في قصيدة للشاعر الإنجليزي ت. س. إليوت «الرجال الفارغون» هناك بيت عميق الدلالة وجدير بالتأمل يقول فيه: «بين الرغبة والقدرة يسقط الظل» وتتجلى الحكمة التي ينطق بها هذا البيت في واقعيته ودلالته على الكوارث التي يتسبب فيها الإنسان بسبب ذلك الظل المشار إليه في البيت.
ترى ماذا عساه أن يكون هذا الظل؟ إنه يتمثل في الفجوة الواسعة العميقة بين ما يرغب الإنسان في تحقيقه ويسعى جاهدا إلى تنفيذه وقدرته الفعلية على تحقيق رغباته في الواقع عندما يصطدم بهذه الهوة الكبيرة الفاصلة بين ما كان يتخيله ويحلم بتحقيقه والواقع الفعلي الذي يعيش فيه بل -وهنا تتجلى ذروة الأزمة- حينما يكتشف أن ما خطط له واتخذه من إجراءات لتجنب الكوارث لم يكن سوى السبب الأساسي المباشر لوقوعها! وتلك هي الفكرة المحورية لمفهوم التراجيديا الإغريقية وفيها يكمن سر قوتها وسداد حكمتها.
وتتجلى بقوة مفارقات «الظل» في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن. فقد تتخذ الحكومات قرارات وتصدر ترسانة من التشريعات باسم المصلحة العامة أو الرخاء الاقتصادي أو المحافظة على الأمن والاستقرار ولكنها تفاجأ بأن ما اتخذته من إجراءات قد جر على شعوبها مزيدا من الكوارث.
التاريخ السياسي للدول يعج بأمثلة لزعماء سعوا إلى توسيع نفوذهم خارج حدود دولهم، باسم القوة أو الأيديولوجيا أو «العظمة التاريخية»، لكن طموحاتهم انتهت بكوارث ارتدت عليهم وعلى دولهم.
طمح نابليون إلى السيطرة على أوروبا القارية وإخضاعها للقوة العسكرية وتصدير مبادئ الثورة الفرنسية إليها فشن حروبا متلاحقة ضد الملكيات الكبرى وغزا إسبانيا، وشن حملة على روسيا عام 1812 أدت إلى انهيار جيشه وإمبراطوريته وتحطمت أحلامه بسبب طموحه المفرط وعجزه عن تثبيت السيطرة السياسية على الأراضي التي احتلها.
وفي ألمانيا سعى هتلر إلى إنشاء «المجال الحيوي«(Lebensraum) للأمة الألمانية، وفرض هيمنة أيديولوجية وعرقية على أوروبا، فضم النمسا وغزا بولندا، وفرض سيطرته على أوروبا الغربية، ثم هجم على الاتحاد السوفيتي الذي تمكن عندما حل الشتاء من صده وإلحاق هزيمة قاسية بجيشه وأدت الحرب إلى تدمير ألمانيا وتقسيمها كما أصابت شعبها بصدمة تاريخية طويلة الأمد.
وفي عهد الإمبراطورية اليابانية (1930-1945) سعى قادتها العسكريون إلى فرض هيمنتها على آسيا تحت شعار تخليصها من الاستعمار الغربي؛ فغزا جيشها منشوريا، والصين، وجنوب شرق آسيا وتوسع في المحيط الهادئ ودخل في حرب شاملة مع الولايات المتحدة انتهت بقصف الولايات المتحدة مدينتي هيروشيما ونجازاكي بقنبلتين ذريتين عام 1945 تسببتا في مقتل نحو 140000 إلى 220000 شخص معظمهم من المدنيين.
وها هو ذا التاريخ يعيدنا إلى كارثة مماثلة وشيكة، مسرحها هذه المرة الولايات المتحدة، ففيها تعاود «مفارقة الظل» تشكلها في الأفق. فمنذ أن وصل ترامب إلى الرئاسة شرع في وضع سياسات مغايرة بصورة جذرية لسياسات سابقيه.
وخرجت دراسات عديدة تحاول تحليل التحولات العميقة في السياسة الأمريكية والتنبؤ بما يمكن أن يترتب عليها من آثار بعيدة المدى على السياسة الدولية. ومن بين هذه التحولات تلك التي تتعلق بسياسات الأمن في داخل الولايات المتحدة وخارجها. فالسياسة التي ينتهجها الرئيس الأمريكي داخليا وخارجيا باسم استعادة نفوذ أمريكا الذي بدأ يخفت أمام نفوذ القوى العظمى المنافسة من شأنها أن تطيح برئاسته وبحكومته وأن تضر بمركز بلاده أمام القوى الكبرى الأخرى.
فعندما شنت الولايات المتحدة هجوما عسكريا على فنزويلا إحياءً لمبدأ «مونرو» (Monroe)، الذي أصدره الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو في عام 1823 والذي يجعل من أمريكا اللاتينية حظيرة مغلقة للولايات المتحدة لا شأن لأوروبا بها؛ عقد ترامب مؤتمراً صحفياً عقب الهجوم قال فيه: «إن مبدأ مونرو أمر مهم لكننا الآن تجاوزناه بمراحل، واسمه الآن هو «وثيقة دونرو» (Donroe) بدلا من «مونرو»، ولم يعد ثمة تشكيك في الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي مرة أخرى».
وتضمنت نسخة ترامب المحدثة من مبدأ «مونرو» مبدأ يتيح للولايات المتحدة التدخل في أمريكا اللاتينية وتحقيق أهدافها الاستراتيجية والتحكم في الشؤون الداخلية فيها. كما يتسنى لها استبعاد النفوذين الروسي والصيني من نصف الكرة الأرضية.
وأعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو صراحةً أن بلاده لن تسمح بتحول أي دولة في نصف الكرة الغربي إلى مركز لأنشطة خصوم الولايات المتحدة، ولن تقبل بأن تظل أكبر احتياطيات نفطية في العالم تحت سيطرة الصين أو روسيا أو إيران أو أطراف مُعادية أخرى.
لم يتوقف طموح ترامب المفرط عند غزو فنزويلا في الجنوب، فها هو الآن يخطط لغزو جرينلاند في الشمال ويرسل أساطيله المدججة بالسلاح صوب الشواطئ الإيرانية. فإلى أين يمكن أن تقود هذه السياسات ترامب وأمريكا في عالم اليوم؟
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب - جامعة حلوان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك