ظاهرة الاستهلاك الاستعراضي تُعد من المواضيع السوسيولوجية والاقتصادية البارزة في المجتمعات الخليجية، وهي ضمن الأربع قضايا المطروحة أمام الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية لرفعها إلى المجلس الأعلى في دورته القادمة، وهذه الظاهرة تعني شراء السلع والخدمات ليس لقيمتها النفعية بل لإظهار الثراء والمكانة الاجتماعية، وفي دول الخليج العربية تخطت هذه الظاهرة مجرد حب المظهر بل أصبحت لغة اجتماعية تُستخدم للتواصل والتعبير عن الهوية لكنها لغة مكلفة ومرهقة مادياً ومعنوياً والمسألة تجاوزت مجرد رغبة فردية لتصبح نظاماً اجتماعياً متكاملاً يُستخدم فيه الاستهلاك كأداة للتعريف بالنفس وتحديد التراتبية الطبقية.
هناك أسباب ودوافع لهذه الظاهرة منها عوامل متداخلة أسهمت في تعزيز هذا النمط الاستهلاكي في المنطقة ولعل الطفرة الاقتصادية أحد أهم هذه العوامل التي أدت إلى التحول السريع من حياة البساطة إلى الرفاهية المادية طبعاً بفضل الله أولاً ثم بفضل النفط مما أدى إلى رغبة الأفراد في تجسيد هذا الثراء بشكل ملموس، ونتيجة لهذه القفزة النوعية في ارتفاع دخل الفرد أصبح هناك غريزة للتباهي بالمظهر كأداة لإثبات المكانة أو الوجاهة أو لاكتساب التقدير والإعجاب في عيون الآخرين أو كنوع من التعالي والخيلاء عند البعض والبعض يشعر بالتقص في نفسه فيلجأ إلى مظهر الترف لسد هذه العقدة.
كما أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في جعل الاستعراض يومياً ولحظياً، حيث أصبح تصوير التجربة أهم من التجربة نفسها، كذلك ثقافة المحاكاة والتقليد من خلال الرغبة في عدم الشعور بالنقص مقارنة بالأقران كل هذه العوامل أدت إلى انتشار ظاهرة الاستهلاك الاستعراضي في مجتمعاتنا الخليجية.
وتتجلى مظاهر الاستهلاك الاستعراضي من خلال الأزياء والموضة كالإقبال الكثيف على العلامات التجارية لضمان معرفة الآخرين بسعر القطعة، أيضاً المبالغة الضخمة في إقامة المناسبات كحفلات الزفاف وتجهيزات المواليد والولائم التي تفوق الحاجة الفعلية، كذلك اقتناء السيارات الفارهة أو أرقام اللوحات المميزة بأسعار فلكية، أضف إلى ذلك السياحة كاختيار الوجهات بناءً على ارتفاع كُلفة السفر إليها أو التصوير والظهور في أماكن حصرية. لهذا السلوك ضريبة تتجاوز مجرد إنفاق المال حيث يلجأ الأفراد خاصة الشباب والطبقة المتوسطة إلى القروض البنكية الاستهلاكية لمجاراة المظاهر مما يؤدي إلى تراكم الديون في استهلاك سلع وقتية غير أساسية، كذلك لها تأثيرات نفسية بسبب ربط تقدير الذات بالمقتنيات المادية مما يخلق حالة من القلق المستمر والشعور بعدم الرضا مما يولد الفجوة بين الواقع والصورة الذهنية، أضف إلى ما سبق تحول المجتمع إلى نمط الاستخدام والاستبدال وزيادة النفايات وهو ما يتناقض مع توجهات الاستدامة الحديثة.
بما أن هذه المظاهر يتحمل وزرها الأفراد لماذا تراها الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية أحد أبرز التحديات للمجلس في الفترة القادمة؟!
لا يقتصر أثر الاستهلاك الاستعراضي على الأفراد فحسب بل يمتد ليشكل ضغوطاً هيكلية عميقة على الدول والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية فعندما يتحول الاستهلاك من وسيلة لتلبية الاحتياجات إلى غاية لإثبات المكانة تظهر مجموعة من التحديات الاستراتيجية، فيؤدي الاستهلاك الاستعراضي إلى إضعاف الادخار مقابل ارتفاع مديونيات الأفراد مما يضع الأنظمة أمام تحديات تتعلق بالاستقرار المالي والاجتماعي، كما يتسبب في تآكل قيم العمل والإنتاجية لصالح ثقافة المظهر ويخلق فجوات طبقية تهدد السلم المجتمعي فضلاً عن كونه يعيق خطط التنمية المستدامة من خلال زيادة الهدر في الموارد والبنية التحتية للدولة، كذلك تشكل هذه الظاهرة ضغطاً على العملة المحلية وتسرب رؤوس الأموال للخارج وزيادة حالات الإفلاس الشخصي وتفكك الأسر بسبب الديون، بالإضافة إلى توجيه طاقات الشباب نحو المظاهر بدلاً من التعليم والبحث العلمي، ولها أضرار بيئية كزيادة البصمة الكربونية والنفايات الناتجة عن السلع قصيرة العمر.
إذا ما التوجهات المطروحة أمام دول مجلس التعاون الخليجي للحد من هذه الظاهرة؟!
تتمثل سياسات الدول لمواجهة الاستهلاك الاستعراضي في حزمة من الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية كفرض ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية لرفع تكلفة الرفاهية، وتضع ضوابط ائتمانية صارمة للحد من القروض الاستهلاكية المفرطة وبالتوازي تتبنى الأنظمة رؤى وطنية تركز على التوعية المالية وإدراج ثقافة الادخار في المناهج الدراسية مع دعم مبادرات الاستدامة والإنتاجية بدلاً من المظاهر، وذلك بهدف حماية الاستقرار المالي للأسر وضمان بقاء رؤوس الأموال داخل الدورة الاقتصادية الوطنية.
في السنوات الأخيرة بدأنا نلاحظ بوادر وعي مضاد يتمثل في التشجيع على الادخار والاستثمار والإنتاجية بدلاً من الاستهلاك المحض في محاولة لإظهار حركات التبسيط بين جيل الشباب الذين بدأوا يميلون للاستثمار في التجارب والمهارات بدلاً من تجميع السلع، كذلك هناك محاولات لنشر المحتوى الإعلامي الذي يحث الشباب على كيفية إدارة الأموال والابتعاد عن فخ الديون المظهرية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك