في ظل تصاعد غير مسبوق للنزاعات المسلحة وتآكل أدوات الردع والوساطة الدولية، باتت الحرب على غزة مرآةً تعكس فشل المنظومة الدبلوماسية الغربية في إدارة الأزمات وحل الصراعات، كاشفةً عن أزمة عميقة في القيم والممارسات التي طالما تبناها الغرب بوصفه المدافع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وانطلاقًا من هذا الواقع، تستعرض هذه السطور مداولات حلقة نقاشية عقدتها مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي مؤخرا، بمشاركة نخبة من الخبراء والدبلوماسيين، من بينهم نيكولاس ويستكوت، الدبلوماسي البريطاني السابق وأستاذ الدبلوماسية في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن، وبيير فيمون، المبعوث الفرنسي السابق والزميل البارز في كارنيجي أوروبا، إلى جانب الباحثين بنيامين بيتريني وجودي ديمبسي وماثيو داس.
سلطت الحلقة الضوء على أزمة الدبلوماسية الغربية في إدارة الحروب الحديثة، في مقدمتها حرب غزة، باعتبارها مثالًا لانهيار أدوات الوساطة الدولية وتراجع القيم التي قامت عليها منظومة السلام العالمية. كما تناولت النقاشات رؤى وتحليلات متقاطعة لأوجه القصور في سياسات القوى الكبرى وتداعياتها على الأمن والاستقرار العالميين، في ظل تآكل الشرعية الأخلاقية والسياسية للغرب أمام مشاهد الدمار المتصاعدة في غزة وسائر مناطق النزاع.
ورغم أن دونالد ترامب يُجسد أوضح صورة للدبلوماسية المتضخمة بالذات، فإن تراجع المصداقية السياسية والأخلاقية بات السمة الأبرز في العالم الغربي. فقد تمسكت بعض الحكومات بالقانون الدولي وحقوق الإنسان في مواقف محددة، وتجاهلته في أخرى، أبرزها الحرب الإسرائيلية الوحشية على غزة التي استمرت عامين. هذا التناقض فرض تحديات كبيرة على الدبلوماسيين المعاصرين الذين سعوا لترسيخ السلام بعيدًا عن الأضواء، فيما تراجع تأثيرهم بفعل السياسات المتهورة والخطاب المتصلب لقادتهم.
وناقشت لجنة الخبراء في مؤسسة كارنيجي هذه الإشكالية ضمن إطار أوسع تمحور حول كتاب نيكولاس ويستكوت الجديد بعنوان «كيف تكون دبلوماسيًا: التعامل مع الناس والأزمات في الأوقات المضطربة»، الذي يتناول تحولات الممارسة الدبلوماسية في زمن تتآكل فيه الثقة وتزداد الأزمات تعقيدًا.
ينعكس تدهور الأمن العالمي في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين في بيانات معهد أبحاث السلام في أوسلو، التي سجلت اندلاع 61 نزاعًا في 36 دولة خلال عام 2024، في تصاعدٍ حادٍ لم يشهده العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي ظل ازدياد النزاعات العنيفة -ولا سيما في غزة وأوكرانيا- أشار بنيامين بيتريني، الباحث في شؤون النزاعات والأمن والتنمية بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إلى أن مبادرات السلام أصبحت أقل فاعلية من أي وقت مضى في وقف الحروب أو تسويتها.
ويرى الخبراء أن أحد الأسباب الجوهرية وراء هذا الفشل يكمن في رد فعل الحكومات الغربية الكبرى، على رأسها الولايات المتحدة، حيال هذه الأزمات. وأعربت سيري آس روستاد، مديرة الأبحاث في معهد «بريو»، عن أسفها لتراجع القوى الكبرى عن المشاركة الدولية، معتبرة أن الوقت غير مناسب لذلك، بينما وصف بيتريني الدبلوماسية الأحادية المعاملاتية التي ينتهجها دونالد ترامب بأنها عاجزة عن حل النزاعات المسلحة المعقدة.
وقد دأب ترامب على إطلاق ادعاءات كبيرة حول تدخله لإنهاء ما لا يقل عن سبع حروب «لا يمكن إنهاؤها» منذ عودته إلى البيت الأبيض، مدفوعًا بهوسه المعلن بالحصول على جائزة نوبل للسلام. واعتبر باتريك إي شيا، المحاضر البارز في العلاقات الدولية بجامعة جلاسكو، أن هذا السلوك يجسد استغلال السياسة الخارجية الأمريكية لخدمة المصالح الشخصية، مع إغفال الأمن والازدهار الطويل الأمد لحلفاء واشنطن وشركائها الاقتصاديين.
وبحسب بحث أجرته جامعة إدنبرة، فإن أكثر من 150 عملية سلام بين عامي 1990 و2020 أسفرت عن نحو 1800 اتفاقية، ومع ذلك استمر المشهد الدولي في فقدان استقراره تدريجيًا. وأوضح بيتريني أن هذه المحادثات باتت أكثر تجزؤًا وهشاشة، مؤكدًا أن تعدد الأطراف المتدخلة ومصالح القوى الأجنبية يجعل أي وسيط غير قادر بمفرده على صياغة عملية سلام شاملة ومقبولة لجميع الأطراف.
أما ويستكوت، فشدد على أن الدبلوماسية الناجحة في الماضي والحاضر تقوم على الاستماع والتعبير والصدق، وهي صفات غابت عن المفاوضات الحديثة التي افتقدت الثقة أساسًا، ما أدى إلى إخفاق القادة الغربيين في دعم هذه القيم الجوهرية.
ويعد القصف الإسرائيلي العشوائي لغزة، الذي خلف دمارًا واسعًا واستشهاد عشرات الآلاف من المدنيين، دليلًا على الدور المدمر للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. وقد رفض ماثيو داس، نائب الرئيس التنفيذي لمركز السياسة الدولية في واشنطن، تبرير فشل الرئيس السابق جو بايدن في كبح حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة، مؤكدًا أن إدارة بايدن ضللت العالم بشأن سلوك إسرائيل، وأسهمت في استمرار الحرب بين أكتوبر 2023 ويناير 2025.
وبعد مغادرة بايدن السلطة، أقرّ ماثيو ميلر، المتحدث السابق باسم الخارجية الأمريكية، بأن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب ضد المدنيين، كما أيد جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي السابق، قرار حجب نقل الأسلحة الأمريكية عن تل أبيب لاحقًا. غير أن هذه الاعترافات تتناقض مع الدعم العسكري الذي قدمته واشنطن لإسرائيل، المقدر بنحو 17.9 مليار دولار بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2024، وفقًا لمعهد واتسون للشؤون الدولية والعامة بجامعة براون. ولا يمكن لمسؤولي الإدارة السابقة الادعاء بالجهل، إذ وثّقت منظمات حقوقية عديدة الانتهاكات الإسرائيلية، فيما أكدت محكمة العدل الدولية وجود استنتاج معقول بارتكاب إبادة جماعية منذ يناير 2024.
استمرت إدارة بايدن في إعلان دعمها لوقف إطلاق النار في غزة والتسوية الدبلوماسية طويلة الأمد، رغم انحيازها الواضح للطموحات الإسرائيلية، وهو النهج الذي واصلته إدارة ترامب بعد توليه الرئاسة. وقبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر سبتمبر 2025، تفاخر ترامب بإنهاء الحروب في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، متجاهلًا دوره في دعم إسرائيل لزيادة العنف ضد غزة بعد عودته إلى المكتب البيضاوي، وكذلك مساهمة الجيش الأمريكي تحت قيادته في الحملة الجوية الإسرائيلية ضد إيران في يونيو 2025.
إن هذا التصعيد دفع المنطقة إلى حافة صراع شامل، وأعقبه هجوم إيراني على قطر، ثم غارات إسرائيلية بعد ثلاثة أشهر استهدفت مسؤولي حماس في قطر أيضًا، ما زاد من الشكوك حول موثوقية واشنطن لدى حلفائها التقليديين في المنطقة. ومع دخول وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ بعد تدمير مئات الآلاف من المنازل والبنية التحتية والمراكز الصحية، أوضح بيتريني أن السلام الدائم يتطلب مفاوضات دولية رفيعة المستوى تتكامل مع مبادرات محلية أو وطنية.
أما خطة ترامب المكونة من 20 بندًا، فلم تكن سوى إملاءات فرضها على حماس تحت التهديد، كما وصفها شبلي تلحمي من جامعة ماريلاند بأنها «خالية من التفاصيل والمبادئ» وتحتوي فقط على «وعد غامض» بشأن الدولة الفلسطينية المستقبلية. ووفقًا لويستكوت، فإن وقف إطلاق النار الذي فرضه ترامب على إسرائيل وحماس لا يقرب المنطقة من أي أفق حقيقي للتعايش السلمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وعلى الرغم من أن النقد يتركز بحق على الولايات المتحدة باعتبارها الداعم الأول لإسرائيل سياسيًا وعسكريًا وماليًا، فإن مواقف الحكومات الغربية الأخرى لا تقل قصورًا من الناحية السياسية والأخلاقية. فبينما سارعت تلك الدول إلى تسليح أوكرانيا بعد الغزو الروسي عام 2022، تجاهلت القصف الإسرائيلي العشوائي على غزة الذي تجاوز العامين.
وهو الأمر الذي دفع شخصيات مثل الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أغنيس كالامارد، إلى التنديد بـ«ازدواجية المعايير» في الموقف الغربي من القانون الدولي وحقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، لم تصوت بريطانيا في مجلس الأمن لصالح وقف إطلاق النار إلا في يونيو 2024، ورغم إعلان حكومة حزب العمال بقيادة كير ستارمر اعترافها بالدولة الفلسطينية كخطوة نحو السلام الدائم، فإنها لا تزال ترفض وصف أفعال إسرائيل بالإبادة الجماعية، كما استمرت في تصدير الأسلحة حتى بلغت مستويات قياسية.
وبالمثل، أظهرت دول الاتحاد الأوروبي ديناميكية مشابهة، إذ أشارت الباحثة جودي ديمبسي من مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي إلى أن استجابات باريس وبرلين وروما وبروكسل وغيرها كانت «غير فعالة» وألحقت «ضررًا لا رجعة فيه» بمصداقية أوروبا كوسيط سلام عالمي. وخلال فعالية نظمتها «كارنيجي أوروبا»، أعرب بيير فيمون، عن أسفه لـ«غياب المبادرة والعمل» لدى الحكومات الغربية والاتحاد الأوروبي في مواجهة أزمات الأمن والصراع، مشيرًا إلى أن عددًا محدودًا من المستشارين وصناع القرار في واشنطن ولندن وباريس يوجهون السياسات الخارجية بمعزل عن الرؤى الخارجية الأوسع.
وفيما يتعلق بتكتيكات التفاوض الأمريكية حول غزة، أشار فيمون إلى أن المبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف يتمتع بميزة التواصل المباشر مع الرئيس الأمريكي، ما يسرع عملية اتخاذ القرار، لكنه وصفه بأنه «غير محترف» ويعمل من دون دعم من خبراء متخصصين في شؤون المنطقة، ما ينعكس سلبًا على جودة المفاوضات. كما أكد ويستكوت أن القضايا الجيوسياسية المعقدة كقضية الشرق الأوسط لا يمكن حلها بالخداع أو الفرض، موضحًا أن أسلوب إدارة ترامب المتسلط لا يمكن أن ينتج تسوية «نهائية»، لأن شروطها «غامضة» ولا يوجد «مسار دبلوماسي واضح للمضي قدمًا».
وفي ختام كلمته، ذكّر ويستكوت بأن القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية أسست النظام متعدد الأطراف مثل الأمم المتحدة نتيجة إدراكها لفشل مفهوم «توازن القوى»، ولحاجتها إلى نظام جديد يمنع تفشي النزاعات العنيفة. لكنه حذر من أن هذه الهياكل اليوم «تنهار» وتحتاج إلى تعزيز عاجل، بينما ينشغل البيت الأبيض بانتقاد لجنة نوبل لعدم منحه الجائزة.
وأشار بيتريني إلى أن عملية صنع السلام الدولية تفتقر إلى «قاسم مشترك» و«مبادئ توحيدية» بسبب تجاهل الحكومات الغربية التزاماتها تجاه القانون الدولي وحقوق الإنسان، وامتناعها عن محاسبة إسرائيل على جرائم الحرب. ونتيجة لذلك، فقد الغرب أي مصداقية كوسيط موثوق في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي أو في النزاعات المستقبلية، ما يرجح أن عدد الصراعات العنيفة في العالم سيرتفع، وستزداد آثارها تدميرًا لملايين البشر المتضررين منها بشكل مباشر أو غير مباشر.
تكشف الحلقة النقاشية التي استضافتها مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي عن مأزقٍ دبلوماسي عالمي لم يعد مقتصرًا على عجز الأدوات، بل امتدّ إلى غياب الإرادة والاتساق الأخلاقي لدى صُنّاع القرار الغربيين. فبين ازدواجية المعايير، وتسييس مفاهيم العدالة، وتراجع الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، تتبدّد فرص السلام الحقيقي وتُستنسخ الأزمات بوتيرة أسرع من محاولات احتوائها.
ولعلّ ما خلص إليه المتحدثون من دعوةٍ لإحياء الدبلوماسية القائمة على الصدق والإصغاء والمسؤولية المشتركة، يمثّل نداءً لإعادة النظر في جوهر العلاقات الدولية قبل أن ينهار ما تبقّى من نظام عالمي يتهاوى تحت وطأة العنف واللامبالاة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك