العدد : ١٧٤٩٢ - الخميس ١٢ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٢ - الخميس ١٢ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الأمن الجماعي ومستقبل النظام الدولي

بقلم: د. حسن نافعة

الأربعاء ١١ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

كثر‭ ‬الحديث‭ ‬أخيرا‭ ‬عن‭ ‬الأخطار‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب،‭ ‬وعن‭ ‬أنسب‭ ‬الوسائل‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬العالمي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نميّز‭ ‬بين‭ ‬مفهومَي‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي،‭ ‬الذي‭ ‬يقصر‭ ‬اهتمامه‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الدول‭ ‬والحكومات،‭ ‬والأمن‭ ‬الإنساني،‭ ‬الذي‭ ‬يركّز‭ ‬اهتمامه‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭. ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬هذين‭ ‬المفهومَيْن‭ ‬من‭ ‬تباين،‭ ‬إلّا‭ ‬أنهما‭ ‬يرتبطان‭ ‬عضوياً،‭ ‬فالشعوب‭ ‬هي‭ ‬المكوّن‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدول،‭ ‬ومن‭ ‬دونها‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬للدول‭ ‬قائمة‭. ‬ولأنّ‭ ‬كل‭ ‬شعب‭ ‬يتشكَّل‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬أو‭ ‬جماعات‭ ‬بشرية‭ ‬ترتبط‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬بروابط‭ ‬ثقافية‭ ‬أو‭ ‬عرقية‭ ‬أو‭ ‬تاريخية،‭ ‬ويقيمون‭ ‬معاً‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬جغرافية‭ ‬محدّدة‭ ‬تسري‭ ‬عليها‭ ‬قوانين‭ ‬تصدرها‭ ‬سلطة‭ ‬حاكمة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬فمن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تقع‭ ‬مسؤولية‭ ‬تحقيق‭ ‬أمن‭ ‬الشعب‭ ‬كلّه‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬يحكمه،‭ ‬وأن‭ ‬تقع‭ ‬مسؤولية‭ ‬حماية‭ ‬أمن‭ ‬الشعوب‭ ‬مجتمعة،‭ ‬أي‭ ‬أمن‭ ‬البشرية‭ ‬ككل،‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬القائم،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬المنظّمات‭ ‬المختصّة‭ ‬بتحقيق‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭.‬

حين‭ ‬نشأت‭ ‬الدولة‭ ‬القومية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر،‭ ‬ارتبطت‭ ‬هذه‭ ‬النشأة‭ ‬بمفهوم‭ ‬‮«‬السيادة‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬شؤونها‭ ‬بنفسها،‭ ‬ولا‭ ‬تخضع‭ ‬لأيّ‭ ‬سلطة‭ ‬أعلى‭ ‬منها،‭ ‬ولها‭ ‬الحقّ‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الوسائل‭ ‬كافّة‭ ‬التي‭ ‬تمكّنها‭ ‬من‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬أمنها‭ ‬وعن‭ ‬مصالحها،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬القوة‭ ‬المسلّحة‭. ‬ولفهم‭ ‬ما‭ ‬يميّز‭ ‬الدولة‭ ‬كياناً‭ ‬سياسياً‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الكيانات،‭ ‬ربّما‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬استدعاء‭ ‬الرؤية‭ ‬التي‭ ‬صاغها‭ ‬الفيلسوف‭ ‬البريطاني‭ ‬توماس‭ ‬هوبز‭ (‬1588-‭ ‬1679‭)‬،‭ ‬حين‭ ‬ميّز‭ ‬بين‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬الطبيعة‮»‬‭ ‬و«حالة‭ ‬المجتمع‮»‬‭. ‬فحين‭ ‬يكون‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬الطبيعة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يخضعون‭ ‬لأيّ‭ ‬قيود‭ ‬أو‭ ‬قواعد‭ ‬تنظّم‭ ‬العلاقة‭ ‬فيما‭ ‬بينهم،‭ ‬ويعتمد‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬قوته‭ ‬الذاتية‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬قضاء‭ ‬حوائجه،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬يحكمهم‭ ‬‮«‬قانون‭ ‬الغاب‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تكون‭ ‬الغلبة‭ ‬فيه‭ ‬للأقوى‭. ‬أمّا‭ ‬حين‭ ‬يكونون‭ ‬في‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬المجتمع‮»‬،‭ ‬فيخضعون‭ ‬لسلطة‭ ‬أعلى‭ ‬تكفل‭ ‬لهم‭ ‬الأمن‭ ‬وتنظّم‭ ‬العلاقات‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬يلتزمون‭ ‬بها‭. ‬لذا‭ ‬يرى‭ ‬هوبز‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬كيان‭ ‬سياسي‭ ‬يجسّد‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬المجتمع»؛‭ ‬لأنه‭ ‬يُدار‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سلطة‭ ‬يخضع‭ ‬لها‭ ‬جميع‭ ‬الأفراد‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬كنفها،‭ ‬أمّا‭ ‬‮«‬مجتمع‭ ‬الدول‮»‬‭ ‬فما‭ ‬زال‭ ‬يعيش‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬الطبيعة‮»‬‭ ‬لأنّ‭ ‬الدول‭ ‬تتجاور‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭ ‬ولا‭ ‬تقبل‭ ‬الخضوع‭ ‬لسلطة‭ ‬أعلى‭ ‬منها،‭ ‬إذ‭ ‬يعتمد‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أمنه‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالحه‭ ‬على‭ ‬قوته‭ ‬وموارده‭ ‬الذاتية‭.‬

وأيّاً‭ ‬كان‭ ‬الأمر،‭ ‬وبصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬الاتفاق‭ ‬أو‭ ‬الاختلاف‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬الفلسفية،‭ ‬كان‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬توازن‭ ‬القوى‮»‬‭ ‬سائدا‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬طوال‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬قرنَين،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬الدول‭ ‬تعتمد،‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أمنها‭ ‬آنذاك،‭ ‬إمّا‭ ‬على‭ ‬قواها‭ ‬الذاتية‭ ‬وحدها‭ ‬و‭/ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الصديقة،‭ ‬وحين‭ ‬تبيّن‭ ‬أن‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬توازن‮»‬‭ ‬يصعب‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬يفضي‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬سباق‭ ‬تسلّح‮»‬‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬يتسبّب‭ ‬في‭ ‬اندلاع‭ ‬الحروب،‭ ‬اتجه‭ ‬التفكير‭ ‬نحو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬آخر‭ ‬للأمن‭ ‬أُطلق‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬الجماعي‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬حاولت‭ ‬‮«‬عصبة‭ ‬الأمم‮»‬‭ ‬وضع‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬موضع‭ ‬التطبيق‭ ‬عقب‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬وحين‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬حلّت‭ ‬محلها‭ ‬‮«‬الأمم‭ ‬المتحدة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬حاول‭ ‬ميثاقها‭ ‬صياغة‭ ‬منظومة‭ ‬أكثر‭ ‬إحكاماً‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬موضع‭ ‬التطبيق‭ ‬الفعلي،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تبيّن‭ ‬أن‭ ‬بنيته‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬إشكالية‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للحلّ‭.‬

يقوم‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي،‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬الأكثر‭ ‬شفافيةً،‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬يشكّل‭ ‬كُلّاً‭ ‬لا‭ ‬يتجزّأ،‭ ‬وأن‭ ‬المساس‭ ‬بأيّ‭ ‬جزء‭ ‬منه‭ ‬يعدّ‭ ‬مساساً‭ ‬بأمن‭ ‬‮«‬الكل‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬على‭ ‬‮«‬الكل‮»‬‭ ‬التضامن‭ ‬معاً‭ ‬لردع‭ ‬المعتدي‭ ‬ومعاقبته‭. ‬وحين‭ ‬وُضع‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬موضع‭ ‬التطبيق‭ ‬في‭ ‬كلتا‭ ‬التجربتَيْن‭ (‬عصبة‭ ‬الأمم‭ ‬والأمم‭ ‬المتحدة‭) ‬تبيّن‭ ‬أنه‭ ‬صُمّم‭ ‬خصيصاً‭ ‬لتحقيق‭ ‬أمن‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬وحدها،‭ ‬لكنّه‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬لمنع‭ ‬العدوان‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬خصوصاً‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬المعتدي‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭ ‬أو‭ ‬إحدى‭ ‬حلفائها‭ ‬الأقربين‭. ‬وتشهد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬حروبٌ‭ ‬عديدةٌ‭ ‬شنّتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬فيتنام‭ ‬في‭ ‬خمسينيّات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وستينياته،‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬أفغانستان‭ ‬والعراق‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬هذا‭ ‬القرن،‭ ‬وحرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬شنّتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة،‭ ‬واستمرّت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عامَيْن،‭ ‬كما‭ ‬تشهد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬أيضاً‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬شنّها‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬على‭ ‬أفغانستان‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬السبعينيّات،‭ ‬والحرب‭ ‬التي‭ ‬تشنّها‭ ‬روسيا‭ ‬حالياً‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا‭.‬

كان‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬حرّم‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬أو‭ ‬حتّى‭ ‬مجرّد‭ ‬التهديد‭ ‬بها،‭ ‬لكنّه‭ ‬قصد‭ ‬بها‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وحدها،‭ ‬وليس‭ ‬مجمل‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬ينطوي‭ ‬عليها‭ ‬مفهوم‭ ‬القوة،‭ ‬وخوّل‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬سلطة‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬عقابية‭ ‬ضدّ‭ ‬الدول‭ ‬المعتدية‭. ‬ولأنّ‭ ‬الدول‭ ‬دائمة‭ ‬العضوية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬لها‭ ‬حقّ‭ ‬النقض‭ (‬فيتو‭) ‬الذي‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬أيّ‭ ‬مشروع‭ ‬قرار‭ ‬لا‭ ‬ترضى‭ ‬عنه،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بمقدور‭ ‬المجلس‭ ‬اتخاذ‭ ‬أيّ‭ ‬إجراءات‭ ‬عقابية‭ ‬ضدّ‭ ‬أيّ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬مهما‭ ‬ارتكبت‭ ‬من‭ ‬جرائم‭. ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬بمقدور‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬أن‭ ‬يتحرّك،‭ ‬وأن‭ ‬يتخذ‭ ‬قراراتٍ‭ ‬ملزمة‭ ‬وفعّالة‭ ‬وفقاً‭ ‬للفصل‭ ‬السابع،‭ ‬فإنه‭ ‬يصبح‭ ‬حينئذ‭ ‬أقرب‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬جهاز‭ ‬بوليسي‮»‬‭ ‬يتمتّع‭ ‬بصلاحيات‭ ‬وسلطات‭ ‬مطلقة،‭ ‬وله‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬ممارستها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬لأيّ‭ ‬رقابة‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬نوع،‭ ‬سياسية‭ ‬كانت‭ ‬أم‭ ‬قضائية،‭ ‬مثلما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬النظم‭ ‬السياسية‭ ‬داخل‭ ‬الدول‭.‬

ولأن‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أكّدت‭ ‬في‭ ‬تقارير‭ ‬عديدة‭ ‬أصدرتها‭ ‬أن‭ ‬الحروب‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تشكّل‭ ‬المصدر‭ ‬الرئيس‭ ‬لتهديد‭ ‬السلم‭ ‬والأمن،‭ ‬وأن‭ ‬ضحايا‭ ‬الحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬والجوع‭ ‬والأمراض‭ ‬المعدية‭ ‬وتلوث‭ ‬البيئة‭ ‬والجريمة‭ ‬المنظمة‭ ‬والمواد‭ ‬المخدرة‭ ‬وغيرها‭ ‬يفوقون‭ ‬كثيراً‭ ‬ضحايا‭ ‬الحروب‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الحاجة‭ ‬ماسّة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬فلسفة‭ ‬وآليات‭ ‬منظومة‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬الجماعي‮»‬‭ ‬ككل‭.‬

وأياً‭ ‬كان‭ ‬الأمر،‭ ‬ورغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬شهدته‭ ‬مسيرة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬إخفاقات‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬الأعوام‭ ‬الثمانين‭ ‬الماضية،‭ ‬إلّا‭ ‬أنها‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تهيئة‭ ‬المسرح‭ ‬العالمي‭ ‬لتطوّرَيْن‭ ‬غير‭ ‬مسبوقَيْن‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭. ‬الأول‭: ‬وجود‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬والحكومات،‭ ‬لأول‭ ‬مرّة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية،‭ ‬داخل‭ ‬إطار‭ ‬مؤسّسي‭ ‬واحد‭ ‬تجسده‭ ‬حالياً‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭. ‬والثاني‭: ‬تحوّل‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية،‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬ظاهرة‭ ‬العولمة،‭ ‬إلى‭ ‬قرية‭ ‬كونية‭ ‬مترابطة‭ ‬الأجزاء،‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أيٌّ‭ ‬من‭ ‬مكوّناتها‭ ‬أن‭ ‬تسيطر‭ ‬كلياً‭ ‬على‭ ‬مواردها‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬فضائها‭ ‬الجوي‭ ‬وإقليمها‭ ‬البحري،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬من‭ ‬تحرّكات‭ ‬داخل‭ ‬حيّزها‭ ‬الجغرافي‭.‬

لذا؛‭ ‬تبدو‭ ‬الحاجة‭ ‬ماسّةً‭ ‬إلى‭ ‬تبنّي‭ ‬مفهوم‭ ‬جديد‭ ‬يهتم‭ ‬بأمن‭ ‬الإنسان،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬جنسيته‭ ‬أو‭ ‬عرقه‭ ‬أو‭ ‬معتقداته‭ ‬الدينية‭ ‬والفكرية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬ضرورة‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬أمن‭ ‬جماعي‮»‬‭ ‬يقصر‭ ‬اهتمامه‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الدول‭ ‬والحكومات‭ ‬إلى‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬الإنساني‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يتّسع‭ ‬أفقه‭ ‬ليشمل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬ورفاهية‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭. ‬

ومن‭ ‬الصعب‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الحلم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجلس‭ ‬تديره‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬المنتصرة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬مثلما‭ ‬يحدث‭ ‬حالياً،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجلس‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وتكون‭ ‬له‭ ‬صلاحيات‭ ‬وسلطات‭ ‬تمكّنه‭ ‬من‭ ‬التصدّي‭ ‬لكل‭ ‬مصادر‭ ‬تهديد‭ ‬أمن‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬وليس‭ ‬لمنع‭ ‬الحروب‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬فحسب‭. ‬مجلس‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬مطلق‭ ‬السلطات‭ ‬وغير‭ ‬قابل‭ ‬للمساءلة،‭ ‬وإنما‭ ‬مجلس‭ ‬يخضع‭ ‬لرقابة‭ ‬سياسية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬برلمان‭ ‬دولي‭ ‬يملك‭ ‬سلطة‭ ‬التشريع‭ ‬وإصدار‭ ‬القوانين‭ ‬الدولية،‭ ‬ولرقابة‭ ‬قانونية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬سلطة‭ ‬قضائية‭ ‬تملك‭ ‬صلاحية‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬دستورية‭ ‬ما‭ ‬يتّخذه‭ ‬من‭ ‬قرارات،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬اتساق‭ ‬قراراته‭ ‬مع‭ ‬ميثاق‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُعاد‭ ‬صياغة‭ ‬نصوصه‭ ‬بالكامل‭.‬

لقد‭ ‬باتت‭ ‬المنظومة‭ ‬الأممية‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬حاجةٍ‭ ‬ماسّةٍ‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬إصلاح‭ ‬شاملة‭ ‬وجذرية،‭ ‬تؤدّي‭ ‬إلى؛‭ ‬تحويل‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬بوصفها‭ ‬الجهاز‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يضمّ‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء،‭ ‬إلى‭ ‬برلمان‭ ‬عالمي‭ ‬يملك،‭ ‬ليس‭ ‬سلطة‭ ‬التشريع‭ ‬وسنّ‭ ‬القوانين‭ ‬الدولية‭ ‬الملزمة‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬سلطة‭ ‬الرقابة‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬أيضاً؛‭ ‬وتحويل‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬إلى‭ ‬جهاز‭ ‬تنفيذي‭ ‬يملك‭ ‬الصلاحيات‭ ‬والسلطات‭ ‬كافّة،‭ ‬التي‭ ‬تمكّنه‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬جميع‭ ‬مصادر‭ ‬تهديد‭ ‬أمن‭ ‬البشرية،‭ ‬وليس‭ ‬التهديدات‭ ‬الناجمة‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬فحسب،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬العضوية‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يمكّنه‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وأيضاً‭ ‬بعد‭ ‬تغيير‭ ‬الأغلبية‭ ‬اللازمة‭ ‬لاتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬بطريقة‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬تمكين‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭ ‬أو‭ ‬تكتّل‭ ‬إقليمي‭ ‬من‭ ‬شلّ‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬العمل؛‭ ‬وتحويل‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬جهاز‭ ‬قضائي‭ ‬يملك،‭ ‬لا‭ ‬صلاحية‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المنازعات‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬بعد‭ ‬قانوني‭ ‬فحسب،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضاً‭ ‬صلاحية‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬دستورية‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تصدرها‭ ‬جميع‭ ‬الأجهزة‭ ‬الرئيسة‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الأممية‭.‬

قد‭ ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬مثالية‭ ‬إلى‭ ‬درجةٍ‭ ‬تجعلها‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬يتسم‭ ‬بسيولة‭ ‬كاملة‭ ‬ولا‭ ‬يخضع‭ ‬في‭ ‬سلوكه‭ ‬لأيّ‭ ‬قيم‭ ‬أخلاقية‭ ‬أو‭ ‬ضوابط‭ ‬وقواعد‭ ‬قانونية‭ ‬ملزمة‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬نظاماً‭ ‬منفلِتاً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬يطفو‭ ‬فوق‭ ‬ترسانة‭ ‬نووية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تدمير‭ ‬العالم‭ ‬مرّات‭ ‬عدة،‭ ‬بات‭ ‬يشكّل‭ ‬خطراً‭ ‬كبيراً‭ ‬على‭ ‬البشرية‭ ‬كلّها،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فليس‭ ‬أمامها‭ ‬سوى‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬طريق‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬ثالثة‭ ‬تهلك‭ ‬الأخضر‭ ‬واليابس،‭ ‬أو‭ ‬طريق‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬حلم‭ ‬الحكومة‭ ‬العالمية‭ ‬المثالي‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬تفرضه‭ ‬متطلبات‭ ‬العولمة‭ ‬الرشيدة‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا