العدد : ١٧٤٩١ - الأربعاء ١١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩١ - الأربعاء ١١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

العلاقات البحرينية الأوزبكية قواسم مشتركة وتطلعات نحو الشراكة

بقلم: عبدالحميد حميد الكبي

الأربعاء ١١ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

بين‭ ‬مآذن‭ ‬بخارى‭ ‬العتيقة‭ ‬وشواطئ‭ ‬المنامة‭ ‬المتجددة،‭ ‬تمتد‭ ‬جسور‭ ‬عصية‭ ‬على‭ ‬النسيان،‭ ‬ضاربة‭ ‬بجذورها‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬التاريخ،‭ ‬لتشكل‭ ‬اليوم‭ ‬مشهداً‭ ‬دبلوماسياً‭ ‬فريداً‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الجغرافيا‭ ‬التقليدية‭. ‬

إن‭ ‬العلاقات‭ ‬البحرينية‭ - ‬الأوزبكية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬بروتوكولات‭ ‬سياسية‭ ‬أملتها‭ ‬ضرورات‭ ‬اللحظة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬استعادة‭ ‬لوعي‭ ‬حضاري‭ ‬مشترك،‭ ‬وانبعاث‭ ‬لروح‭ ‬‮«‬طريق‭ ‬الحرير‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ربط‭ ‬لؤلؤ‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بخيرات‭ ‬سمرقند‭ ‬وبخارى،‭ ‬في‭ ‬تناغم‭ ‬إنساني‭ ‬وتجاري‭ ‬قلّ‭ ‬نظيره‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭.‬

حيث‭ ‬يعود‭ ‬الارتباط‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬القوافل‭ ‬والسفن‭ ‬هي‭ ‬المحرك‭ ‬الأول‭ ‬للعولمة‭ ‬القديمة‭.‬

‭ ‬فقد‭ ‬مثلت‭ ‬أوزبكستان،‭ ‬عبر‭ ‬مدنها‭ ‬الأسطورية‭ ‬سمرقند‭ ‬وبخارى،‭ ‬‮«‬القلب‭ ‬النابض‮»‬‭ ‬لطريق‭ ‬الحرير‭ ‬البري،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬البحرين‭ (‬حضارة‭ ‬دلمون‭ ‬قديماً‭) ‬حلقة‭ ‬الوصل‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬‮«‬طريق‭ ‬الحرير‭ ‬البحري‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ربط‭ ‬المحيط‭ ‬الهندي‭ ‬بالخليج‭ ‬العربي‭. ‬

وعبر‭ ‬هذه‭ ‬الشبكة‭ ‬المعقدة،‭ ‬لم‭ ‬ترحل‭ ‬البضائع‭ ‬وحدها‭ ‬كاللؤلؤ‭ ‬البحريني‭ ‬والمنسوجات‭ ‬والحرير‭ ‬الأوزبكي،‭ ‬بل‭ ‬انتقلت‭ ‬الأفكار‭ ‬والفلسفات،‭ ‬مما‭ ‬خلق‭ ‬وشائج‭ ‬ثقافية‭ ‬سبقت‭ ‬رسم‭ ‬الحدود‭ ‬السياسية‭ ‬بقرون‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءة‭ ‬حاضر‭ ‬العلاقة‭ ‬دون‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الخيط‭ ‬الروحي‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬المنامة‭ ‬بطشقند‭. ‬

فأوزبكستان‭ ‬هي‭ ‬موطن‭ ‬الإمامين‭ ‬البخاري‭ ‬والترمذي،‭ ‬اللذين‭ ‬شكلت‭ ‬مؤلفاتهما‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬والتعليم‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬والمنطقة‭ ‬العربية‭ ‬برمتها‭.‬

‭ ‬هذا‭ ‬الارتباط‭ ‬خلق‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬المواطنة‭ ‬الثقافية‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يجد‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬أوزبكستان‭ ‬امتداداً‭ ‬لهويته‭ ‬الروحية‭. ‬

واليوم،‭ ‬يتجلى‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬فيما‭ ‬يُعرف‭ ‬بسياحة‭ ‬الزيارة‭ ‬الدينية‭ ‬والثقافية‭ (‬Ziyorat‭ ‬Tourism‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يشد‭ ‬الرحالة‭ ‬من‭ ‬البحرين‭ ‬رحالهم‭ ‬نحو‭ ‬المواقع‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬أوزبكستان،‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬بحث‭ ‬عن‭ ‬الجمال‭ ‬المعماري‭ ‬والسكينة‭ ‬الروحية،‭ ‬وهو‭ ‬اهتمام‭ ‬متزايد‭ ‬يسعى‭ ‬البلدان‭ ‬إلى‭ ‬تأطيره‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬سياحية‭ ‬متخصصة‭ ‬تبرز‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬المشترك‭.‬

وفي‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬كانت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬اعترفت‭ ‬باستقلال‭ ‬أوزبكستان‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬وهي‭ ‬خطوة‭ ‬عكست‭ ‬عمق‭ ‬التقدير‭ ‬السياسي‭.‬

ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬شهدت‭ ‬العلاقات‭ ‬قفزات‭ ‬نوعية،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬القمة‭ ‬الخليجية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬جدة‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬والتي‭ ‬شكلت‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬استراتيجية‭ ‬لتحويل‭ ‬الروابط‭ ‬التاريخية‭ ‬إلى‭ ‬شراكات‭ ‬اقتصادية‭ ‬مستدامة‭. ‬

إلى‭ ‬جانب‭ ‬زيارة‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأوزبكي‭ ‬باختيور‭ ‬سعيدوف‭ ‬للمنامة‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2025،‭ ‬حيث‭ ‬التقى‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬ووزير‭ ‬الخارجية‭ ‬ووزير‭ ‬المالية‭ ‬ووزير‭ ‬الصناعة‭ ‬والتجارة‭ ‬ورئيس‭ ‬شركة‭ ‬ممتلكات‭ ‬البحرينية،‭ ‬وتم‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬إعفاء‭ ‬تأشيرات‭ ‬لجوازات‭ ‬السفر‭ ‬الدبلوماسية‭.‬

لقد‭ ‬أدركت‭ ‬المنامة،‭ ‬برؤية‭ ‬ثاقبة‭ ‬من‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬أن‭ ‬أوزبكستان‭ ‬بقيادة‭ ‬الرئيس‭ ‬شوكت‭ ‬ميرضيائيف‭ ‬هي‭ ‬‮«‬بوابة‭ ‬المستقبل‮»‬‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬والمدخل‭ ‬الرئيسي‭ ‬لسوق‭ ‬ضخم‭ ‬يتطلع‭ ‬نحو‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬التي‭ ‬تبرع‭ ‬فيها‭ ‬البحرين‭.‬

إن‭ ‬المحرك‭ ‬الفعلي‭ ‬لهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬اليوم‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬‮«‬التكامل‭ ‬الوظيفي‮»‬‭ ‬فالبحرين‭ ‬التي‭ ‬تضع‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬أولوية‭ ‬قصوى‭ ‬ضمن‭ ‬رؤيتها‭ ‬2030،‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية‭ ‬الخصبة‭ ‬في‭ ‬أوزبكستان‭ ‬شريكاً‭ ‬مثالياً‭ ‬لتأمين‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬نمو‭ ‬التجارة‭ ‬الخليجية‭-‬أوزبكية‭ ‬الذي‭ ‬تضاعف‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬منذ‭ ‬2020‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تتطلع‭ ‬طشقند‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬الخبرة‭ ‬البحرينية‭ ‬المتراكمة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬‮«‬الصيرفة‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ ‬لتمويل‭ ‬مشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وهو‭ ‬قطاع‭ ‬تمتلك‭ ‬فيه‭ ‬المنامة‭ ‬ريادة‭ ‬عالمية‭. ‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يبرز‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬والتحول‭ ‬الرقمي‭ ‬كميدان‭ ‬واعد؛‭ ‬حيث‭ ‬تسهم‭ ‬الخبرات‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬النهضة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬‮«‬أوزبكستان‭ ‬الجديدة‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬تركيز‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والسياحة‭ ‬والاستثمار‭ ‬المتبادل‭.‬

‮«‬ختاماً،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬العلاقات‭ ‬البحرينية‭ - ‬الأوزبكية‭ ‬تقف‭ ‬اليوم‭ ‬عند‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬بين‭ ‬إرثٍ‭ ‬روحيٍّ‭ ‬عظيم‭ ‬وواقعٍ‭ ‬اقتصاديٍّ‭ ‬يتطلب‭ ‬دفعاً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬يتجاوز‭ ‬لغة‭ ‬البروتوكولات‭. ‬إن‭ ‬نجاح‭ ‬هذه‭ ‬الشراكة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬بعدد‭ ‬مذكرات‭ ‬التفاهم،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ ‬تخدم‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والريادة‭ ‬المالية‭. ‬كباحث‭ ‬يراقب‭ ‬تطور‭ ‬التحالفات‭ ‬الناشئة،‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الفرصة‭ ‬مواتية‭ ‬أمام‭ ‬المنامة‭ ‬وطشقند‭ ‬لصياغة‭ ‬نموذج‭ ‬فريد‭ ‬للتعاون‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة،‭ ‬بشرط‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ (‬الاستكشاف‭ ‬الدبلوماسي‭) ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ (‬التنفيذ‭ ‬الوظيفي‭)‬؛‭ ‬فالتاريخ‭ ‬قد‭ ‬منح‭ ‬البلدين‭ ‬الشرعية،‭ ‬لكن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬هو‭ ‬وحده‭ ‬من‭ ‬سيمنحهما‭ ‬الاستدامة‭ ‬في‭ ‬عالمٍ‭ ‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬إلا‭ ‬بلغة‭ ‬المصالح‭ ‬والنتائج‭ ‬الملموسة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا