أكبر وآخر دراسة شاملة حول أسباب الإصابة بالسرطان نُشرت في 3 فبراير 2026 في مجلة (Nature Medicine) تحت عنوان: «العبء العالمي والإقليمي للسرطان الذي يُعزى إلى عوامل الخطر القابلة للمنع، وذلك لتعميق جهود الوقاية»، وخلصتْ الدراسة التي غطت 36 نوعاً من السرطان في 185 دولة حول العالم إلى أن قرابة 40%، أي نحو 7.5 ملايين من حالات السقوط في فخ السرطان يمكن منعها وتجنبها من قبل الفرد نفسه عن طريق القيام بإجراء تغييرات بسيطة وغير مكلفة في نمط الحياة، والممارسات والعادات التي يقوم بها. فقد أفادت هذه الدراسة الجامعة بأن هناك 30 عاملاً وسبباً يزيدون من مخاطر التعرض لهذا المرض العضال، وعلى رأس القائمة وفي المرتبة الأولى التدخين بكل أنواعه من السجائر التقليدية المعروفة أو السجائر الإلكترونية، وثانياً شرب الكحوليات، حتى ولو كان قليلاً، وثالثاً البدانة والوزن الزائد، وفي المرتبة الرابعة في قائمة العوامل المسببة للسرطان هي عدم ممارسة الرياضة والتمارين العضلية، وفي المرتبة الخامسة تلوث الهواء والتعرض للسموم في الهواء الجوي، كذلك هناك العامل الغذائي من ناحية النوعية والكمية وعلاقته بالسرطان.
وفي هذا المقال سأُركز فقط على عامل الرياضة ودوره الفاعل والمشهود في خفض مخاطر الإصابة بالسرطان، إضافة إلى أمراض العصر الأخرى التي لها علاقة بممارسة أي نوع من أنواع الرياضة مثل مرض ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب الأخرى، والسكري، والبدانة والوزن المفرط، إضافة إلى الأمراض العقلية والنفسية. فالرياضة تعد من العوامل السهلة والبسيطة التي يمكن للجميع الالتزام بها دون كلفة، أو مشقة، أو وقت طويل، كما بقدرة أي إنسان على ممارستها في أي وقتٍ من الليل أو النهار، وفي أي مكان في المنزل، أو الملاعب الخارجية والحدائق، أو الصالات الرياضية المغلقة، بحيث يقوم كل إنسان بالرياضة المناسبة له، كل على حسب عمره، وقدراته، ورغباته من أجل تجنب مختلف أنواع الأمراض.
وهناك الآن إجماع عند الأطباء على أهمية ممارسة أي نوعٍ من الرياضة حتى ولو كانت خفيفة فيبذل فيها الإنسان مجهوداً بسيطاً، ودور هذا العمل البسيط في الوقاية من المرض ومنعه من جهة، والعلاج من بعض الأمراض من جهةٍ أخرى، إضافة إلى تجنب الموت المبكر بسبب هذه الأمراض.
فعلى سبيل المثال، نشرتْ مجلة «لانست الصحة الدولية» (Lancet Global Health) في 6 ديسمبر 2024 بحثاً معمقاً شاملاً تحت عنوان: «الأنماط الوطنية، الإقليمية، والدولية لممارسة النشاط البدني بدرجة غير كافية بين البالغين في الفترة من 2000 إلى 2022 لـ 5.7 ملايين مشارك»، حيث أكد حقيقة طبية هي أن عدم ممارسة الرياضة تزيد من مخاطر الوقوع في الأمراض غير المعدية الجسدية، والعقلية، والنفسية.
كذلك نشرتْ مجلة «اللانست» في 24 يناير 2026 دراسة تحت عنوان: «تجنب الوفيات بإجراء تغييرات طفيفة في النشاط البدني ووقت الجلوس». وهذه الدراسة الشاملة غطت أربع دول غربية هي النرويج والسويد والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، حيث خلصتْ إلى أن زيادة خمس دقائق كل يوم في الحركة والنشاط البدني تخفض 6% من نسبة الوفيات، أي أن الحركة تمنع الفرد من التعرض للأمراض المؤدية إلى الموت، وكلما زادت الحركة وشدة النشاط الرياضي ارتفعت هذه النسبة وزاد من تجنب المرض. كذلك خفض زمن الجلوس وعدم الحركة 30 دقيقة كل يوم يمنع ما لا يقل عن 3% من إجمالي الوفيات. كما نشرت دراسة في 29 مايو 2019 في مجلة «الطب الباطني للجمعية الطبية الأمريكية» تحت عنوان: «العلاقة بين حجم الخطوات وشدتها والوفيات عند كبار السن من النساء»، وقد استنتجت الدراسة التي شملت 16741 امرأة في سن معدل 72 عاماً بأنه كلما زادت عدد الخطوات يومياً انخفض معدل ونسبة الوفيات حتى 7500 خطوة كل يوم، وبعدها لم تتغير النسبة.
أما المجلة الطبية الأمريكية «الدورة الدموية» (Circulation) فقد نشرت دراسة في 25 يوليو 2022 تحت عنوان: «علاقة النشاط الرياضي الترفيهي لفترات طويلة بالوفيات»، حيث تكونت عينة الدراسة من 116221 أمريكياً وتمت مراقبتهم مدة 30 عاماً. وكانت النتيجة أن الرياضة الخفيفة لفترة زمنية تتراوح بين 150 إلى 300 دقيقة في الأسبوع كان لها الأثر الأكبر في خفض نسبة الوفيات. كما خصلت دراسة أخرى منشورة في المجلة نفسها في 1 أغسطس 2011 بعنوان: «العلاقة بين زمن النشاط البدني وخطر الإصابة بأمراض القلب التاجية»، واستنتجت أن ممارسة الرياضة فترة 150 دقيقة في الأسبوع تقلل من مخاطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة 14%، وأما الذين مارسوا الرياضة فترة زمنية تبلغ 300 دقيقة في الأسبوع فقد وصلت النسبة إلى 20%، كما توصلت الدراسة إلى استنتاج عام بأن الرياضة الخفيفة ذات المجهود القليل أفضل من عدم القيام بأي مجهود عضلي، وكلما زاد الجهد البدني زادت الفوائد الصحية.
وهناك مقال تحليلي في مجلة «الطبيعة» المرموقة في 28 يناير 2026 تحت عنوان: «الفوائد الصحية الكبيرة المثيرة للدهشة من التمرين البسيط»، حيث يُطلق المؤلف على ممارسة الرياضة الخفيفة المستمرة بـ«الوجبات الرياضية الخفيفة» (exercise snacks). فقد أكد أن الحركة المتقطعة المستمرة طوال اليوم تُخفض من مخاطر أمراض القلب والموت المبكر.
والآن السؤال العملي الذي يدور في مخيلة الجميع: ما عدد الساعات اللازمة لتحقيق الهدف من الرياضة ومن أجل صحة مستدامة؟
للإجابة عن هذا السؤال هناك عدة عوامل يجب أخذها في الاعتبار لتحديد الإجابة الشافية، من أهمها العمر، والوزن، وصحة الفرد ما إذا كان مريضاً، ونوعية المرض أو سليماً صحيح الجسم، ونوعية الرياضة. ولكن بشكل عام هناك توصية مشتركة صادرة من جمعية القلب الأمريكية، ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، ومنظمة الصحة العالمية وهي ممارسة الرياضة مدة 150 دقيقة أسبوعياً في الأقل من التمارين المعتدلة، أي حوالي 30 دقيقة كل يوم.
وفي تقديري وانطلاقاً من الأبحاث التي ذكرتُها سابقاً فإن أي نوعٍ من الرياضة والتمارين العضلية يفيد الإنسان ويطيل في صحته وعمره، ولو كانت فترات زمنية قصيرة كل يوم، وكلما زادت الفترة الزمنية زادت الفائدة، فالمهم هو الحركة وتجنب الجلوس والكسل والاستمرار في ممارسة الرياضة دون تقطع وتوقف، كما أنه من الضروري إضافة إلى الرياضة التقيد ببرنامج غذائي صحي سليم من الناحيتين النوعية والكمية، تنفيذاً للتوجيهات الربانية: «كلوا واشربوا ولا تسرفوا»، فبالرياضة المستدامة والغذاء الصحي المعتدل والمتوازن يستتب الأمن الصحي للإنسان.
ismail.almadany@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك