العدد : ١٧٤٩٠ - الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٠ - الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

سياسات ترامب ودروس التاريخ

بقلم: د. عصام عبدالفتاح {

الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬قصيدة‭ ‬للشاعر‭ ‬الإنجليزي‭ ‬ت‭. ‬س‭. ‬إليوت‭ ‬‮«‬الرجال‭ ‬الفارغون‮»‬‭ ‬هناك‭ ‬بيت‭ ‬عميق‭ ‬الدلالة‭ ‬وجدير‭ ‬بالتأمل‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭: ‬‮«‬بين‭ ‬الرغبة‭ ‬والقدرة‭ ‬يسقط‭ ‬الظل‮»‬‭ ‬وتتجلى‭ ‬الحكمة‭ ‬التي‭ ‬ينطق‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬واقعيته‭ ‬ودلالته‭ ‬على‭ ‬الكوارث‭ ‬التي‭ ‬يتسبب‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬بسبب‭ ‬ذلك‭ ‬الظل‭ ‬المشار‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬البيت‭.‬

‭ ‬ترى‭ ‬ماذا‭ ‬عساه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الظل؟‭ ‬إنه‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الفجوة‭ ‬الواسعة‭ ‬العميقة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يرغب‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬تحقيقه‭ ‬ويسعى‭ ‬جاهدا‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذه‭ ‬وقدرته‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬رغباته‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬عندما‭ ‬يصطدم‭ ‬بهذه‭ ‬الهوة‭ ‬الكبيرة‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يتخيله‭ ‬ويحلم‭ ‬بتحقيقه‭ ‬والواقع‭ ‬الفعلي‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭ ‬بل‭ -‬وهنا‭ ‬تتجلى‭ ‬ذروة‭ ‬الأزمة‭- ‬حينما‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬خطط‭ ‬له‭ ‬واتخذه‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬لتجنب‭ ‬الكوارث‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سوى‭ ‬السبب‭ ‬الأساسي‭ ‬المباشر‭ ‬لوقوعها‭! ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬الفكرة‭ ‬المحورية‭ ‬لمفهوم‭ ‬التراجيديا‭ ‬الإغريقية‭ ‬وفيها‭ ‬يكمن‭ ‬سر‭ ‬قوتها‭ ‬وسداد‭ ‬حكمتها‭.‬

‭ ‬وتتجلى‭ ‬بقوة‭ ‬مفارقات‭ ‬‮«‬الظل‮»‬‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والأمن‭. ‬فقد‭ ‬تتخذ‭ ‬الحكومات‭ ‬قرارات‭ ‬وتصدر‭ ‬ترسانة‭ ‬من‭ ‬التشريعات‭ ‬باسم‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬الرخاء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬ولكنها‭ ‬تفاجأ‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬اتخذته‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬قد‭ ‬جر‭ ‬على‭ ‬شعوبها‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬الكوارث‭.‬

التاريخ‭ ‬السياسي‭ ‬للدول‭ ‬يعج‭ ‬بأمثلة‭ ‬لزعماء‭ ‬سعوا‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬نفوذهم‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬دولهم،‭ ‬باسم‭ ‬القوة‭ ‬أو‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬أو‭ ‬‮«‬العظمة‭ ‬التاريخية‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬طموحاتهم‭ ‬انتهت‭ ‬بكوارث‭ ‬ارتدت‭ ‬عليهم‭ ‬وعلى‭ ‬دولهم‭.‬

طمح‭ ‬نابليون‭ ‬إلى‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬القارية‭ ‬وإخضاعها‭ ‬للقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وتصدير‭ ‬مبادئ‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬إليها‭ ‬فشن‭ ‬حروبا‭ ‬متلاحقة‭ ‬ضد‭ ‬الملكيات‭ ‬الكبرى‭ ‬وغزا‭ ‬إسبانيا،‭ ‬وشن‭ ‬حملة‭ ‬على‭ ‬روسيا‭ ‬عام‭ ‬1812‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬جيشه‭ ‬وإمبراطوريته‭ ‬وتحطمت‭ ‬أحلامه‭ ‬بسبب‭ ‬طموحه‭ ‬المفرط‭ ‬وعجزه‭ ‬عن‭ ‬تثبيت‭ ‬السيطرة‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬التي‭ ‬احتلها‭.‬

وفي‭ ‬ألمانيا‭ ‬سعى‭ ‬هتلر‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬‮«‬المجال‭ ‬الحيوي‮«‬‭(‬Lebensraum‭) ‬للأمة‭ ‬الألمانية،‭ ‬وفرض‭ ‬هيمنة‭ ‬أيديولوجية‭ ‬وعرقية‭ ‬على‭ ‬أوروبا،‭ ‬فضم‭ ‬النمسا‭ ‬وغزا‭ ‬بولندا،‭ ‬وفرض‭ ‬سيطرته‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬الغربية،‭ ‬ثم‭ ‬هجم‭ ‬على‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬الذي‭ ‬تمكن‭ ‬عندما‭ ‬حل‭ ‬الشتاء‭ ‬من‭ ‬صده‭ ‬وإلحاق‭ ‬هزيمة‭ ‬قاسية‭ ‬بجيشه‭ ‬وأدت‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬ألمانيا‭ ‬وتقسيمها‭ ‬كما‭ ‬أصابت‭ ‬شعبها‭ ‬بصدمة‭ ‬تاريخية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭.‬

وفي‭ ‬عهد‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬اليابانية‭ (‬1930-1945‭) ‬سعى‭ ‬قادتها‭ ‬العسكريون‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬هيمنتها‭ ‬على‭ ‬آسيا‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬تخليصها‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭ ‬الغربي؛‭ ‬فغزا‭ ‬جيشها‭ ‬منشوريا،‭ ‬والصين،‭ ‬وجنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬وتوسع‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬ودخل‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬انتهت‭ ‬بقصف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مدينتي‭ ‬هيروشيما‭ ‬ونجازاكي‭ ‬بقنبلتين‭ ‬ذريتين‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬تسببتا‭ ‬في‭ ‬مقتل‭ ‬نحو‭ ‬140000‭ ‬إلى‭ ‬220000‭ ‬شخص‭ ‬معظمهم‭ ‬من‭ ‬المدنيين‭.‬

وها‭ ‬هو‭ ‬ذا‭ ‬التاريخ‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬كارثة‭ ‬مماثلة‭ ‬وشيكة،‭ ‬مسرحها‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ففيها‭ ‬تعاود‭ ‬‮«‬مفارقة‭ ‬الظل‮»‬‭ ‬تشكلها‭ ‬في‭ ‬الأفق‭. ‬فمنذ‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬الرئاسة‭ ‬شرع‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬سياسات‭ ‬مغايرة‭ ‬بصورة‭ ‬جذرية‭ ‬لسياسات‭ ‬سابقيه‭.‬

وخرجت‭ ‬دراسات‭ ‬عديدة‭ ‬تحاول‭ ‬تحليل‭ ‬التحولات‭ ‬العميقة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والتنبؤ‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يترتب‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭ ‬على‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتعلق‭ ‬بسياسات‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وخارجها‭. ‬فالسياسة‭ ‬التي‭ ‬ينتهجها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬داخليا‭ ‬وخارجيا‭ ‬باسم‭ ‬استعادة‭ ‬نفوذ‭ ‬أمريكا‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬يخفت‭ ‬أمام‭ ‬نفوذ‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬المنافسة‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تطيح‭ ‬برئاسته‭ ‬وبحكومته‭ ‬وأن‭ ‬تضر‭ ‬بمركز‭ ‬بلاده‭ ‬أمام‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬الأخرى‭.‬

فعندما‭ ‬شنت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هجوما‭ ‬عسكريا‭ ‬على‭ ‬فنزويلا‭ ‬إحياءً‭ ‬لمبدأ‭ ‬‮«‬مونرو‮»‬‭ (‬Monroe‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬أصدره‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الخامس‭ ‬جيمس‭ ‬مونرو‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1823‭ ‬والذي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬حظيرة‭ ‬مغلقة‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬شأن‭ ‬لأوروبا‭ ‬بها؛‭ ‬عقد‭ ‬ترامب‭ ‬مؤتمراً‭ ‬صحفياً‭ ‬عقب‭ ‬الهجوم‭ ‬قال‭ ‬فيه‭: ‬‮«‬إن‭ ‬مبدأ‭ ‬مونرو‭ ‬أمر‭ ‬مهم‭ ‬لكننا‭ ‬الآن‭ ‬تجاوزناه‭ ‬بمراحل،‭ ‬واسمه‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬‮«‬وثيقة‭ ‬دونرو‮»‬‭ (‬Donroe‭) ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬‮«‬مونرو‮»‬،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬ثمة‭ ‬تشكيك‭ ‬في‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‮»‬‭.‬

‭ ‬وتضمنت‭ ‬نسخة‭ ‬ترامب‭ ‬المحدثة‭ ‬من‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬مونرو‮»‬‭ ‬مبدأ‭ ‬يتيح‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬وتحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬فيها‭. ‬كما‭ ‬يتسنى‭ ‬لها‭ ‬استبعاد‭ ‬النفوذين‭ ‬الروسي‭ ‬والصيني‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭.‬

وأعلن‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي‭ ‬ماركو‭ ‬روبيو‭ ‬صراحةً‭ ‬أن‭ ‬بلاده‭ ‬لن‭ ‬تسمح‭ ‬بتحول‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الغربي‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬لأنشطة‭ ‬خصوم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ولن‭ ‬تقبل‭ ‬بأن‭ ‬تظل‭ ‬أكبر‭ ‬احتياطيات‭ ‬نفطية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬الصين‭ ‬أو‭ ‬روسيا‭ ‬أو‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬أطراف‭ ‬مُعادية‭ ‬أخرى‭.‬

‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬طموح‭ ‬ترامب‭ ‬المفرط‭ ‬عند‭ ‬غزو‭ ‬فنزويلا‭ ‬في‭ ‬الجنوب،‭ ‬فها‭ ‬هو‭ ‬الآن‭ ‬يخطط‭ ‬لغزو‭ ‬جرينلاند‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬ويرسل‭ ‬أساطيله‭ ‬المدججة‭ ‬بالسلاح‭ ‬صوب‭ ‬الشواطئ‭ ‬الإيرانية‭. ‬فإلى‭ ‬أين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقود‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬ترامب‭ ‬وأمريكا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اليوم؟

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي

‭ ‬بكلية‭ ‬الآداب‭ - ‬جامعة‭ ‬حلوان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا