقضية‭ ‬الهجرة،‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬عقدين‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬قضية‭ ‬انتخابية‭ ‬رابحة‭ ‬للجمهوريين‭ ‬في‭ ‬الانتخابات،‭ ‬حوّلها‭ ‬ترامب‭ ‬لعبء‭ ‬على‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري،‭ ‬فاستطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأغلبية‭ ‬تثق‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬الديمقراطيين،‭ ‬لا‭ ‬الجمهوريين،‭ ‬‮«‬لإصلاح‮»‬‭ ‬نظام‭ ‬الهجرة‭ ‬لا‭ ‬إلغائها‭. ‬

والأمريكيون‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬لاتيني،‭ ‬المحافظون‭ ‬اجتماعيا‭ ‬واقتصاديا،‭ ‬الذين‭ ‬حسمت‭ ‬أصواتهم‭ ‬انتخابات‭ ‬2024‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدوائر‭ ‬المتأرجحة‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬خطر‭ ‬الخطف‭ ‬والاعتقال‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬سلطات‭ ‬الهجرة‭ ‬التي‭ ‬تلاحق‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬لون‭ ‬البشرة‭ ‬لا‭ ‬بالضرورة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬أوراق‭ ‬الهجرة‭ ‬أو‭ ‬المواطنة‭!‬

باختصار،‭ ‬صار‭ ‬ترامب‭ ‬مسؤولا‭ ‬عن‭ ‬مآزق‭ ‬مستقبلية‭ ‬سيعاني‭ ‬منها‭ ‬حزبه‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬للكونجرس‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬أواخر‭ ‬هذا‭ ‬العام‭!‬

 

{‭ ‬باحثة‭ ‬مختصة‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الأمريكية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا