العدد : ١٧٤٨٩ - الاثنين ٠٩ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨٩ - الاثنين ٠٩ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

جزيرة وملفات إبستين والانحدار الأخلاقي الغربي

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ٠٨ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬نعتقد‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬الصدفة‭ ‬أو‭ ‬العشوائية‭ ‬أن‭ ‬تفرج‭ ‬وزارة‭ ‬العدل‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2026‭ ‬عما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬3‭.‬5‭ ‬ملايين‭ ‬صفحة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬آلاف‭ ‬المواد‭ ‬المرئية‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬ومقاطع‭ ‬فيديو‭ ‬ومراسلات‭ ‬بريدية،‭ ‬وسجلات‭ ‬تحقيقات‭ ‬وغيرها،‭ ‬وذلك‭ ‬ضمن‭ ‬إجراءات‭ ‬الإفصاح‭ ‬المرتبطة‭ ‬بما‭ ‬يُعرف‭ ‬إعلاميًّا‭ ‬بقانون‭ ‬شفافية‭ ‬ملفات‭ ‬إبستين‭. ‬

وبحسب‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬تداوله‭ ‬إعلاميًّا،‭ ‬أعادت‭ ‬الوثائق‭ ‬المنشورة‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أسماء‭ ‬شخصيات‭ ‬معروفة‭ ‬عالميًا،‭ ‬بينها‭ ‬رجال‭ ‬أعمال‭ ‬وسياسيون،‭ ‬وإعلاميون‭ ‬وأكاديميون‭ ‬والمؤثرون‭ ‬وغيرهم‭ ‬الكثير،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الأسماء‭ ‬لا‭ ‬تهمنا‭ ‬ولا‭ ‬يهمنا‭ ‬ذكرها‭ ‬هنا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الموضوع‭ ‬المهم‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬الانحدار‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والقيمي‭ ‬والفكري‭ ‬والوجداني‭ ‬والسياسي،‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬قبلة‭ ‬الحضارة‭ ‬والتمدن‭ ‬والحريات‭ ‬والديمقراطيات،‭ ‬وبسبب‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬فنحن‭ ‬نحاول‭ ‬أن‭ ‬نسلط‭ ‬بعض‭ ‬الأضواء‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭.‬

 

لنتعرف‭ ‬على‭ ‬جزيرة‭ ‬المتعة‭ ‬المحرمة

تقع‭ ‬الجزيرة‭ ‬ضمن‭ ‬جزر‭ (‬العذراء‭ ‬الأمريكية‭) ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الكاريبي،‭ ‬والاسم‭ ‬الرسمي‭ ‬لها‭ (‬ليتل‭ ‬سانت‭ ‬جيمس‭ ‬Little‭ ‬Saint‭ ‬James‭)‬،‭ ‬وتعرف‭ ‬شعبيًا‭ ‬باسم‭ (‬جزيرة‭ ‬إبستين‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬جزيرة‭ ‬المتعة،‭ ‬كما‭ ‬عرفت‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬الفضيحة،‭ ‬وتبعد‭ ‬حوالي‭ ‬3‭.‬22‭ ‬كيلو‭ ‬مترات‭ ‬عن‭ ‬جزيرة‭ (‬سانت‭ ‬توماس‭) ‬أو‭ ‬جزر‭ ‬العذراء‭ ‬الأمريكية،‭ ‬مساحتها‭ ‬تقدّر‭ ‬بحوالي‭ ‬70‭ ‬إلى‭ ‬78‭ ‬فدانًا،‭ ‬تتكون‭ ‬معظمها‭ ‬من‭ ‬تلال‭ ‬صخرية،‭ ‬ترتفع‭ ‬عن‭ ‬سطح‭ ‬البحر‭ ‬بحوالي‭ ‬80‭ ‬قدمًا،‭ ‬يغطيها‭ ‬نبات‭ ‬وأشجار‭ ‬إستوائية‭. ‬اشتراها‭ (‬جيفري‭ ‬إبستين‭) ‬عام‭ ‬1998‭ ‬بحوالي‭ ‬8‭ ‬ملايين‭ ‬دولار،‭ ‬واستثمر‭ ‬ملايين‭ ‬الدولارات‭ ‬في‭ ‬تطويرها،‭ ‬محولًا‭ ‬إياها‭ ‬إلى‭ ‬مقر‭ ‬سري‭ ‬شديد‭ ‬العزلة،‭ ‬محاطة‭ ‬بمرافق‭ ‬فاخرة‭ ‬ومعدات‭ ‬اتصال‭ ‬متقدمة،‭ ‬ما‭ ‬مكّنه‭ ‬من‭ ‬ضمان‭ ‬الخصوصية‭ ‬المطلقة،‭ ‬بل‭ ‬والتحصّن‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬رقابة‭ ‬خارجية‭. ‬وقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الجزيرة‭ ‬لاحقًا‭ ‬محور‭ ‬كل‭ ‬الاتهامات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالجرائم‭ ‬الجنسية‭ ‬والاتجار‭ ‬بالقاصرات‭ ‬والبشر‭ ‬التي‭ ‬نسبت‭ ‬إليه‭.‬

وبعد‭ ‬وفاة‭ ‬إبستين‭ ‬منتحرًا‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬عُرضت‭ ‬الجزيرة‭ ‬للبيع‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬وتم‭ ‬بيعها‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2023‭ ‬لمستثمر‭ ‬جديد‭ ‬بهدف‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬منتجع‭ ‬سياحي‭ ‬فاخر،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فقد‭ ‬داهمت‭ ‬الشرطة‭ ‬الفيدرالية‭ ‬الجزيرة‭ ‬فجمعت‭ ‬خلالها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬300‭ ‬جيجابايت‭ ‬من‭ ‬البيانات‭ ‬والأدلة‭ ‬بعد‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الشكاوى،‭ ‬فأصبحت‭ ‬الجزيرة‭ ‬وما‭ ‬تحويه‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الفضائح‭ ‬الأخلاقية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحالي‭.‬

 

دراسة‭ ‬تحليلية‭ ‬لبعض‭ ‬الأحداث‭ ‬

تٌعد‭ ‬الجزيرة‭ ‬والأحداث‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬فيها‭ ‬حالةً‭ ‬نموذجيةً‭ ‬لالتقاء‭ ‬ثلاثة‭ ‬أبعاد‭ ‬مترابطة،‭ ‬وهي‭: ‬هندسة‭ ‬المكان‭ ‬المعزول‭ ‬واستغلالها‭ ‬في‭ ‬الضبط‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بنى‭ ‬لوجستية‭ ‬وتنظيمية‭ ‬أتاحت‭ ‬تشغيل‭ ‬شبكة‭ ‬اتجار‭ ‬واستغلال‭ ‬جنسي‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬وأخيرًا‭ ‬تشابك‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للنخب‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والثقافية‭ ‬مع‭ ‬فجوات‭ ‬الحوكمة‭ ‬والشفافية‭. ‬

تكشف‭ ‬نتائج‭ ‬الدراسات‭ ‬والتقارير‭ ‬التي‭ ‬نشرت‭ ‬مؤخرًا‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬سببية‭ ‬بين‭ ‬التصميم‭ ‬المكاني‭ ‬للجزيرة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬عزل‭ ‬الضحايا‭ ‬ومنع‭ ‬الكشف،‭ ‬وعن‭ ‬دور‭ ‬البنية‭ ‬اللوجستية‭ (‬الرحلات‭ ‬الخاصة،‭ ‬الاتصالات،‭ ‬الحماية‭) ‬في‭ ‬استدامة‭ ‬نمط‭ ‬الجرائم،‭ ‬كما‭ ‬توضّح‭ ‬كيف‭ ‬أسهم‭ ‬نشر‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الصفحات‭ ‬والصور‭ ‬ومقاطع‭ ‬الفيديو‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬السردية‭ ‬العامة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحسم‭ ‬الجدل‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والقانوني‭ ‬حول‭ ‬مسؤوليات‭ ‬الأفراد‭ ‬والمؤسسات‭. ‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬تشير‭ ‬الشهادات‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬الملفات‭ ‬الرسمية‭ ‬إلى‭ ‬توظيف‭ ‬إبستين‭ ‬للجزيرة‭ ‬بوصفها‭ ‬مركزًا‭ ‬لعمليات‭ ‬الاستغلال‭ ‬الجنسي،‭ ‬حيث‭ ‬نُقلت‭ ‬فتيات‭ ‬قاصرات‭ ‬إلى‭ ‬الجزيرة‭ ‬تحت‭ ‬وعود‭ ‬خادعة،‭ ‬بعضها‭ ‬مرتبط‭ ‬بفرص‭ ‬عروض‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬الوعود‭ ‬التعليمية‭. ‬وتصف‭ ‬بعض‭ ‬الشهادات‭ ‬حالات‭ ‬احتجاز‭ ‬قسرية،‭ ‬ومحاولات‭ ‬هروب‭ ‬سباحة،‭ ‬ووجود‭ ‬وسائل‭ ‬تهديد‭ ‬داخل‭ ‬غرف‭ ‬معزولة،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الجزيرة‭ ‬نموذجًا‭ ‬مكثفًا‭ ‬لسوسيولوجيا‭ ‬السيطرة‭ ‬والجريمة‭ ‬المنظمة‭. ‬

كما‭ ‬ارتبطت‭ ‬الجزيرة‭ ‬بشبكة‭ ‬نقل‭ ‬لوجستية‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬الطائرة‭ ‬المعروفة‭ ‬باسم‭ (‬لوليتا‭ ‬إكسبريس‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬طابع‭ ‬التخطيط‭ ‬المُحكم‭ ‬وعبر‭ ‬الحدودي‭ ‬للجرائم‭ ‬المزعومة،‭ ‬ويعزز‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬الجريمة‭ ‬باعتبارها‭ ‬نشاطًا‭ ‬منظّمًا‭ ‬ومدعومًا‭ ‬ببنية‭ ‬اتصالية‭ ‬وبشرية‭ ‬واسعة‭.‬

 

البنية‭ ‬الإجرامية‭ ‬للجزيرة‭ ‬وديناميات‭ ‬الاستغلال

تمثل‭ ‬الجزيرة،‭ ‬وفق‭ ‬شهادات‭ ‬الضحايا‭ ‬والوثائق‭ ‬المنشورة،‭ ‬نقطة‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬الاستغلال‭ ‬الجنسي‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بإبستين‭. ‬وتتضمن‭ ‬هذه‭ ‬الديناميات‭ ‬عناصر‭ ‬عدّة،‭ ‬منها‭:‬

1‭. ‬الاستدراج‭ ‬المنهجي‭ ‬للقاصرات؛‭ ‬تشير‭ ‬روايات‭ ‬الشهود‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬وعود‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬دعم‭ ‬أكاديمي‭ ‬لاستقطاب‭ ‬فتيات‭ ‬مراهقات،‭ ‬ثم‭ ‬عزلهن‭ ‬داخل‭ ‬الجزيرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتسق‭ ‬مع‭ ‬نمط‭ ‬معروف‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬الجريمة‭ ‬المنظمة،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬الهشاشة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والنفسية‭ ‬لدى‭ ‬الضحايا‭ ‬والمجتمع‭ ‬الغربي‭.‬

2‭. ‬السيطرة‭ ‬الجغرافية‭ ‬والنفسية؛‭ ‬تصف‭ ‬شهادات‭ ‬متعددة‭ ‬حالات‭ ‬احتجاز‭ ‬قسرية،‭ ‬أو‭ ‬تهديد‭ ‬مباشر،‭ ‬أو‭ ‬مراقبة‭ ‬مستمرة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬محاولات‭ ‬هرب‭ ‬خطرة‭. ‬وتفيد‭ ‬هذه‭ ‬الشهادات‭ ‬أن‭ ‬البيئة‭ ‬المغلقة‭ ‬للجزيرة‭ ‬لعبت‭ ‬دورًا‭ ‬وظيفيًا‭ ‬في‭ ‬بسط‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الضحايا،‭ ‬حيث‭ ‬تحوّلت‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬قسرية‭.‬

3‭. ‬النقل‭ ‬اللوجستي‭ ‬العابر‭ ‬للحدود؛‭ ‬تشير‭ ‬مصادر‭ ‬عديدة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬طائرة‭ ‬إبستين‭ ‬الخاصة‭ ‬والمعروفة‭ ‬إعلاميًا‭ ‬باسم‭ (‬لوليتا‭ ‬إكسبريس‭) ‬لنقل‭ ‬الضحايا‭ ‬والشخصيات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالقضية‭ ‬إلى‭ ‬الجزيرة‭. ‬ويُظهر‭ ‬هذا‭ ‬العنصر‭ ‬وجهًا‭ ‬عابرًا‭ ‬للحدود‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬الجريمة،‭ ‬ما‭ ‬يعزّز‭ ‬توصيفها‭ ‬بوصفها‭ (‬شبكة‭ ‬الاتجار‭ ‬بالبشر‭) ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬حوادث‭ ‬معزولة‭.‬

 

التحليل‭ ‬النفسي‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لطبيعة‭ ‬الاستغلال

عند‭ ‬دراسة‭ ‬كل‭ ‬الملفات‭ ‬والوثائق‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬الكشف‭ ‬عنها،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬العمليات‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬اعتمدت‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الجوانب‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لكيفية‭ ‬استغلال‭ ‬القاصرات،‭ ‬وهي‭ ‬تبدو‭ ‬كالتالي‭: ‬

 

أولًا‭: ‬البنية‭ ‬النفسية‭ ‬للسيطرة،‭ ‬وتشمل‭: ‬

1‭. ‬صناعة‭ ‬التبعية‭: ‬اعتمد‭ ‬إبستين‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬علاقة‭ ‬اعتماد‭ ‬نفسي‭ ‬لدى‭ ‬الضحايا‭ ‬عبر‭ ‬وعود‭ ‬زائفة‭ (‬التعليم،‭ ‬العمل،‭ ‬السفر‭)‬،‭ ‬خصوصًا‭ ‬للفتيات‭ ‬الأصغر‭ ‬سنًا،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الضحية‭ ‬تشعر‭ ‬بأنها‭ ‬مدينة‭ ‬له‭ ‬أو‭ ‬أنه‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬للتقدم‭ ‬الاجتماعي‭. ‬وهذا‭ ‬النمط‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬تقنيات‭ ‬الاستغلال‭ ‬العاطفي‭ ‬المعروفة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس،‭ ‬حيث‭ ‬يُعاد‭ ‬تشكيل‭ ‬مفهوم‭ ‬الضحية‭ ‬لذاتها‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬المستغِل‭ ‬مصدرًا‭ ‬للحماية‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬مصدر‭ ‬الضرر‭.‬

2‭. ‬العزل‭ ‬كأداة‭ ‬للهيمنة‭: ‬تشير‭ ‬شهادات‭ ‬الضحايا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الجزيرة‭ ‬كانت‭ ‬بيئة‭ ‬مغلقة‭ ‬يصعب‭ ‬الهروب‭ ‬منها،‭ ‬وأن‭ ‬بعضهن‭ ‬حاولن‭ ‬السباحة‭ ‬للخلاص‭. ‬هذا‭ ‬العزل‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬جغرافيًا؛‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عزل‭ ‬نفسي‭ ‬اجتماعي‭ ‬يضع‭ ‬الضحية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الانقطاع‭ ‬التام‭ ‬عن‭ ‬الدعم‭ ‬الخارجي،‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مقاومة‭ ‬أفعال‭ ‬المستغِل‭ ‬ويُعمّق‭ ‬شعورها‭ ‬باللا‭ ‬حول‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭. ‬

3‭. ‬التفريغ‭ ‬العاطفي‭ ‬والترويع‭: ‬أفادت‭ ‬إحدى‭ ‬الناجيات‭ ‬بأنه‭ ‬تم‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ (‬غرفة‭ ‬مغلقة‭) ‬مع‭ ‬تحكم‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬حركتها،‭ ‬هذه‭ ‬الطريقة‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭(‬تهيئة‭ ‬الخضوع‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬تقنية‭ ‬نفسية‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭: ‬تراجع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬انخفاض‭ ‬تقدير‭ ‬الذات،‭ ‬تعزيز‭ ‬الطاعة‭ ‬القسرية،‭ ‬وهو‭ ‬نمط‭ ‬قريب‭ ‬مما‭ ‬يُرى‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الاتجار‭ ‬والاختطاف،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬المستغِل‭ ‬إلى‭ ‬العنف‭ ‬المباشر‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬الخوف‭ ‬يؤدي‭ ‬الغرض‭ ‬نفسه‭.‬

 

ثانيًا‭: ‬الديناميات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لشبكة‭ ‬الاستغلال،‭ ‬وتتضمن‭:‬

1‭. ‬السلطة‭ ‬الرمزية‭ ‬للنخبة‭: ‬وجود‭ ‬شخصيات‭ ‬نافذة‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬إبستين‭ ‬–‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬أو‭ ‬لقاءات‭ ‬–‭ ‬ولو‭ ‬دون‭ ‬تورّط‭ ‬جنائي،‭ ‬عزّز‭ ‬لدى‭ ‬الضحايا‭ ‬صورة‭ ‬أن‭ ‬إبستين‭ ‬محميٌ‭ ‬من‭ ‬القانون،‭ ‬وأن‭ ‬النظام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬يقف‭ ‬إلى‭ ‬جانبه،‭ ‬وهذا‭ ‬الإدراك‭ ‬يخلق‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬بعجز‭ ‬الفعل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬أي‭ ‬شعور‭ ‬الضحية‭ ‬أن‭ ‬محاولة‭ ‬المقاومة‭ ‬بلا‭ ‬جدوى‭.‬

2‭. ‬تطبيع‭ ‬الانتهاك‭ ‬داخل‭ ‬البيئة‭: ‬تشير‭ ‬الصور‭ ‬والوثائق‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬فتيات‭ ‬في‭ ‬منزل‭ ‬إبستين‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬اعتيادية‭ ‬ظاهريًا،‭ ‬هذا‭ ‬التطبيع‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬حساسية‭ ‬الضحية‭ ‬تجاه‭ ‬الانتهاك،‭ ‬ويخلق‭ ‬بيئة‭ ‬يُعاد‭ ‬فيها‭ ‬تعريف‭ ‬السلوك‭ ‬المنحرف‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد‭. ‬

3‭. ‬التواطؤ‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭: ‬حتى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مشاركة‭ ‬مباشرة،‭ ‬فإن‭ ‬وجود‭ ‬شبكة‭ ‬حول‭ ‬إبستين‭ ‬من‭ ‬الموظفين،‭ ‬والمساعدين،‭ ‬الطيّارين،‭ ‬المضيفين‭ ‬خلق‭ ‬بنية‭ ‬اجتماعية‭ ‬تحمي‭ ‬المسيء‭ ‬عبر‭ ‬الصمت‭ ‬أو‭ ‬التغاضي‭ ‬أو‭ ‬اعتبار‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬شأنًا‭ ‬خاصًا،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالصدمة‭ ‬الجمعية‭ ‬الصامتة‭ ‬التي‭ ‬تتضاعف‭ ‬آثارها‭ ‬لدى‭ ‬الضحايا‭.‬

 

ثالثًا‭: ‬آليات‭ ‬الاستدراج‭ ‬النفسي،‭ ‬وتتضمن‭: ‬

1‭. ‬وعود‭ ‬النجاح‭ ‬والفرص‭ ‬الاجتماعية‭: ‬استدرج‭ ‬إبستين‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬عبر‭ ‬بوابة‭ ‬التدريب‭ ‬والدعم‭ ‬التعليمي،‭ ‬وهذا‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬النموذج‭ ‬الإكلينيكي‭ ‬للاحتيال‭ ‬العاطفي‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬حيث‭ ‬يُستخدم‭ ‬الأمل‭ ‬كأداة‭ ‬للسيطرة‭.‬

2‭. ‬تحويل‭ ‬جسد‭ ‬الضحية‭ ‬إلى‭ ‬مورد‭: ‬في‭ ‬الأنماط‭ ‬المشابهة‭ ‬للاتجار،‭ ‬يُعاد‭ ‬تعريف‭ ‬الضحية‭ ‬لنفسها‭ ‬بوصفها‭ ‬أداة‭ ‬لإرضاء‭ ‬رغبات‭ ‬الآخر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬شهادات‭ ‬بعض‭ ‬الناجيات،‭ ‬وهذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تُعرف‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬بإلغاء‭ ‬التمكين‭ ‬الجسدي‭. ‬

3‭. ‬التلاعب‭ ‬بالذنب‭ ‬والخجل‭: ‬كان‭ ‬إبستين‭ ‬–‭ ‬مثل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المستغلين–‭ ‬يزرع‭ ‬إحساس‭ ‬الذنب‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الضحية‭ ‬عبر؛‭ ‬إقناعها‭ ‬بأنها‭ ‬وافقت‭ ‬طوعًا،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬حياتها‭ ‬ستُدمَّر‭ ‬إن‭ ‬كشفت‭ ‬الأمر‭ ‬وهي‭ ‬آليات‭ ‬معروفة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬نفس‭ ‬الاعتداء‭ ‬الجنسي‭.‬

 

رابعًا‭: ‬الأثر‭ ‬النفسي‭ ‬الممتد،‭ ‬وتتضمن‭: ‬

1‭. ‬اضطراب‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الصدمة‭ ‬المعقّد‭: ‬وجد‭ ‬أن‭ ‬البيئة‭ ‬المعزولة‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بالسيطرة‭ ‬الطويلة‭ ‬تنتج‭ ‬غالبًا‭ ‬اضطرابات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬صدمة‭ ‬معقّدة،‭ ‬وليس‭ ‬صدمة‭ ‬آنية،‭ ‬لما‭ ‬تتضمنه‭ ‬من؛‭ ‬فقدان‭ ‬السيطرة،‭ ‬التهديد‭ ‬المستمر،‭ ‬اعتماد‭ ‬قسري،‭ ‬انقطاع‭ ‬اجتماعي‭.‬

2‭. ‬تشوّه‭ ‬الهوية‭ ‬الذاتية‭: ‬الضحايا‭ ‬اللواتي‭ ‬جُلبن‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬صغيرة‭ ‬قد‭ ‬يعانين‭ ‬من‭ ‬اضطرابات‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬الهوية،‭ ‬انخفاض‭ ‬تقدير‭ ‬الذات،‭ ‬اعتماد‭ ‬نفسي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭.‬

3‭. ‬السردية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السامة‭: ‬الوصمة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وصعوبة‭ ‬إثبات‭ ‬الاعتداء‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬يتعلق‭ ‬بنخبة‭ ‬دولية‭ ‬تضيف‭ ‬عبئًا‭ ‬جديدًا‭ ‬على‭ ‬الضحايا،‭ ‬وقد‭ ‬تمنعهن‭ ‬من‭ ‬الإفصاح‭ ‬أو‭ ‬طلب‭ ‬العلاج‭.‬

إنّ‭ ‬دراسة‭ ‬قضية‭ ‬جزيرة‭ ‬إبستين‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬منظومة‭ ‬متشابكة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬وتطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭ ‬حول‭ ‬بنية‭ ‬الحوكمة‭ ‬العالمية،‭ ‬وقدرة‭ ‬الأنظمة‭ ‬القضائية‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الجريمة‭ ‬حينما‭ ‬ترتبط‭ ‬بأصحاب‭ ‬الثروة‭ ‬والنفوذ‭.‬

وتدل‭ ‬المعطيات‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬الجزيرة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬موقع‭ ‬جغرافي،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬فضاءً‭ ‬تنتظم‭ ‬فيه‭ ‬علاقات‭ ‬قوة‭ ‬مركّبة؛‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الجريمة‭ ‬المنظمة‭ ‬مع‭ ‬اقتصاديات‭ ‬النفوذ‭ ‬والشبكات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬وعليه،‭ ‬فمن‭ ‬المرجّح‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬بوصفها‭ ‬موضوعًا‭ ‬مركزيًا‭ ‬في‭ ‬دراسات‭ ‬الجريمة‭ ‬والسياسة‭ ‬المقارنة،‭ ‬وأن‭ ‬تبقى‭ ‬وثائقها‭ ‬أساسًا‭ ‬لنقاشات‭ ‬مستقبلية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالشفافية،‭ ‬والمحاسبة،‭ ‬والعدالة‭ ‬الجنائية‭.‬

وسؤالنا‭ ‬مطروح‭ ‬للذين‭ ‬يركعون‭ ‬في‭ ‬محراب‭ ‬الغرب،‭ ‬أما‭ ‬زلتم‭ ‬تركعون؟

 

Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا