مع تصاعد الاتهامات الدولية لإسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، وفق ما أكدته لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الصادر في سبتمبر 2025، بدأت بعض الدول الغربية — وعلى رأسها ألمانيا— بمراجعة مواقفها من تصدير الأسلحة إلى تل أبيب. وبينما يُنظر إلى القرار الألماني بفرض حظر جزئي على صادرات الأسلحة كتحول سياسي بارز، يسلط المشهد العام الضوء على تقاعس أوروبي وغربي واسع عن اتخاذ مواقف حاسمة تتماشى مع التزامات القانون الدولي الإنساني.
كما خلص التقرير إلى أن القوات الإسرائيلية ارتكبت جرائم إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني في غزة، وفقًا لما نصت عليه «اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها» لعام 1948. ولم يقتصر التقرير على دعوة حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية إلى إنهاء سلسلة انتهاكاتها ووقف إطلاق النار الإنساني الفوري، بل دعا أيضًا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وعددها 192 دولة، إلى استخدام جميع الوسائل الممكنة والمعقولة لوقف الحرب، وفي مقدمتها التوقف الكامل عن نقل الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل عندما توجد أسباب للاشتباه في استخدامها بعمليات تنطوي على إبادة جماعية.
ورغم أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال الداعم الأكبر لإسرائيل عسكريًا وماليًا، إذ واصلت تزويدها بالقنابل والأسلحة منذ أكتوبر 2023، إلا أن التقرير أشار أيضًا إلى تورط دول غربية أخرى في تقديم الدعم العسكري والحفاظ على علاقات وثيقة مع الجيش الإسرائيلي. وتبرز ألمانيا تحديدًا باعتبارها ثاني أكبر مورد للأسلحة لإسرائيل بين عامي 2020 و2024، وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
في هذا السياق، حظي قرار حكومة فريدريش ميرز المحافظة في أغسطس 2025 بوقف جزئي لصادرات الأسلحة إلى إسرائيل باهتمام واسع، باعتباره تحولًا لافتًا في سياسة برلين التي لطالما دافعت سابقًا عن ممارسات إسرائيل في غزة. وأوضحت الصحفية المستقلة ستاسا سالاكانين في مقال لمركز ستيمسون أن القرار أثار نقاشًا حادًا في أوروبا حول تحول محتمل في الموقف الغربي من التعاون العسكري مع إسرائيل. ورغم أن تراخيص التصدير الألمانية انخفضت فعليًا إلى الصفر، إلا أن أي حكومة غربية كبرى أخرى لم تتخذ خطوة مماثلة.
وفي حين بادرت فرنسا وبريطانيا إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية أمام الأمم المتحدة في سبتمبر 2025، لم تتخذا إجراءات عملية لوقف تدفق الأسلحة إلى إسرائيل، رغم مطالبات حقوقيين وأكاديميين وساسة داخل بلديهما بضرورة التحرك الجاد لوقف الانتهاكات ضد المدنيين في غزة.
وفي ألمانيا، أوضح الباحث في المعهد الألماني للتنمية والاستدامة، لامارك فورنيس، أن العلاقة بين برلين وتل أبيب في مجال التعاون العسكري ونقل الأسلحة «معقدة للغاية»، مشيرًا إلى أن ألمانيا استحوذت على نحو ثلث واردات إسرائيل من الأسلحة بين عامي 2020 و2024، معظمها قطع بحرية مثل الفرقاطات والطوربيدات. وأشار إلى غياب الشفافية في قطاع تصدير الأسلحة، إذ لا يُصنف سوى 2% من عمليات النقل قانونيًا ضمن «أسلحة الحرب».
وبحسب البرلمان الألماني، بلغت تراخيص تصدير المعدات العسكرية إلى إسرائيل بين أكتوبر 2023 ومايو 2025 نحو 564 مليون دولار، شملت سفنًا بحرية ومعدات كهربائية ورادارات وأسلحة خفيفة ومركبات مدرعة. ووفقًا لسالاكانين، فإن قرار ميرز بتعليق تراخيص التصدير جاء ردًا على هجوم بري جديد شنّه جيش نتنياهو على غزة، وكان الهدف منه توجيه رسالة بأن دعم ألمانيا لإسرائيل ليس مطلقًا. ومع ذلك، ظلت نتائج القرار غامضة.
وفي سبتمبر 2025، أعلنت الحكومة الألمانية وقف إصدار أي تراخيص جديدة لتصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وأكد وزير الشؤون الاقتصادية، توماس ستيفن، أن مراجعة الصادرات ستتم وفقًا للاعتبارات السياسية والأمنية والقانونية لكل حالة على حدة. لكن النائب أولريش ثودن من حزب اليسار، ومعه سياسيون معارضون آخرون، شككوا في جدوى القرار، معتبرين أن أي إجراء دون وقف كامل للتعاون العسكري يُعد «تواطؤًا في جرائم الحرب الإسرائيلية».
وعلى نطاق أوسع، لم تلتزم الحكومات الأوروبية والغربية بوقف شامل لصادرات الأسلحة، واكتفت بإجراءات رمزية محدودة الأثر على قدرة إسرائيل على مواصلة عملياتها العسكرية في غزة. ففي إيطاليا، التي تعد ثالث أكبر مورد لإسرائيل بنسبة 1% فقط من وارداتها بين 2020 و2024، أعلن وزير الخارجية أنطونيو تاجاني في أغسطس 2025 أن بلاده لم تبع أسلحة لإسرائيل منذ أكتوبر 2024، بينما أقر وزير الدفاع غيدو كروسيتو في مارس 2024 باستمرار تنفيذ العقود الموقعة قبل الحرب، رغم مخالفتها للقانون الإيطالي في حال ثبوت استخدامها بانتهاك القانون الدولي.
أما في إسبانيا، فأقر البرلمان في أكتوبر 2025 قانونًا يمنع تصدير الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية إلى إسرائيل، إلا أن القانون يتضمن استثناءات تتعلق بـ«المصلحة الوطنية العامة»، مما قلل من فعاليته. وبالمثل، فرضت سلوفينيا حظرًا كاملًا على تجارة الأسلحة مع إسرائيل، لكنها اعترفت بأن الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي المكون من 27 دولة تعيق اتخاذ موقف موحد، فيما وصفت صحيفة «بوليتيكو» قرارها بأنه «رمزي إلى حد كبير».
إلى جانب القرارات الحكومية الوطنية التي لم تُحدث تأثيرًا فعليًا في إسرائيل، أصدرت محكمة بلجيكية في أغسطس 2025 قرارًا يُلزم الحكومة الإقليمية في فلاندرز بمنع عبور جميع المعدات العسكرية المتجهة إلى إسرائيل عبر ميناء أنتويرب، وهو الميناء الرئيسي في البلاد. واعتبر الدكتور جوليان إمامي ناميني من جامعة إيراسموس في روتردام أن هذا القرار سيكون «رمزيًا فقط»، إذ يمكن بسهولة تحويل هذه الشحنات إلى موانئ أوروبية أخرى لا تفرض قيودًا مماثلة.
ورغم أوجه القصور في تفاصيل هذه القرارات وآليات تنفيذها، فإن الحظر الجزئي أو الكلي الذي فرضته بعض الدول الأوروبية على صادرات الأسلحة إلى إسرائيل يبرز التناقض الواضح مع سياسات المملكة المتحدة وفرنسا، اللتين اكتفيتا بخطوات محدودة لا تتناسب مع حجم الجرائم المرتكبة ضد المدنيين الفلسطينيين في غزة.
في سبتمبر 2024، أعلنت حكومة حزب العمال البريطاني بقيادة السير كير ستارمر تعليق نحو 30 ترخيصًا لتصدير الأسلحة إلى إسرائيل، بعد أن اعترف وزير الخارجية ديفيد لامي بوجود «خطر واضح» من أن تُستخدم هذه الأسلحة «في ارتكاب أو تسهيل انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي». لكن خلال الفترة من سبتمبر 2024 حتى مايو 2025، تم تصدير أكثر من 86 ألف قطعة عسكرية إلى إسرائيل، بقيمة تتجاوز 127.6 مليون جنيه إسترليني. وخلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، ذكر الصحفي برايان أوفلين من قناة الأخبار الرابعة البريطانية أن بلاده صدّرت إلى إسرائيل أكثر من ضعف ما صدرته خلال السنوات الثلاث السابقة مجتمعة.
ورغم تأكيد الحكومة البريطانية أنها «تأخذ نظام مراقبة تصدير الأسلحة على محمل الجد» وتتخذ «جميع التدابير الممكنة» لضمان عدم استخدام الأسلحة في الجرائم الجارية بغزة، فإن هذا الموقف يتناقض مع استمرار تعاونها العسكري الوثيق مع إسرائيل في صيانة طائرات إف-35 المقاتلة المتقدمة. هذه الطائرات تُصنّع جزئيًا في المملكة المتحدة ضمن برنامج تشارك فيه الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وإيطاليا وهولندا والدنمارك والنرويج.
وترى الدكتورة آنا ستافرياكانيس، أستاذة العلاقات الدولية في جامعة ساسكس، أن استثناء برنامج إف-35 من قرار تعليق التراخيص يشكل «ثغرة هائلة». وأضافت أن الحكومة البريطانية تجاهلت عمدًا دعوات أكثر من 230 منظمة مجتمع مدني، فضلًا عن أعضاء من حزب العمال نفسه، للمطالبة بفرض حظر شامل على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، رغم استخدام الجيش الإسرائيلي لهذه الطائرات في انتهاكات واضحة للقانون الدولي ضد أهداف مدنية باستخدام ما يعرف بـ«وضع الوحش»، الذي يسمح بحمل قنابل ضخمة تُثبَّت خارجيًّا.
وفي فرنسا، تحدث الرئيس إيمانويل ماكرون في الذكرى الأولى لتدمير إسرائيل لغزة عن ضرورة أن يتضمن «الحل السياسي» وقف تسليم الأسلحة إلى إسرائيل، لكنه لم يتخذ أي إجراء تشريعي لتنفيذ ذلك. وعلى الرغم من تأكيد الحكومة الفرنسية مرارًا أنها لا تصدر أسلحة إلى إسرائيل، فقد كشف تقرير مسرّب صادر عن وزارة القوات المسلحة لعام 2024 أن هناك طلبات جديدة بقيمة تفوق 30 مليون دولار لا تزال قيد الموافقة.
إن غياب تحرك سياسي جاد من جانب عديد من الدول الأوروبية لوقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، والتي تُستخدم في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين الفلسطينيين، يعكس فشلًا أخلاقيًا وسياسيًا واضحًا. ويطرح هذا الوضع تساؤلات حقيقية حول السبل الفعلية لوقف هذه الشحنات، وكيفية محاسبة صناع القرار الغربيين دوليًا على تقاعسهم.
على المستوى الشعبي، شهدت إيطاليا في سبتمبر 2025 احتجاجات واسعة شملت إضرابًا عامًا ضد استمرار الحرب الإسرائيلية وتردد الحكومة في اتخاذ موقف حاسم. ورفض ميناء رافينا على البحر الأدرياتيكي دخول شاحنتين تحملان متفجرات متجهة إلى ميناء حيفا الإسرائيلي.
وردًا على ذلك، أعلن الاتحاد العام الإيطالي للعمل، أكبر نقابة عمالية في البلاد، التزامه بمنع أي شحنات أسلحة إلى إسرائيل من الموانئ الإيطالية. وفي فرنسا، رفض عمال ميناء فو سور مير قرب مرسيليا في يونيو 2025 تحميل صناديق ذخيرة من إنتاج شركة يورولينكس كانت مخصصة لإسرائيل. وقالت صوفي بينيه، الأمينة العامة لـ الاتحاد العام للعمال، إن «من غير المقبول أن يُجبر عمال الموانئ على أن يكونوا هم من يحمون المبادئ الأساسية للقانون الدولي».
أما على الصعيد القانوني، فقد قُدمت شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية من نحو 50 أكاديميًا ومحاميًا ومدافعًا عن حقوق الإنسان تتهم رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بالتواطؤ في «الإبادة الجماعية المستمرة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية»، بسبب دعم حكومتها العسكري لإسرائيل.
وفيما يتعلق بالدعم الدولي، تبقى الولايات المتحدة الممول الأكبر للعمليات العسكرية الإسرائيلية. فقد وثّقت كلية واتسون للشؤون الدولية والعامة بجامعة براون أنه منذ بداية الحرب على غزة وحتى ذكراها الثانية، قدمت واشنطن — في عهدي جو بايدن ودونالد ترامب — نحو 21.7 مليار دولار كمساعدات عسكرية مباشرة لإسرائيل، إلى جانب 12.07 مليار دولار في عمليات عسكرية داعمة بالشرق الأوسط، ليصل الإجمالي إلى 33.77 مليار دولار.
ولا يعني هذا أن الدول الأوروبية الكبرى — مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا— يمكنها التنصل من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية. ففي ألمانيا، وصف البروفيسور يورغن ماكيرت من جامعة بوتسدام الحظر الجزئي على تصدير الأسلحة بأنه «كلام فارغ وأكاذيب ومسرحية سياسية».
وبدوره، أشارت سالاكانين إلى أن «من دون خطوات أكثر جرأة من برلين، ستظل ألمانيا ممكّنًا سلبيًا للعنف الإسرائيلي المستمر»، وهو وصف ينطبق أيضًا على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة اللتين تواصلان تمكين إسرائيل بشكل مباشر، متجاهلتين الاحتجاجات الشعبية والتحذيرات المتكررة من منظمات حقوق الإنسان والخبراء القانونيين، في خرق واضح لأحكام لجنة الأمم المتحدة المستقلة.
رغم الخطوات الجزئية والرمزية التي اتخذتها بعض الدول الأوروبية حيال صادرات الأسلحة إلى إسرائيل، يبقى الموقف الغربي العام بعيدًا عن تحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه ما وصفته الأمم المتحدة بجرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين. فبينما تستمر واشنطن في تقديم دعم عسكري سخي لتل أبيب، تتردد العواصم الأوروبية بين حسابات المصالح والتحالفات السياسية من جهة، والضغوط الشعبية والحقوقية من جهة أخرى.
وهكذا، يبدو أن الحظر الجزئي الألماني لم يكن سوى إشارة محدودة في بحر من التناقضات الغربية، التي ما زالت تُطيل أمد المأساة الإنسانية في غزة بدلًا من وضع حدٍّ لها، خاصة أن ألمانيا سارعت إلى استئناف شحن الأسلحة لإسرائيل بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك