العدد : ١٧٤٩٤ - السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٤ - السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

نقاشات معهد كارنيجي وأزمة الدبلوماسية في حرب غزة

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬للنزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬وتآكل‭ ‬أدوات‭ ‬الردع‭ ‬والوساطة‭ ‬الدولية،‭ ‬باتت‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬مرآةً‭ ‬تعكس‭ ‬فشل‭ ‬المنظومة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬وحل‭ ‬الصراعات،‭ ‬كاشفةً‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬والممارسات‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬تبناها‭ ‬الغرب‭ ‬بوصفه‭ ‬المدافع‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

وانطلاقًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬تستعرض‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬مداولات‭ ‬حلقة‭ ‬نقاشية‭ ‬عقدتها‭ ‬مؤسسة‭ ‬كارنيجي‭ ‬للسلام‭ ‬الدولي‭ ‬مؤخرا،‭ ‬بمشاركة‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬والدبلوماسيين،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬نيكولاس‭ ‬ويستكوت،‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬البريطاني‭ ‬السابق‭ ‬وأستاذ‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الدراسات‭ ‬الشرقية‭ ‬والإفريقية‭ ‬بجامعة‭ ‬لندن،‭ ‬وبيير‭ ‬فيمون،‭ ‬المبعوث‭ ‬الفرنسي‭ ‬السابق‭ ‬والزميل‭ ‬البارز‭ ‬في‭ ‬كارنيجي‭ ‬أوروبا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الباحثين‭ ‬بنيامين‭ ‬بيتريني‭ ‬وجودي‭ ‬ديمبسي‭ ‬وماثيو‭ ‬داس‭.‬

سلطت‭ ‬الحلقة‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أزمة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الحروب‭ ‬الحديثة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬حرب‭ ‬غزة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬مثالًا‭ ‬لانهيار‭ ‬أدوات‭ ‬الوساطة‭ ‬الدولية‭ ‬وتراجع‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬منظومة‭ ‬السلام‭ ‬العالمية‭. ‬كما‭ ‬تناولت‭ ‬النقاشات‭ ‬رؤى‭ ‬وتحليلات‭ ‬متقاطعة‭ ‬لأوجه‭ ‬القصور‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬وتداعياتها‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬العالميين،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تآكل‭ ‬الشرعية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والسياسية‭ ‬للغرب‭ ‬أمام‭ ‬مشاهد‭ ‬الدمار‭ ‬المتصاعدة‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬وسائر‭ ‬مناطق‭ ‬النزاع‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬يُجسد‭ ‬أوضح‭ ‬صورة‭ ‬للدبلوماسية‭ ‬المتضخمة‭ ‬بالذات،‭ ‬فإن‭ ‬تراجع‭ ‬المصداقية‭ ‬السياسية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬بات‭ ‬السمة‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الغربي‭. ‬فقد‭ ‬تمسكت‭ ‬بعض‭ ‬الحكومات‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬محددة،‭ ‬وتجاهلته‭ ‬في‭ ‬أخرى،‭ ‬أبرزها‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الوحشية‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬عامين‭. ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬فرض‭ ‬تحديات‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الدبلوماسيين‭ ‬المعاصرين‭ ‬الذين‭ ‬سعوا‭ ‬لترسيخ‭ ‬السلام‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأضواء،‭ ‬فيما‭ ‬تراجع‭ ‬تأثيرهم‭ ‬بفعل‭ ‬السياسات‭ ‬المتهورة‭ ‬والخطاب‭ ‬المتصلب‭ ‬لقادتهم‭.‬

وناقشت‭ ‬لجنة‭ ‬الخبراء‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬كارنيجي‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬أوسع‭ ‬تمحور‭ ‬حول‭ ‬كتاب‭ ‬نيكولاس‭ ‬ويستكوت‭ ‬الجديد‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬تكون‭ ‬دبلوماسيًا‭: ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ ‬والأزمات‭ ‬في‭ ‬الأوقات‭ ‬المضطربة‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يتناول‭ ‬تحولات‭ ‬الممارسة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتآكل‭ ‬فيه‭ ‬الثقة‭ ‬وتزداد‭ ‬الأزمات‭ ‬تعقيدًا‭.‬

ينعكس‭ ‬تدهور‭ ‬الأمن‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬في‭ ‬بيانات‭ ‬معهد‭ ‬أبحاث‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬أوسلو،‭ ‬التي‭ ‬سجلت‭ ‬اندلاع‭ ‬61‭ ‬نزاعًا‭ ‬في‭ ‬36‭ ‬دولة‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬في‭ ‬تصاعدٍ‭ ‬حادٍ‭ ‬لم‭ ‬يشهده‭ ‬العالم‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬ازدياد‭ ‬النزاعات‭ ‬العنيفة‭ -‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬وأوكرانيا‭- ‬أشار‭ ‬بنيامين‭ ‬بيتريني،‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬النزاعات‭ ‬والأمن‭ ‬والتنمية‭ ‬بالمعهد‭ ‬الدولي‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مبادرات‭ ‬السلام‭ ‬أصبحت‭ ‬أقل‭ ‬فاعلية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬في‭ ‬وقف‭ ‬الحروب‭ ‬أو‭ ‬تسويتها‭.‬

ويرى‭ ‬الخبراء‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬الجوهرية‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬الفشل‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬الكبرى،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬حيال‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭. ‬وأعربت‭ ‬سيري‭ ‬آس‭ ‬روستاد،‭ ‬مديرة‭ ‬الأبحاث‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬‮«‬بريو‮»‬،‭ ‬عن‭ ‬أسفها‭ ‬لتراجع‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬عن‭ ‬المشاركة‭ ‬الدولية،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬غير‭ ‬مناسب‭ ‬لذلك،‭ ‬بينما‭ ‬وصف‭ ‬بيتريني‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الأحادية‭ ‬المعاملاتية‭ ‬التي‭ ‬ينتهجها‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بأنها‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬حل‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬المعقدة‭.‬

وقد‭ ‬دأب‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬ادعاءات‭ ‬كبيرة‭ ‬حول‭ ‬تدخله‭ ‬لإنهاء‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬سبع‭ ‬حروب‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنهاؤها‮»‬‭ ‬منذ‭ ‬عودته‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بهوسه‭ ‬المعلن‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭. ‬واعتبر‭ ‬باتريك‭ ‬إي‭ ‬شيا،‭ ‬المحاضر‭ ‬البارز‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬بجامعة‭ ‬جلاسكو،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬يجسد‭ ‬استغلال‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬لخدمة‭ ‬المصالح‭ ‬الشخصية،‭ ‬مع‭ ‬إغفال‭ ‬الأمن‭ ‬والازدهار‭ ‬الطويل‭ ‬الأمد‭ ‬لحلفاء‭ ‬واشنطن‭ ‬وشركائها‭ ‬الاقتصاديين‭.‬

وبحسب‭ ‬بحث‭ ‬أجرته‭ ‬جامعة‭ ‬إدنبرة،‭ ‬فإن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬150‭ ‬عملية‭ ‬سلام‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1990‭ ‬و2020‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬نحو‭ ‬1800‭ ‬اتفاقية،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬استمر‭ ‬المشهد‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬فقدان‭ ‬استقراره‭ ‬تدريجيًا‭. ‬وأوضح‭ ‬بيتريني‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المحادثات‭ ‬باتت‭ ‬أكثر‭ ‬تجزؤًا‭ ‬وهشاشة،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬تعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬المتدخلة‭ ‬ومصالح‭ ‬القوى‭ ‬الأجنبية‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬وسيط‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬بمفرده‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬عملية‭ ‬سلام‭ ‬شاملة‭ ‬ومقبولة‭ ‬لجميع‭ ‬الأطراف‭.‬

أما‭ ‬ويستكوت،‭ ‬فشدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الناجحة‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الاستماع‭ ‬والتعبير‭ ‬والصدق،‭ ‬وهي‭ ‬صفات‭ ‬غابت‭ ‬عن‭ ‬المفاوضات‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬افتقدت‭ ‬الثقة‭ ‬أساسًا،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إخفاق‭ ‬القادة‭ ‬الغربيين‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬الجوهرية‭.‬

ويعد‭ ‬القصف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬العشوائي‭ ‬لغزة،‭ ‬الذي‭ ‬خلف‭ ‬دمارًا‭ ‬واسعًا‭ ‬واستشهاد‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المدنيين،‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬المدمر‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها‭ ‬الغربيين‭. ‬وقد‭ ‬رفض‭ ‬ماثيو‭ ‬داس،‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لمركز‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬واشنطن،‭ ‬تبرير‭ ‬فشل‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬في‭ ‬كبح‭ ‬حكومة‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬المتطرفة،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬ضللت‭ ‬العالم‭ ‬بشأن‭ ‬سلوك‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬ويناير‭ ‬2025‭.‬

وبعد‭ ‬مغادرة‭ ‬بايدن‭ ‬السلطة،‭ ‬أقرّ‭ ‬ماثيو‭ ‬ميلر،‭ ‬المتحدث‭ ‬السابق‭ ‬باسم‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬بأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ارتكبت‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬ضد‭ ‬المدنيين،‭ ‬كما‭ ‬أيد‭ ‬جيك‭ ‬سوليفان،‭ ‬مستشار‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬السابق،‭ ‬قرار‭ ‬حجب‭ ‬نقل‭ ‬الأسلحة‭ ‬الأمريكية‭ ‬عن‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬لاحقًا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاعترافات‭ ‬تتناقض‭ ‬مع‭ ‬الدعم‭ ‬العسكري‭ ‬الذي‭ ‬قدمته‭ ‬واشنطن‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬المقدر‭ ‬بنحو‭ ‬17‭.‬9‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬بين‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬وسبتمبر‭ ‬2024،‭ ‬وفقًا‭ ‬لمعهد‭ ‬واتسون‭ ‬للشؤون‭ ‬الدولية‭ ‬والعامة‭ ‬بجامعة‭ ‬براون‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لمسؤولي‭ ‬الإدارة‭ ‬السابقة‭ ‬الادعاء‭ ‬بالجهل،‭ ‬إذ‭ ‬وثّقت‭ ‬منظمات‭ ‬حقوقية‭ ‬عديدة‭ ‬الانتهاكات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬فيما‭ ‬أكدت‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬وجود‭ ‬استنتاج‭ ‬معقول‭ ‬بارتكاب‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬منذ‭ ‬يناير‭ ‬2024‭.‬

استمرت‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬في‭ ‬إعلان‭ ‬دعمها‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والتسوية‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬رغم‭ ‬انحيازها‭ ‬الواضح‭ ‬للطموحات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وهو‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬واصلته‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬بعد‭ ‬توليه‭ ‬الرئاسة‭. ‬وقبيل‭ ‬انعقاد‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬سبتمبر‭ ‬2025،‭ ‬تفاخر‭ ‬ترامب‭ ‬بإنهاء‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬وآسيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬متجاهلًا‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬إسرائيل‭ ‬لزيادة‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬غزة‭ ‬بعد‭ ‬عودته‭ ‬إلى‭ ‬المكتب‭ ‬البيضاوي،‭ ‬وكذلك‭ ‬مساهمة‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬تحت‭ ‬قيادته‭ ‬في‭ ‬الحملة‭ ‬الجوية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬التصعيد‭ ‬دفع‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬حافة‭ ‬صراع‭ ‬شامل،‭ ‬وأعقبه‭ ‬هجوم‭ ‬إيراني‭ ‬على‭ ‬قطر،‭ ‬ثم‭ ‬غارات‭ ‬إسرائيلية‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬استهدفت‭ ‬مسؤولي‭ ‬حماس‭ ‬في‭ ‬قطر‭ ‬أيضًا،‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬الشكوك‭ ‬حول‭ ‬موثوقية‭ ‬واشنطن‭ ‬لدى‭ ‬حلفائها‭ ‬التقليديين‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬ومع‭ ‬دخول‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬المؤقت‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬بعد‭ ‬تدمير‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المنازل‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والمراكز‭ ‬الصحية،‭ ‬أوضح‭ ‬بيتريني‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬الدائم‭ ‬يتطلب‭ ‬مفاوضات‭ ‬دولية‭ ‬رفيعة‭ ‬المستوى‭ ‬تتكامل‭ ‬مع‭ ‬مبادرات‭ ‬محلية‭ ‬أو‭ ‬وطنية‭.‬

أما‭ ‬خطة‭ ‬ترامب‭ ‬المكونة‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬بندًا،‭ ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬إملاءات‭ ‬فرضها‭ ‬على‭ ‬حماس‭ ‬تحت‭ ‬التهديد،‭ ‬كما‭ ‬وصفها‭ ‬شبلي‭ ‬تلحمي‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬ماريلاند‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬خالية‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬والمبادئ‮»‬‭ ‬وتحتوي‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬‮«‬وعد‭ ‬غامض‮»‬‭ ‬بشأن‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المستقبلية‭. ‬ووفقًا‭ ‬لويستكوت،‭ ‬فإن‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬الذي‭ ‬فرضه‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬وحماس‭ ‬لا‭ ‬يقرب‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬أفق‭ ‬حقيقي‭ ‬للتعايش‭ ‬السلمي‭ ‬بين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬والإسرائيليين‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬النقد‭ ‬يتركز‭ ‬بحق‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬باعتبارها‭ ‬الداعم‭ ‬الأول‭ ‬لإسرائيل‭ ‬سياسيًا‭ ‬وعسكريًا‭ ‬وماليًا،‭ ‬فإن‭ ‬مواقف‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬الأخرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬قصورًا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬السياسية‭ ‬والأخلاقية‭. ‬فبينما‭ ‬سارعت‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تسليح‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بعد‭ ‬الغزو‭ ‬الروسي‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬تجاهلت‭ ‬القصف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬العشوائي‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬الذي‭ ‬تجاوز‭ ‬العامين‭.‬

وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬شخصيات‭ ‬مثل‭ ‬الأمينة‭ ‬العامة‭ ‬لمنظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية،‭ ‬أغنيس‭ ‬كالامارد،‭ ‬إلى‭ ‬التنديد‭ ‬بـ«ازدواجية‭ ‬المعايير‮»‬‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لم‭ ‬تصوت‭ ‬بريطانيا‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬لصالح‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2024،‭ ‬ورغم‭ ‬إعلان‭ ‬حكومة‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬بقيادة‭ ‬كير‭ ‬ستارمر‭ ‬اعترافها‭ ‬بالدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬كخطوة‭ ‬نحو‭ ‬السلام‭ ‬الدائم،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ترفض‭ ‬وصف‭ ‬أفعال‭ ‬إسرائيل‭ ‬بالإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬كما‭ ‬استمرت‭ ‬في‭ ‬تصدير‭ ‬الأسلحة‭ ‬حتى‭ ‬بلغت‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭.‬

وبالمثل،‭ ‬أظهرت‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬ديناميكية‭ ‬مشابهة،‭ ‬إذ‭ ‬أشارت‭ ‬الباحثة‭ ‬جودي‭ ‬ديمبسي‭ ‬من‭ ‬مؤسسة‭ ‬كارنيجي‭ ‬للسلام‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استجابات‭ ‬باريس‭ ‬وبرلين‭ ‬وروما‭ ‬وبروكسل‭ ‬وغيرها‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬غير‭ ‬فعالة‮»‬‭ ‬وألحقت‭ ‬‮«‬ضررًا‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيه‮»‬‭ ‬بمصداقية‭ ‬أوروبا‭ ‬كوسيط‭ ‬سلام‭ ‬عالمي‭. ‬وخلال‭ ‬فعالية‭ ‬نظمتها‭ ‬‮«‬كارنيجي‭ ‬أوروبا‮»‬،‭ ‬أعرب‭ ‬بيير‭ ‬فيمون،‭ ‬عن‭ ‬أسفه‭ ‬لـ‮«‬غياب‭ ‬المبادرة‭ ‬والعمل‮»‬‭ ‬لدى‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أزمات‭ ‬الأمن‭ ‬والصراع،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عددًا‭ ‬محدودًا‭ ‬من‭ ‬المستشارين‭ ‬وصناع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬ولندن‭ ‬وباريس‭ ‬يوجهون‭ ‬السياسات‭ ‬الخارجية‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الرؤى‭ ‬الخارجية‭ ‬الأوسع‭.‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتكتيكات‭ ‬التفاوض‭ ‬الأمريكية‭ ‬حول‭ ‬غزة،‭ ‬أشار‭ ‬فيمون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المبعوث‭ ‬الخاص‭ ‬لترامب‭ ‬ستيف‭ ‬ويتكوف‭ ‬يتمتع‭ ‬بميزة‭ ‬التواصل‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ما‭ ‬يسرع‭ ‬عملية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬لكنه‭ ‬وصفه‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬غير‭ ‬محترف‮»‬‭ ‬ويعمل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬دعم‭ ‬من‭ ‬خبراء‭ ‬متخصصين‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬المنطقة،‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬المفاوضات‭. ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬ويستكوت‭ ‬أن‭ ‬القضايا‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المعقدة‭ ‬كقضية‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حلها‭ ‬بالخداع‭ ‬أو‭ ‬الفرض،‭ ‬موضحًا‭ ‬أن‭ ‬أسلوب‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬المتسلط‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬تسوية‭ ‬‮«‬نهائية‮»‬،‭ ‬لأن‭ ‬شروطها‭ ‬‮«‬غامضة‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬‮«‬مسار‭ ‬دبلوماسي‭ ‬واضح‭ ‬للمضي‭ ‬قدمًا‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬ختام‭ ‬كلمته،‭ ‬ذكّر‭ ‬ويستكوت‭ ‬بأن‭ ‬القوى‭ ‬المنتصرة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬أسست‭ ‬النظام‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬مثل‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬نتيجة‭ ‬إدراكها‭ ‬لفشل‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬توازن‭ ‬القوى‮»‬،‭ ‬ولحاجتها‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬جديد‭ ‬يمنع‭ ‬تفشي‭ ‬النزاعات‭ ‬العنيفة‭. ‬لكنه‭ ‬حذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الهياكل‭ ‬اليوم‭ ‬‮«‬تنهار‮»‬‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬عاجل،‭ ‬بينما‭ ‬ينشغل‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬بانتقاد‭ ‬لجنة‭ ‬نوبل‭ ‬لعدم‭ ‬منحه‭ ‬الجائزة‭. ‬

وأشار‭ ‬بيتريني‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬السلام‭ ‬الدولية‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬قاسم‭ ‬مشترك‮»‬‭ ‬و«مبادئ‭ ‬توحيدية‮»‬‭ ‬بسبب‭ ‬تجاهل‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬التزاماتها‭ ‬تجاه‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وامتناعها‭ ‬عن‭ ‬محاسبة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬فقد‭ ‬الغرب‭ ‬أي‭ ‬مصداقية‭ ‬كوسيط‭ ‬موثوق‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬–‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬ما‭ ‬يرجح‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬الصراعات‭ ‬العنيفة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬سيرتفع،‭ ‬وستزداد‭ ‬آثارها‭ ‬تدميرًا‭ ‬لملايين‭ ‬البشر‭ ‬المتضررين‭ ‬منها‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭.‬

تكشف‭ ‬الحلقة‭ ‬النقاشية‭ ‬التي‭ ‬استضافتها‭ ‬مؤسسة‭ ‬كارنيجي‭ ‬للسلام‭ ‬الدولي‭ ‬عن‭ ‬مأزقٍ‭ ‬دبلوماسي‭ ‬عالمي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬عجز‭ ‬الأدوات،‭ ‬بل‭ ‬امتدّ‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬الإرادة‭ ‬والاتساق‭ ‬الأخلاقي‭ ‬لدى‭ ‬صُنّاع‭ ‬القرار‭ ‬الغربيين‭. ‬فبين‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعايير،‭ ‬وتسييس‭ ‬مفاهيم‭ ‬العدالة،‭ ‬وتراجع‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬متعددة‭ ‬الأطراف،‭ ‬تتبدّد‭ ‬فرص‭ ‬السلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬وتُستنسخ‭ ‬الأزمات‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬محاولات‭ ‬احتوائها‭.‬

ولعلّ‭ ‬ما‭ ‬خلص‭ ‬إليه‭ ‬المتحدثون‭ ‬من‭ ‬دعوةٍ‭ ‬لإحياء‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الصدق‭ ‬والإصغاء‭ ‬والمسؤولية‭ ‬المشتركة،‭ ‬يمثّل‭ ‬نداءً‭ ‬لإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينهار‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬يتهاوى‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬العنف‭ ‬واللامبالاة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا