العدد : ١٧٤٩٣ - الجمعة ١٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٣ - الجمعة ١٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ظاهرة الاستهلاك الاستعراضي في المجتمعات الخليجية

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

الخميس ١٢ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

ظاهرة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاستعراضي‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬المواضيع‭ ‬السوسيولوجية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬البارزة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الخليجية،‭ ‬وهي‭ ‬ضمن‭ ‬الأربع‭ ‬قضايا‭ ‬المطروحة‭ ‬أمام‭ ‬الهيئة‭ ‬الاستشارية‭ ‬للمجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬لمجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬لرفعها‭ ‬إلى‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬في‭ ‬دورته‭ ‬القادمة،‭ ‬وهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تعني‮ ‬شراء‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬ليس‭ ‬لقيمتها‭ ‬النفعية‭ ‬بل‭ ‬لإظهار‭ ‬الثراء‭ ‬والمكانة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وفي‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬تخطت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬مجرد‭ ‬حب‭ ‬المظهر‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬لغة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تُستخدم‭ ‬للتواصل‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬الهوية‭ ‬لكنها‭ ‬لغة‭ ‬مكلفة‭ ‬ومرهقة‭ ‬مادياً‭ ‬ومعنوياً‭ ‬والمسألة‭ ‬تجاوزت‭ ‬مجرد‭ ‬رغبة‭ ‬فردية‭ ‬لتصبح‮ ‬نظاماً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬متكاملاً‮ ‬يُستخدم‭ ‬فيه‭ ‬الاستهلاك‭ ‬كأداة‭ ‬للتعريف‭ ‬بالنفس‭ ‬وتحديد‭ ‬التراتبية‭ ‬الطبقية‭.‬

هناك‭ ‬أسباب‭ ‬ودوافع‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬منها‭ ‬عوامل‭ ‬متداخلة‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ولعل‭ ‬الطفرة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬التي‮ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬التحول‭ ‬السريع‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬البساطة‭ ‬إلى‭ ‬الرفاهية‭ ‬المادية‭ ‬طبعاً‭ ‬بفضل‭ ‬الله‭ ‬أولاً‭ ‬ثم‭ ‬بفضل‭ ‬النفط‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬رغبة‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬تجسيد‭ ‬هذا‭ ‬الثراء‭ ‬بشكل‭ ‬ملموس،‭ ‬ونتيجة‭ ‬لهذه‭ ‬القفزة‭ ‬النوعية‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬دخل‭ ‬الفرد‭ ‬أصبح‭ ‬هناك‭ ‬غريزة‭ ‬للتباهي‭ ‬بالمظهر‭ ‬كأداة‭ ‬لإثبات‭ ‬المكانة‭ ‬أو‭ ‬الوجاهة‭ ‬أو‭ ‬لاكتساب‭ ‬التقدير‭ ‬والإعجاب‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الآخرين‭ ‬أو‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬التعالي‭ ‬والخيلاء‭ ‬عند‭ ‬البعض‭ ‬والبعض‭ ‬يشعر‭ ‬بالتقص‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬فيلجأ‭ ‬إلى‭ ‬مظهر‭ ‬الترف‭ ‬لسد‭ ‬هذه‭ ‬العقدة‭.‬

كما‭ ‬أسهمت‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬الاستعراض‭ ‬يومياً‭ ‬ولحظياً،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬تصوير‭ ‬التجربة‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬نفسها،‭ ‬كذلك‭ ‬ثقافة‭ ‬المحاكاة‭ ‬والتقليد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬الشعور‭ ‬بالنقص‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأقران‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬انتشار‭ ‬ظاهرة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاستعراضي‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬الخليجية‭.‬

وتتجلى‭ ‬مظاهر‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاستعراضي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأزياء‭ ‬والموضة‭ ‬كالإقبال‭ ‬الكثيف‭ ‬على‭ ‬العلامات‭ ‬التجارية‭ ‬لضمان‭ ‬معرفة‭ ‬الآخرين‭ ‬بسعر‭ ‬القطعة،‭ ‬أيضاً‭ ‬المبالغة‭ ‬الضخمة‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬المناسبات‭ ‬كحفلات‭ ‬الزفاف‭ ‬وتجهيزات‭ ‬المواليد‭ ‬والولائم‭ ‬التي‭ ‬تفوق‭ ‬الحاجة‭ ‬الفعلية،‭ ‬كذلك‭ ‬اقتناء‭ ‬السيارات‭ ‬الفارهة‭ ‬أو‭ ‬أرقام‭ ‬اللوحات‭ ‬المميزة‭ ‬بأسعار‭ ‬فلكية،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬السياحة‭ ‬كاختيار‭ ‬الوجهات‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬كُلفة‭ ‬السفر‭ ‬إليها‭ ‬أو‭ ‬التصوير‭ ‬والظهور‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬حصرية‭. ‬لهذا‭ ‬السلوك‭ ‬ضريبة‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬إنفاق‭ ‬المال‭ ‬حيث‭ ‬يلجأ‭ ‬الأفراد‭ ‬خاصة‭ ‬الشباب‭ ‬والطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬إلى القروض‭ ‬البنكية الاستهلاكية‭ ‬لمجاراة‭ ‬المظاهر‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراكم‭ ‬الديون‭ ‬في‭ ‬استهلاك‭ ‬سلع‭ ‬وقتية‭ ‬غير‭ ‬أساسية،‭ ‬كذلك‭ ‬لها‭ ‬تأثيرات‭ ‬نفسية‭ ‬بسبب‭ ‬ربط‭ ‬تقدير‭ ‬الذات‭ ‬بالمقتنيات‭ ‬المادية‭ ‬مما‭ ‬يخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬المستمر‭ ‬والشعور‭ ‬بعدم‭ ‬الرضا‭ ‬مما‭ ‬يولد‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والصورة‭ ‬الذهنية،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬تحول‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬نمط‭ ‬الاستخدام‭ ‬والاستبدال‭ ‬وزيادة‭ ‬النفايات‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬توجهات‭ ‬الاستدامة‭ ‬الحديثة‭.‬

بما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المظاهر‭ ‬يتحمل‭ ‬وزرها‭ ‬الأفراد‭ ‬لماذا‭ ‬تراها‭ ‬الهيئة‭ ‬الاستشارية‭ ‬للمجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬لمجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬للمجلس‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬القادمة؟‭!‬

لا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثر‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاستعراضي‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشكل‭ ‬ضغوطاً‭ ‬هيكلية‭ ‬عميقة‭ ‬على‮ ‬الدول‭ ‬والأنظمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬فعندما‭ ‬يتحول‭ ‬الاستهلاك‭ ‬من‭ ‬وسيلة‭ ‬لتلبية‭ ‬الاحتياجات‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬لإثبات‭ ‬المكانة‭ ‬تظهر‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬فيؤدي‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاستعراضي‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬الادخار‭ ‬مقابل‭ ‬ارتفاع‭ ‬مديونيات‭ ‬الأفراد‭ ‬مما‭ ‬يضع‭ ‬الأنظمة‭ ‬أمام‭ ‬تحديات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬كما‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬تآكل‭ ‬قيم‭ ‬العمل‭ ‬والإنتاجية‭ ‬لصالح‭ ‬ثقافة‭ ‬المظهر‭ ‬ويخلق‭ ‬فجوات‭ ‬طبقية‭ ‬تهدد‭ ‬السلم‭ ‬المجتمعي‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬كونه‭ ‬يعيق‭ ‬خطط‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬زيادة‭ ‬الهدر‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬للدولة،‭ ‬كذلك‭ ‬تشكل‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬ضغطاً‭ ‬على‭ ‬العملة‭ ‬المحلية‭ ‬وتسرب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬للخارج‭ ‬وزيادة‭ ‬حالات‭ ‬الإفلاس‭ ‬الشخصي‭ ‬وتفكك‭ ‬الأسر‭ ‬بسبب‭ ‬الديون،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬توجيه‭ ‬طاقات‭ ‬الشباب‭ ‬نحو‭ ‬المظاهر‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬ولها‭ ‬أضرار‭ ‬بيئية‭ ‬كزيادة‭ ‬البصمة‭ ‬الكربونية‭ ‬والنفايات‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬السلع‭ ‬قصيرة‭ ‬العمر‭.‬

إذا‭ ‬ما‭ ‬التوجهات‭ ‬المطروحة‭ ‬أمام‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة؟‭!‬

تتمثل‭ ‬سياسات‭ ‬الدول‭ ‬لمواجهة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاستعراضي‭ ‬في‭ ‬حزمة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬كفرض ضريبة القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬والرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬لرفع‭ ‬تكلفة‭ ‬الرفاهية،‭ ‬وتضع‮ ‬ضوابط‭ ‬ائتمانية صارمة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬القروض‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬المفرطة‭ ‬وبالتوازي‭ ‬تتبنى‭ ‬الأنظمة‭ ‬رؤى‭ ‬وطنية‭ ‬تركز‭ ‬على التوعية‭ ‬المالية وإدراج‭ ‬ثقافة‭ ‬الادخار‭ ‬في‭ ‬المناهج‭ ‬الدراسية‭ ‬مع‭ ‬دعم‭ ‬مبادرات الاستدامة‭ ‬والإنتاجية بدلاً‭ ‬من‭ ‬المظاهر،‭ ‬وذلك‭ ‬بهدف‭ ‬حماية‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬للأسر‭ ‬وضمان‭ ‬بقاء‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬داخل‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الوطنية‭.‬

في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بدأنا‭ ‬نلاحظ‭ ‬بوادر‭ ‬وعي‭ ‬مضاد‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬التشجيع‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار‭ ‬والإنتاجية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المحض‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لإظهار‭ ‬حركات‭ ‬التبسيط‭ ‬بين‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬بدأوا‭ ‬يميلون‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬التجارب‭ ‬والمهارات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تجميع‭ ‬السلع،‭ ‬كذلك‭ ‬هناك‭ ‬محاولات‭ ‬لنشر‭ ‬المحتوى‭ ‬الإعلامي‭ ‬الذي‭ ‬يحث‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬إدارة‭ ‬الأموال‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬فخ‭ ‬الديون‭ ‬المظهرية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا