بين مآذن بخارى العتيقة وشواطئ المنامة المتجددة، تمتد جسور عصية على النسيان، ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، لتشكل اليوم مشهداً دبلوماسياً فريداً يتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية.
إن العلاقات البحرينية - الأوزبكية ليست مجرد بروتوكولات سياسية أملتها ضرورات اللحظة، بل هي استعادة لوعي حضاري مشترك، وانبعاث لروح «طريق الحرير» الذي ربط لؤلؤ الخليج العربي بخيرات سمرقند وبخارى، في تناغم إنساني وتجاري قلّ نظيره عبر العصور.
حيث يعود الارتباط بين البلدين إلى زمن كانت فيه القوافل والسفن هي المحرك الأول للعولمة القديمة.
فقد مثلت أوزبكستان، عبر مدنها الأسطورية سمرقند وبخارى، «القلب النابض» لطريق الحرير البري، بينما كانت البحرين (حضارة دلمون قديماً) حلقة الوصل الرئيسية في «طريق الحرير البحري» الذي ربط المحيط الهندي بالخليج العربي.
وعبر هذه الشبكة المعقدة، لم ترحل البضائع وحدها كاللؤلؤ البحريني والمنسوجات والحرير الأوزبكي، بل انتقلت الأفكار والفلسفات، مما خلق وشائج ثقافية سبقت رسم الحدود السياسية بقرون.
لا يمكن قراءة حاضر العلاقة دون العودة إلى الخيط الروحي الذي يربط المنامة بطشقند.
فأوزبكستان هي موطن الإمامين البخاري والترمذي، اللذين شكلت مؤلفاتهما ركيزة أساسية في الوجدان والتعليم الديني في البحرين والمنطقة العربية برمتها.
هذا الارتباط خلق ما يمكن تسميته بـ «المواطنة الثقافية»، حيث يجد البحريني في أوزبكستان امتداداً لهويته الروحية.
واليوم، يتجلى هذا الإرث فيما يُعرف بسياحة الزيارة الدينية والثقافية (Ziyorat Tourism)، حيث يشد الرحالة من البحرين رحالهم نحو المواقع التاريخية في أوزبكستان، في رحلة بحث عن الجمال المعماري والسكينة الروحية، وهو اهتمام متزايد يسعى البلدان إلى تأطيره عبر منصات سياحية متخصصة تبرز هذا التاريخ المشترك.
وفي العصر الحديث، كانت مملكة البحرين من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال أوزبكستان عام 1991، وهي خطوة عكست عمق التقدير السياسي.
ومنذ ذلك الحين، شهدت العلاقات قفزات نوعية، وصولاً إلى القمة الخليجية مع دول آسيا الوسطى في جدة عام 2023، والتي شكلت نقطة تحول استراتيجية لتحويل الروابط التاريخية إلى شراكات اقتصادية مستدامة.
إلى جانب زيارة وزير الخارجية الأوزبكي باختيور سعيدوف للمنامة في أغسطس 2025، حيث التقى نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير المالية ووزير الصناعة والتجارة ورئيس شركة ممتلكات البحرينية، وتم توقيع اتفاق إعفاء تأشيرات لجوازات السفر الدبلوماسية.
لقد أدركت المنامة، برؤية ثاقبة من جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، أن أوزبكستان بقيادة الرئيس شوكت ميرضيائيف هي «بوابة المستقبل» في آسيا الوسطى، والمدخل الرئيسي لسوق ضخم يتطلع نحو التكنولوجيا والخدمات اللوجستية التي تبرع فيها البحرين.
إن المحرك الفعلي لهذه العلاقة اليوم يكمن في «التكامل الوظيفي» فالبحرين التي تضع الأمن الغذائي أولوية قصوى ضمن رؤيتها 2030، تجد في الأراضي الزراعية الخصبة في أوزبكستان شريكاً مثالياً لتأمين سلاسل التوريد، خاصة مع نمو التجارة الخليجية-أوزبكية الذي تضاعف عدة مرات منذ 2020.
وفي المقابل، تتطلع طشقند للاستفادة من الخبرة البحرينية المتراكمة في قطاع «الصيرفة الإسلامية» لتمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى، وهو قطاع تمتلك فيه المنامة ريادة عالمية.
علاوة على ذلك، يبرز قطاع الطاقة والتحول الرقمي كميدان واعد؛ حيث تسهم الخبرات البحرينية في تسريع النهضة التكنولوجية التي تشهدها «أوزبكستان الجديدة»، مع تركيز متزايد على الطاقة المتجددة والسياحة والاستثمار المتبادل.
«ختاماً، يمكن القول إن العلاقات البحرينية - الأوزبكية تقف اليوم عند مفترق طرق بين إرثٍ روحيٍّ عظيم وواقعٍ اقتصاديٍّ يتطلب دفعاً استراتيجياً يتجاوز لغة البروتوكولات. إن نجاح هذه الشراكة في المستقبل لا يقاس بعدد مذكرات التفاهم، بل بمدى القدرة على تحويلها إلى مشاريع عابرة للحدود تخدم الأمن الغذائي والريادة المالية. كباحث يراقب تطور التحالفات الناشئة، أرى أن الفرصة مواتية أمام المنامة وطشقند لصياغة نموذج فريد للتعاون بين القوى المتوسطة، بشرط الانتقال من مرحلة (الاستكشاف الدبلوماسي) إلى مرحلة (التنفيذ الوظيفي)؛ فالتاريخ قد منح البلدين الشرعية، لكن الاقتصاد هو وحده من سيمنحهما الاستدامة في عالمٍ لا يؤمن إلا بلغة المصالح والنتائج الملموسة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك