إذا كنا نريد أن نفهم الكيفية التي يعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الترويج لعهدته الرئاسية وسياساته، وخاصة عندما يتم الطعن فيها، فإنه يتعين فهم وإدراك مدى التأثير الذي أحدثه المحامي الراحل روي كوهين، من نيويورك، على نهج ترامب، سواء على صعيد السياسة أو السلطة.
طوال معظم مسيرته المهنية، كان المحامي الراحل روي كوهين لاعباً مؤثرا يعمل من وراء الكواليس، وممارساً يتقن الحيل القذرة وسياسة القوة، حيث ارتبط اسمه برجال من ذوي النفوذ وذلك لمساعدتهم في مسيرتهم المهنية، والاستفادة من ذلك في خدمة مصالحه وتطوير مسيرته المهنية الشخصية.
برز روي كوهين كمدعٍ عام في قضية روزنبرغ، وهما زوجان اتُهما وأُدينا وأُعدما بتهمة التجسس لصالح الاتحاد السوفيتي. بعدها عمل كوهين كخبير استراتيجي رئيسي في جلسات الاستماع التي عقدها السيناتور جوزيف مكارثي في الكونغرس، والتي، ورغم أنها صُممت لكشف التغلغل الشيوعي في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنها انتهت بتدمير حياة أناس كثيرين بدل أن تكشف عن الشيوعيين.
واصل كوهين تقديم المشورة للرئيسين ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان، قبل أن يربط مسيرته المهنية بالشاب اليافع دونالد ترامب عندما كان في بداية حياته المهنية في عالم العقارات والسياسة في مدينة نيويورك.
لقد تم تلخيص نصيحة كوهين لأولئك الذين عمل معهم في ثلاث قواعد أساسية ألا وهي الهجوم، الهجوم ثم الهجوم، وإنكار كل شيء وعدم الاعتراف بأي شيء مهما كانت الأوضاع والاعتبارات - ومهما حدث يجب ادعاء النصر دائمًا وتجنب الإقرار بالهزيمة مهما كانت الظروف.
كان المنطق وراء هذه القواعد الثلاث بسيطًا. فلطالما أراد روي كوهين أن يكون عملاؤه أو تلاميذه في وضع الهجوم، وأن يظهروا صورة القوة وعدم الضعف، وأن يبدوا قساة ومسيطرين.
تتجلى هذه السمات يومياً في البيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترامب، على سبيل المثال، من خلال سخريته وهجماته المتواصلة على سلفه جو بايدن، والديمقراطيين الآخرين، والمحاكم، ووسائل الإعلام الرئيسية، وأولئك الذين يجرؤون على تحديه.
ويمكن ملاحظة ذلك أيضاً في ادعاءات ترامب وتباهيه المتواصل بالنجاح، حتى عندما يقول الواقع عكس ذلك - على سبيل المثال، أن حشوده كانت أكبر من حشود باراك أوباما، وأن أسعار المستهلك آخذة في الانخفاض، أو أنه جلب السلام إلى ثمانية مناطق تشهد صراعات في جميع أنحاء العالم.
شهد شهر يناير 2025 مثالين واضحين اثنين على تطبيق دروس روي كوهين، بدءًا من أداء الرئيس ترامب في منتدى دافوس. ففي خطابه أمام قادة العالم من السياسيين والاقتصاديين، وبينما كان يدافع عن حق الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على غرينلاند - مؤكدًا أنها لن تتراجع عن مطالبتها - لم يتوان سيد البيب الأبيض في إهانة الأوروبيين، مشيرًا إلى نقاط ضعفهم مقارنةً بقوة الولايات المتحدة الأمريكية، كما هددهم بفرض عقوبات أشد إذا لم يتم تلبية طلبه.
عقب إلقاء ذلك الخطاب، وخلال المفاوضات مع نفس القادة الأوروبيين، تراجع الرئيس ترامب. ومع ذلك، وبعد خروجهم من المفاوضات باتفاق يُبقي الوضع على حاله إلى حد كبير، أعلن ترامب نفسه تحقيق النصر.
يتكرر الوضع نفسه الآن فيما يتعلق بالمشاكل الحقيقية التي يواجهها البيت الأبيض في حملته لاحتجاز وترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين من الولايات المتحدة الأمريكية. خلال حملته الرئاسية، شن ترامب هجوماً مضاداً واستهدف من خلاله الديمقراطيين ووصفهم بالضعف، واتهم دول أمريكا اللاتينية بفتح سجونها ومستشفياتها العقلية لإغراق الولايات المتحدة الأمريكية بأشخاص خطرين.
تحمّل المهاجرون أنفسهم وطأة وتبعات هجمات ترامب، فكانت النتيجة انتشار الخوف والذعر. وبعد أن خصص حزبه الجمهوري في الكونغرس عشرات الملايين من الدولارات لتمكين البيت الأبيض من توظيف وكالة موسعة لإنفاذ قوانين الهجرة لتنفيذ عمليات الترحيل، بدا الرئيس ترامب في أوج قوته.
ومنذ البداية، اتضح أن الرئيس ترامب ربما كان لديه أجندة أوسع من مجرد ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الخطرين. فقد اختار الولايات التي غمرها بعناصر إنفاذ القانون المسلحين، وهي ولايات ذات أغلبية ديمقراطية، وكان الهدف من ذلك هو الترهيب والإذلال.
وكما هو متوقع، على الرغم من أن عمليات إنفاذ قوانين الهجرة هذه في واشنطن ولوس أنجلوس وشيكاغو ومدن في ولاية أوريغون، والآن مينيابوليس، كانت أكثر تعقيدا ولم تحقق النجاح المرجو، فإن الرئيس ترامب لم يتوان عن إعلان النصر كدأبه دائما. فهو لا يعترف بالهزيمة أبداً.
من بين كل هذه المحاولات الأولية لإظهار القوة، قد تكون مينيابوليس هي الأصعب بالنسبة إلى الرئيس ترامب. فقد بدأ حملته الانتخابية بمهاجمة وإهانة حاكم الولاية، وعضوة الكونغرس الصومالية الأمريكية، والجالية الصومالية بأكملها.
دخل عملاء إدارة الهجرة باستعراض قوة هائل - 3000 عنصر فيدرالي مسلح، مقارنةً بقوة شرطة المدينة المكونة من 600 ضابط. ما لم يتوقعه البيت الأبيض هو أنهم سيواجهون مقاومة شديدة من سكان المدينة ذوي الأغلبية البيضاء.
كذلك، وجهت الكنائس والمعابد اليهودية نداءً لأتباعه في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية للانضمام إليهم. وبالفعل فقد توافد عشرات الآلاف لإقامة وقفات احتجاجية وتوفير الحماية للمهاجرين في المدينة.
ربما في حالة من الارتباك، ردّ العملاء الفيدراليون باللجوء إلى استخدام أساليب القوة المفرطة. ففي يناير الماضي، قُتل اثنان من المراقبين المتطوعين السلميين الذين كانوا يوثقون ويتابعون عمليات الاعتقال بالرصاص. وجريا على نهج روي كوهين، فقد ردّ مسؤولو إدارة الهجرة بالاعتداء على الضحيتين ومحاولة تشويه سمعتهما.
فقد راحوا يصفونهما بأنهما من «الإرهابيين المحليين»، وقالوا إنهما كانا يحاولان قتل رجال إنفاذ القانون. وكما هو متوقع، فقد شنّوا هجمات عنيفة، حيث سعوا إلى نفي جميع التهم ولم يعترفوا بأي خطأ.
في الماضي، كان هذا النهج يرضي مؤيدي الرئيس دونالد ترامب، لكنه لم يؤدِّ إلا إلى تعميق الانقسام الحزبي، غير أن الوضع اختلف هذه المرة. فقد انتقد بعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين وحكام الولايات جرائم القتل، والأساليب المفرطة المستخدمة، والأكاذيب التي روجها العديد من مسؤولي البيت الأبيض حول هوية الضحايا وما فعله العملاء الفيدراليون فعلاً أثناء قتلهم.
هنا تصبح الأمور أكثر إثارة للاهتمام والجدل، وربما تجعل روي كوهين يتقلب في قبره. فبدلاً من رفع التحدي، بدا الرئيس دونالد ترامب وكأنه يتراجع في ظل تصاعد الانتقادات. فقد اتصل بحاكم ولاية مينيسوتا، وأقال القائد المتعجرف الذي أرسله للإشراف على العمليات في مينيابوليس، وألمح إلى أنه سيكون هناك تقليص في وجود ضباط إنفاذ القانون في الأسابيع المقبلة.
لقد عمد ترامب على الأرجح إلى اتخاذ هذا الإجراء لتهدئة الأوضاع المتوترة، لا سيما مع ازدياد قلق أعضاء حزبه بشأن انتخابات التجديد النصفي المزمع تنظيمها في شهر نوفمبر القادم. قد تكون تحركات البيت الأبيض مجرد تغيير في الصورة العامة لا في التكتيكات. لكن هذا التراجع، إلى جانب تراجعه بشأن الاستحواذ على غرينلاند، يمثل مؤشرات مبكرة على وجود حدود تتوقف عندها نصيحة روي كوهين عندما تصطدم بواقعٍ صعب لا يلين.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك