المعلّقة.. امرأة دخلت نزاعا أسريا، ثم وجدت نفسها في مسار قضائي مفتوح بلا نهاية واضحة. ليست مستقرة داخل زواج قائم، ولا قادرة على إغلاقه بطريقة تسمح لها أن ترتب حياتها من جديد. هذا الفراغ القانوني هو ما يستنزفها، قبل أي شيء آخر.
في الملفات، نتحدث عن دعوى طلاق أو تفريق، أما في البيت فالحياة تمضي بلا وضوح. أيام تُدار على مواعيد قضائية، وأسئلة من الأبناء لا تجد جوابًا. تعيش المرأة المعلّقة داخل واقع متقلّب، تحاول أن تعرف أين تقف، وكيف تمضي، وما الذي يمكن أن تبني عليه قرارها القادم. ومع الوقت تتراكم الأعباء اليومية: السكن، شؤون الأبناء، الالتزامات المالية، ونظرة المجتمع، فتتحول أبسط التفاصيل إلى عبء ثقيل يرافقها في كل خطوة.
قانون الأسرة البحريني رسم مسارات لإنهاء العلاقة الزوجية عند تعذّر استمرارها، مع اختلاف في بعض الإجراءات بين الشق السني والشق الجعفري. المشكلة لا تكمن في وجود هذه المسارات، وإنما فيما يحدث أثناء تطبيقها، خصوصًا في قضايا التفريق المرتبطة بإثبات الضرر. فبين تقدير المحكمة، وتفاوت الاجتهاد، وطول الإجراءات، يجد بعض النساء أنفسهن عالقات لسنوات. هذه تفاصيل يفهمها القانونيون كمسائل إجرائية، بينما تعيشها المرأة كوقت يُقتطع من عمرها.
وفي هذه النقطة تتسع الفجوة بين النص والتجربة اليومية. فالتثبّت القضائي حق أصيل وضمانة للجميع، ولا غنى عنه في قضايا تمسّ كيان الأسرة. لكن ما يغيب أحيانًا هو النظر إلى الأثر التراكمي لما يمرّ به الإنسان أثناء هذا المسار. فالمعاناة لا تكون دائمًا واقعة واحدة واضحة المعالم؛ قد تتشكل عبر تفاصيل يومية متتابعة، تترك أثرها النفسي أولًا، ثم تظهر لاحقًا في مسار القضية.
وهنا تبرز الحاجة إلى مراجعة بعض النصوص القانونية التي أثبت الواقع أنها تُعقّد الحسم بدل أن تُيسّره. وفي حوار «قضية المعلّقات.. إلى أين؟» الذي عُقد مؤخرًا في قاعة مؤسسة الأيام، طُرحت جملة من القضايا المرتبطة بواقع المعلّقات، من بينها تيسير مسارات التفريق حين يصعب إثبات الضرر، وتأكيد أثر ضعف الوعي القانوني في إطالة أمد بعض القضايا. إشارات جاءت ضمن نقاش أوسع، لكنها تعكس حاجة واضحة لأن يبقى القانون أداة إنصاف، لا سببًا لإطالة الانتظار.
وفي جوهر هذا كله، يضع ديننا الحنيف قاعدة واضحة للعلاقة الزوجية حين تتعذّر المعيشة: «فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ».
آية تختصر لحظة الفراق كلها. إما استمرار بمعروف، أو نهاية بإحسان. وما تعيشه المعلّقات اليوم هو غياب هذا الإحسان تحديدًا، حين يتحول الانفصال إلى انتظار طويل، وتُترك المرأة أسيرة وضع لا يليق بروح النص ولا بمقصده.
كثير من المعلّقات لا يطلبن امتيازًا خاصًا. ما يحتجنه حسما يعيد إليهن وضوح المسار. فالقضية لا تبقى داخل حدود المحكمة؛ تمتد إلى نظرات المجتمع، والأسئلة اليومية، وإلى صورة المرأة حين تُختزل في تعريف زوجي، بينما واقعها الشخصي معلّق بين بداية لا تكتمل ونهاية لا تأتي.
وبحكم عملي القانوني، مرّت أمامي حالات كثيرة لنساء يحملن هذا العبء. رأيتهن في البداية يتكلمن بثبات، ثم يعدن لاحقًا أقل كلامًا، أكثر تعبًا، وكأن شيئًا في داخلهن انكسر بهدوء. بعضهن لا يشتكين، لكن يمكن ملاحظة التغيّر في التفاصيل الصغيرة: ارتباك في الإجابة، تردد غير معتاد، خوف من اتخاذ قرار بسيط.
رأيت أمهات يخفين قلقهن أمام أبنائهن كي لا ينتقل الوجع إلى داخل البيت. أكثر ما يوجع في هذه التجارب هو هذا التحول الداخلي الذي لا تلتقطه الأوراق، ولا يظهر في محاضر الجلسات.
والأثر الذي لا يُرى بسهولة، أن المرأة تبدأ بالشعور بأن حياتها لم تعد في يدها. إحساس ثقيل بأن قراراتها تُدار من الخارج، وبأنها تتحرك داخل مساحة ضيقة لا تختار حدودها. هذا الفقد التدريجي للسيطرة يترك أثرًا نفسيًا عميقًا، حتى لدى أكثر النساء قوة.
والأطفال في الوسط لا يعيشون المصطلحات. يعيشون التوتر في بيت بلا يقين، يقرؤون الخوف في مزاج الأم وصمتها، من دون أن يملكوا لغة لشرحه.
من زاوية عملية، جزء من المشكلة يعود أيضًا إلى ضعف الوعي القانوني لدى بعض النساء قبل الدخول في مسار التقاضي. ماذا يعني «الضرر» في التطبيق؟ كيف يُثبت؟ ما الذي تقبله المحكمة وما الذي لا تعتبره كافيًا؟ غياب هذا الفهم يجعل الطريق أطول، ويجعل القضايا أكثر تعقيدًا مما يجب لهذا، الحديث عن قضايا المعلّقات لا يكفي أن يبقى في دائرة التوصيف العام. نحن بحاجة إلى معالجة تُشبه الواقع. مسارات أكثر وضوحًا، دعم قانوني مبكر، وآليات تقلل زمن الانتظار حين تتكدس المعاناة وتصبح ثابتة.
المرأة المعلّقة إنسانة كاملة الحضور، تتحمّل أعباء أيامها وحدها في كثير من الأحيان، وتواصل إدارة بيت مثقل بالقلق، وتخفي إرهاقها كي لا ينهار ما حولها. ومع كل مرحلة تمرّ بها، يتراجع شيء من توازنها الداخلي، من دون إشارات واضحة، ومن دون شهود.
وهنا يتجاوز الأمر إطار الحكم أو الإجراء. فبقاء امرأة لسنوات في وضع غير محسوم يحتاج قراءة إنسانية هادئة، تنسجم مع صورة وطننا، الذي شهد حضور المرأة في ميادين العمل والمسؤولية، ومع واقع أسر تعتمد عليها يوميًا. تقليص زمن هذا التعليق حاجة عملية لاستقرار البيوت، ووضوح المسارات، وحماية المرأة من آثار حالة معلّقة ترهق الحياة اليومية.
فالمعلّقة لا تنتظر شفقة. تنتظر حسماً. حسماً يُترجم «التسريح بإحسان» من نص شرعي إلى واقع معاش، ويحفظ للمرأة كرامتها في كل مراحل حياتها.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك