لا نعتقد أنه من قبيل الصدفة أو العشوائية أن تفرج وزارة العدل الأمريكية في يناير 2026 عما لا يقل عن 3.5 ملايين صفحة إلى جانب آلاف المواد المرئية من صور ومقاطع فيديو ومراسلات بريدية، وسجلات تحقيقات وغيرها، وذلك ضمن إجراءات الإفصاح المرتبطة بما يُعرف إعلاميًّا بقانون شفافية ملفات إبستين.
وبحسب ما جرى تداوله إعلاميًّا، أعادت الوثائق المنشورة تسليط الضوء على أسماء شخصيات معروفة عالميًا، بينها رجال أعمال وسياسيون، وإعلاميون وأكاديميون والمؤثرون وغيرهم الكثير، وإن كانت تلك الأسماء لا تهمنا ولا يهمنا ذكرها هنا، إلا أن الموضوع المهم هنا هو هذا الانحدار الأخلاقي والقيمي والفكري والوجداني والسياسي، الذي حدث في الغرب قبلة الحضارة والتمدن والحريات والديمقراطيات، وبسبب كل هذا فنحن نحاول أن نسلط بعض الأضواء على هذا الملف.
لنتعرف على جزيرة المتعة المحرمة
تقع الجزيرة ضمن جزر (العذراء الأمريكية) في البحر الكاريبي، والاسم الرسمي لها (ليتل سانت جيمس Little Saint James)، وتعرف شعبيًا باسم (جزيرة إبستين)، أو جزيرة المتعة، كما عرفت فيما بعد الفضيحة، وتبعد حوالي 3.22 كيلو مترات عن جزيرة (سانت توماس) أو جزر العذراء الأمريكية، مساحتها تقدّر بحوالي 70 إلى 78 فدانًا، تتكون معظمها من تلال صخرية، ترتفع عن سطح البحر بحوالي 80 قدمًا، يغطيها نبات وأشجار إستوائية. اشتراها (جيفري إبستين) عام 1998 بحوالي 8 ملايين دولار، واستثمر ملايين الدولارات في تطويرها، محولًا إياها إلى مقر سري شديد العزلة، محاطة بمرافق فاخرة ومعدات اتصال متقدمة، ما مكّنه من ضمان الخصوصية المطلقة، بل والتحصّن من أي رقابة خارجية. وقد أصبحت الجزيرة لاحقًا محور كل الاتهامات المتعلقة بالجرائم الجنسية والاتجار بالقاصرات والبشر التي نسبت إليه.
وبعد وفاة إبستين منتحرًا في السجن عام 2019، عُرضت الجزيرة للبيع مرة أخرى وتم بيعها في مايو 2023 لمستثمر جديد بهدف تحويلها إلى منتجع سياحي فاخر، وعلى الرغم من ذلك فقد داهمت الشرطة الفيدرالية الجزيرة فجمعت خلالها أكثر من 300 جيجابايت من البيانات والأدلة بعد عديد من الشكاوى، فأصبحت الجزيرة وما تحويه من أكبر الفضائح الأخلاقية في القرن الحالي.
دراسة تحليلية لبعض الأحداث
تٌعد الجزيرة والأحداث التي جرت فيها حالةً نموذجيةً لالتقاء ثلاثة أبعاد مترابطة، وهي: هندسة المكان المعزول واستغلالها في الضبط الاجتماعي، بنى لوجستية وتنظيمية أتاحت تشغيل شبكة اتجار واستغلال جنسي عبر الحدود، وأخيرًا تشابك رأس المال الاجتماعي للنخب السياسية والاقتصادية والثقافية مع فجوات الحوكمة والشفافية.
تكشف نتائج الدراسات والتقارير التي نشرت مؤخرًا عن علاقة سببية بين التصميم المكاني للجزيرة والقدرة على عزل الضحايا ومنع الكشف، وعن دور البنية اللوجستية (الرحلات الخاصة، الاتصالات، الحماية) في استدامة نمط الجرائم، كما توضّح كيف أسهم نشر الملايين من الصفحات والصور ومقاطع الفيديو في إعادة تشكيل السردية العامة، من دون أن يحسم الجدل الأخلاقي والقانوني حول مسؤوليات الأفراد والمؤسسات.
بالإضافة إلى ذلك تشير الشهادات الواردة في الملفات الرسمية إلى توظيف إبستين للجزيرة بوصفها مركزًا لعمليات الاستغلال الجنسي، حيث نُقلت فتيات قاصرات إلى الجزيرة تحت وعود خادعة، بعضها مرتبط بفرص عروض العمل أو الوعود التعليمية. وتصف بعض الشهادات حالات احتجاز قسرية، ومحاولات هروب سباحة، ووجود وسائل تهديد داخل غرف معزولة، مما يجعل الجزيرة نموذجًا مكثفًا لسوسيولوجيا السيطرة والجريمة المنظمة.
كما ارتبطت الجزيرة بشبكة نقل لوجستية اعتمدت على الطائرة المعروفة باسم (لوليتا إكسبريس)، وهو ما يعكس طابع التخطيط المُحكم وعبر الحدودي للجرائم المزعومة، ويعزز من فهم الجريمة باعتبارها نشاطًا منظّمًا ومدعومًا ببنية اتصالية وبشرية واسعة.
البنية الإجرامية للجزيرة وديناميات الاستغلال
تمثل الجزيرة، وفق شهادات الضحايا والوثائق المنشورة، نقطة مركزية في شبكة الاستغلال الجنسي التي ارتبطت بإبستين. وتتضمن هذه الديناميات عناصر عدّة، منها:
1. الاستدراج المنهجي للقاصرات؛ تشير روايات الشهود إلى استخدام وعود العمل أو دعم أكاديمي لاستقطاب فتيات مراهقات، ثم عزلهن داخل الجزيرة، وهو ما يتسق مع نمط معروف في أدبيات الجريمة المنظمة، يقوم على استغلال الهشاشة الاجتماعية والنفسية لدى الضحايا والمجتمع الغربي.
2. السيطرة الجغرافية والنفسية؛ تصف شهادات متعددة حالات احتجاز قسرية، أو تهديد مباشر، أو مراقبة مستمرة، إضافة إلى محاولات هرب خطرة. وتفيد هذه الشهادات أن البيئة المغلقة للجزيرة لعبت دورًا وظيفيًا في بسط السيطرة على الضحايا، حيث تحوّلت الحدود الجغرافية إلى أدوات قسرية.
3. النقل اللوجستي العابر للحدود؛ تشير مصادر عديدة إلى استخدام طائرة إبستين الخاصة والمعروفة إعلاميًا باسم (لوليتا إكسبريس) لنقل الضحايا والشخصيات المرتبطة بالقضية إلى الجزيرة. ويُظهر هذا العنصر وجهًا عابرًا للحدود في شبكة الجريمة، ما يعزّز توصيفها بوصفها (شبكة الاتجار بالبشر) لا مجرد حوادث معزولة.
التحليل النفسي الاجتماعي لطبيعة الاستغلال
عند دراسة كل الملفات والوثائق التي تم الكشف عنها، نجد أن كل العمليات التي تمت اعتمدت على بعض الجوانب النفسية والاجتماعية لكيفية استغلال القاصرات، وهي تبدو كالتالي:
أولًا: البنية النفسية للسيطرة، وتشمل:
1. صناعة التبعية: اعتمد إبستين على خلق علاقة اعتماد نفسي لدى الضحايا عبر وعود زائفة (التعليم، العمل، السفر)، خصوصًا للفتيات الأصغر سنًا، ما يجعل الضحية تشعر بأنها مدينة له أو أنه السبيل الوحيد للتقدم الاجتماعي. وهذا النمط يتوافق مع تقنيات الاستغلال العاطفي المعروفة في علم النفس، حيث يُعاد تشكيل مفهوم الضحية لذاتها بحيث يصبح المستغِل مصدرًا للحماية على الرغم من كونه مصدر الضرر.
2. العزل كأداة للهيمنة: تشير شهادات الضحايا إلى أن الجزيرة كانت بيئة مغلقة يصعب الهروب منها، وأن بعضهن حاولن السباحة للخلاص. هذا العزل ليس فقط جغرافيًا؛ بل هو عزل نفسي اجتماعي يضع الضحية في حالة من الانقطاع التام عن الدعم الخارجي، ما يقلل من قدرتها على مقاومة أفعال المستغِل ويُعمّق شعورها باللا حول ولا قوة.
3. التفريغ العاطفي والترويع: أفادت إحدى الناجيات بأنه تم وضعها في (غرفة مغلقة) مع تحكم كامل في حركتها، هذه الطريقة تنتمي إلى ما يُعرف بـ(تهيئة الخضوع)، وهي تقنية نفسية تؤدي إلى: تراجع القدرة على التفكير النقدي، انخفاض تقدير الذات، تعزيز الطاعة القسرية، وهو نمط قريب مما يُرى في حالات الاتجار والاختطاف، حيث لا يحتاج المستغِل إلى العنف المباشر طالما أن الخوف يؤدي الغرض نفسه.
ثانيًا: الديناميات الاجتماعية لشبكة الاستغلال، وتتضمن:
1. السلطة الرمزية للنخبة: وجود شخصيات نافذة في محيط إبستين – سواء في صور أو لقاءات – ولو دون تورّط جنائي، عزّز لدى الضحايا صورة أن إبستين محميٌ من القانون، وأن النظام الاجتماعي يقف إلى جانبه، وهذا الإدراك يخلق ما يُعرف في علم الاجتماع بعجز الفعل الاجتماعي، أي شعور الضحية أن محاولة المقاومة بلا جدوى.
2. تطبيع الانتهاك داخل البيئة: تشير الصور والوثائق إلى وجود فتيات في منزل إبستين في سياقات اعتيادية ظاهريًا، هذا التطبيع يقلل من حساسية الضحية تجاه الانتهاك، ويخلق بيئة يُعاد فيها تعريف السلوك المنحرف على أنه جزء من الواقع الجديد.
3. التواطؤ غير المباشر: حتى من دون مشاركة مباشرة، فإن وجود شبكة حول إبستين من الموظفين، والمساعدين، الطيّارين، المضيفين خلق بنية اجتماعية تحمي المسيء عبر الصمت أو التغاضي أو اعتبار ما يحدث شأنًا خاصًا، وهذا ما يُعرف بالصدمة الجمعية الصامتة التي تتضاعف آثارها لدى الضحايا.
ثالثًا: آليات الاستدراج النفسي، وتتضمن:
1. وعود النجاح والفرص الاجتماعية: استدرج إبستين العديد من الضحايا عبر بوابة التدريب والدعم التعليمي، وهذا يتوافق مع النموذج الإكلينيكي للاحتيال العاطفي الاجتماعي، حيث يُستخدم الأمل كأداة للسيطرة.
2. تحويل جسد الضحية إلى مورد: في الأنماط المشابهة للاتجار، يُعاد تعريف الضحية لنفسها بوصفها أداة لإرضاء رغبات الآخر، وهو ما يظهر في شهادات بعض الناجيات، وهذه المرحلة تُعرف في علم النفس بإلغاء التمكين الجسدي.
3. التلاعب بالذنب والخجل: كان إبستين – مثل كثير من المستغلين– يزرع إحساس الذنب في نفس الضحية عبر؛ إقناعها بأنها وافقت طوعًا، أو أن حياتها ستُدمَّر إن كشفت الأمر وهي آليات معروفة في علم نفس الاعتداء الجنسي.
رابعًا: الأثر النفسي الممتد، وتتضمن:
1. اضطراب ما بعد الصدمة المعقّد: وجد أن البيئة المعزولة ذات الصلة بالسيطرة الطويلة تنتج غالبًا اضطرابات ما بعد صدمة معقّدة، وليس صدمة آنية، لما تتضمنه من؛ فقدان السيطرة، التهديد المستمر، اعتماد قسري، انقطاع اجتماعي.
2. تشوّه الهوية الذاتية: الضحايا اللواتي جُلبن في سن صغيرة قد يعانين من اضطرابات في تكوين الهوية، انخفاض تقدير الذات، اعتماد نفسي طويل الأمد على الآخرين.
3. السردية الاجتماعية السامة: الوصمة الاجتماعية وصعوبة إثبات الاعتداء خاصة حين يتعلق بنخبة دولية تضيف عبئًا جديدًا على الضحايا، وقد تمنعهن من الإفصاح أو طلب العلاج.
إنّ دراسة قضية جزيرة إبستين تكشف عن منظومة متشابكة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتطرح أسئلة جوهرية حول بنية الحوكمة العالمية، وقدرة الأنظمة القضائية على مواجهة الجريمة حينما ترتبط بأصحاب الثروة والنفوذ.
وتدل المعطيات على أنّ الجزيرة لم تكن مجرد موقع جغرافي، بل كانت فضاءً تنتظم فيه علاقات قوة مركّبة؛ تتقاطع فيه الجريمة المنظمة مع اقتصاديات النفوذ والشبكات العابرة للحدود، وعليه، فمن المرجّح أن تستمر هذه القضية بوصفها موضوعًا مركزيًا في دراسات الجريمة والسياسة المقارنة، وأن تبقى وثائقها أساسًا لنقاشات مستقبلية تتعلق بالشفافية، والمحاسبة، والعدالة الجنائية.
وسؤالنا مطروح للذين يركعون في محراب الغرب، أما زلتم تركعون؟
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك