العدد : ١٧٤٩٤ - السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٤ - السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

تلاشي التغطية الإعلامية لغزة.. عندما يقتل الفلسطينيون مرتين!

بقلم: د. رمزي بارود

الجمعة ١٣ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

لي‭ ‬زميل‭ ‬يعمل‭ ‬محررا‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية‭ ‬واسعة‭ ‬الانتشار‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬يركز‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬عامين‭. ‬لقد‭ ‬عبر‭ ‬لي‭ ‬مؤخراً‭ ‬عن‭ ‬شدة‭ ‬إحباطه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬غزة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬محوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬الأخبار‭ ‬العالمية‭.‬

في‭ ‬الحقيقة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬زميلي‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬لي‭ ‬ذلك‭ ‬الكلام،‭ ‬إذ‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬غزة‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬تهميشها‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬التغطية‭ ‬الإعلامية‭ - ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربية‭ ‬الرئيسية،‭ ‬المعروفة‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬بانحيازها‭ ‬الكامل‭ ‬لصالح‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬التي‭ ‬توصف‭ ‬غالبًا،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬صحيحًا‭ ‬أم‭ ‬لا،‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬مؤيدة‭ ‬لفلسطين‮»‬‭.‬

للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬مجرد‭ ‬أمر‭ ‬روتيني‭. ‬فقد‭ ‬تطلّبت‭ ‬غزة‭ ‬وسكانها‭ ‬خلال‭ ‬ذروة‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬نفذتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬اهتماماً‭ ‬مستمراً‭ ‬وتغطية‭ ‬متواصلة‭ ‬ومكثفة،‭ ‬بينما‭ ‬تطلّبت‭ ‬غزة‭ ‬بعد‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬اهتماماً‭ ‬أقل،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬بهذه‭ ‬الصورة‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬وهي‭ ‬متواصلة‭ ‬على‭ ‬أشدها‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭.‬

استنادا‭ ‬إلى‭ ‬الأرقام‭ ‬الإحصائية‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬فقد‭ ‬قُتل‭ ‬نحو‭ ‬500‭ ‬فلسطيني‭ ‬وأُصيب‭ ‬المئات‭ ‬بجروح‭ ‬منذ‭ ‬إعلان‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الادعاءات‭ ‬المتكررة‭ ‬بتوقف‭ ‬المجازر‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬حوادث‭ ‬معزولة‭ ‬أو‭ ‬‮«‬انتهاكات‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬استمرار‭ ‬للسياسات‭ ‬القاتلة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬مُورست‭ ‬خلال‭ ‬العامين‭ ‬الماضيين‭.‬

وبطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬فإن‭ ‬حصيلة‭ ‬القتلى‭ ‬اليومية‭ ‬يرافقها‭ ‬دمارٌ‭ ‬على‭ ‬نطاقٍ‭ ‬واسع‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬استيعابه‭. ‬فقد‭ ‬قُتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬71‭ ‬ألف‭ ‬فلسطيني‭ ‬منذ‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬حيث‭ ‬مُحيت‭ ‬أحياء‭ ‬سكنية‭ ‬بأكملها،‭ ‬ودُمّرت‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الحياة‭ ‬المدنية‭ ‬شبه‭ ‬مستحيلة‭ ‬نظرا‭ ‬لانعدام‭ ‬مقوماتها‭.‬

وحتى‭ ‬ندرك‭ ‬تماما‭ ‬عمق‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نعلم‭ ‬بأن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬نازحين‭ ‬يعيشون‭ ‬مشردين‭ ‬في‭ ‬خيام‭ ‬وملاجئ‭ ‬مؤقتة‭ ‬تنهار‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬عواصف‭ ‬الشتاء‭ ‬والفيضانات‭ ‬والرياح‭ ‬العاتية‭. ‬لقد‭ ‬تجمد‭ ‬أطفال‭ ‬رضع‭ ‬حتى‭ ‬الموت،‭ ‬فيما‭ ‬تنتقل‭ ‬العائلات‭ ‬من‭ ‬ملجأ‭ ‬مؤقت‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬ينهشها‭ ‬البرد‭ ‬الشديد‭ ‬وتتقاذفها‭ ‬المخاوف‭.‬

تحت‭ ‬أنقاض‭ ‬غزة‭ ‬ترقد‭ ‬آلاف‭ ‬الجثث‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مدفونة‭ ‬تحت‭ ‬الركام،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬بسبب‭ ‬تدمير‭ ‬إسرائيل‭ ‬للآليات‭ ‬الثقيلة‭ ‬والطرقات‭ ‬وخدمات‭ ‬الطوارئ‭. ‬ويُعتقد‭ ‬أن‭ ‬آلافاً‭ ‬آخرين‭ ‬مدفونون‭ ‬في‭ ‬مقابر‭ ‬جماعية‭ ‬بانتظار‭ ‬استخراجهم‭ ‬ودفنهم‭ ‬بشكل‭ ‬لائق‭.‬

في‭ ‬غضون‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مئات‭ ‬الجثث‭ ‬متناثرة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬شرق‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬بالخط‭ ‬الأصفر،‭ ‬وهو‭ ‬خط‭ ‬حدودي‭ ‬يُزعم‭ ‬أنه‭ ‬يفصل‭ ‬المناطق‭ ‬العسكرية‭ ‬عن‭ ‬‮«‬المناطق‭ ‬الآمنة‮»‬‭ ‬الفلسطينية‭. ‬لم‭ ‬تحترم‭ ‬إسرائيل‭ ‬هذا‭ ‬الخط‭ ‬قط،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬وهماً‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬استُخدم‭ ‬للإيهام‭ ‬بحالة‭ ‬ضبط‭ ‬النفس،‭ ‬والتعتيم‭ ‬على‭ ‬العنف‭ ‬المتواصل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭.‬

ومن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬إسرائيل،‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬الحرب‭ ‬قط‭. ‬وحدهم‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬هم‭ ‬المطالبون‭ ‬بالالتزام‭ ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬وهم‭ ‬يخافون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يستخدم‭ ‬أي‭ ‬رد‭ ‬فعل،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬ضئيلاً،‭ ‬كمبرر‭ ‬لاستئناف‭ ‬عمليات‭ ‬القتل‭ ‬الجماعي،‭ ‬بموافقة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحلفائها‭ ‬الغربيين‭.‬

في‭ ‬الحقيقة‭ ‬فإن‭ ‬عمليات‭ ‬قتل‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬وإنما‭ ‬خفت‭ ‬وتيرتها‭ ‬نسبيا‭.  ‬ففي‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬يناير‭ ‬الماضي،‭ ‬أسفرت‭ ‬الهجمات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬16‭ ‬فلسطينياً،‭ ‬بينهم‭ ‬نساء‭ ‬وأطفال،‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬متفرقة‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬وقوع‭ ‬أي‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وطالما‭ ‬أن‭ ‬أعداد‭ ‬القتلى‭ ‬الذين‭ ‬تزهق‭ ‬أرواحهم‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭ ‬تظل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬المستوى‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬الحديث‭ ‬عنده‭ ‬عن‭ ‬مذابح‭ ‬جماعية‭ - ‬أي‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬جثة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ - ‬فإن‭ ‬غزة‭ ‬تتلاشى‭ ‬بهدوء‭ ‬وتغيب‭ ‬عن‭ ‬عناوين‭ ‬الأخبار‭.‬

يعيش‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليوني‭ ‬فلسطيني‭ ‬في‭ ‬حوالي‭ ‬45‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬غزة‭ ‬الصغيرة‭ ‬أصلاً‭ ‬والبالغة‭ ‬365‭ ‬كيلومتراً‭ ‬مربعاً،‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬كميات‭ ‬ضئيلة‭ ‬من‭ ‬المساعدات‭ ‬فقط،‭ ‬وانعدام‭ ‬الوصول‭ ‬الموثوق‭ ‬إلى‭ ‬المياه‭ ‬النظيفة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نظام‭ ‬صحي‭ ‬مدمر‭ ‬يكاد‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭.‬

لقد‭ ‬تم‭ ‬تدمير‭ ‬اقتصاد‭ ‬غزة‭ ‬فعلياً‭. ‬فحتى‭ ‬الصيادون‭ ‬نجدهم‭ ‬اليوم‭ ‬إما‭ ‬ممنوعين‭ ‬تماماً‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬أو‭ ‬مجبرين‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬تجاوز‭ ‬مسافة‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬كيلومتر‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الشاطئ،‭ ‬مما‭ ‬يحول‭ ‬مصدر‭ ‬رزق‭ ‬يعود‭ ‬لقرون‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ ‬الموت‭ ‬اليومي‭ ‬الداهم‭.‬

أما‭ ‬التعليم‭ ‬فقد‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للبقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭. ‬يدرس‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬الخيام‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مبانٍ‭ ‬مدمرة‭ ‬جزئياً،‭ ‬حيث‭ ‬تضررت‭ ‬أو‭ ‬دُمرت‭ ‬جميع‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬تقريباً‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬جراء‭ ‬القصف‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

لم‭ ‬تتخلَّ‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬الأسس‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬للإبادة‭ ‬الجماعية‭. ‬ويواصل‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬رؤاهم‭ ‬للدمار‭ ‬الدائم‭ ‬والتطهير‭ ‬العرقي،‭ ‬وهو‭ ‬خطاب‭ ‬يجرّد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬إنسانيتهم‭  ‬ويصوّر‭ ‬الدمار‭ ‬كسياسة‭ ‬وضرورة‭ ‬استراتيجية‭.‬

لكن‭ ‬لماذا‭ ‬تُصرّ‭ ‬إسرائيل‭ ‬بحكومتها‭ ‬المتطرفة‭ ‬على‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الانهيار؟‭ ‬ولماذا‭ ‬تعرقل‭ ‬إسرائيل‭ ‬بحكومتها‭ ‬المتطرفة‭ ‬الاستقرار‭ ‬وتؤخر‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار؟

الجواب‭ ‬واضح‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيه‭: ‬تسعى‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬خيار‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭. ‬وقد‭ ‬دعا‭ ‬مسؤولون‭ ‬كبار‭ ‬علنًا‭ ‬إلى‭ ‬الاحتلال‭ ‬الدائم،‭ ‬والهندسة‭ ‬الديموغرافية،‭ ‬ومنع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬مناطقهم‭ ‬المدمرة‭ ‬شرق‭ ‬الخط‭ ‬الأصفر‭.‬

لكن‭ ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬الإعلام؟

لقد‭ ‬بدأت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربية‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬صورة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وإعادة‭ ‬إدراجها‭ ‬في‭ ‬الأخبار‭ ‬العالمية‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬لم‭ ‬تحدث‭ ‬قط‭.‬

والأمر‭ ‬الأكثر‭ ‬إثارة‭ ‬للقلق‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬حتى‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬التي‭ ‬تسمى‭ ‬‮«‬المؤيدة‭ ‬لفلسطين‮»‬‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬تمضي‭ ‬قدماً‭ - ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬كانت‭ ‬حدثا‭ ‬مؤقتا،‭ ‬وليست‭ ‬حالة‭ ‬طوارئ‭ ‬أخلاقية‭ ‬مستمرة‭.‬

قد‭ ‬يحاول‭ ‬المرء‭ ‬تبرير‭ ‬هذا‭ ‬الإهمال‭ ‬بالإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬فنزويلا،‭ ‬وإيران،‭ ‬واليمن،‭ ‬وسوريا،‭ ‬وغرينلاند،‭ ‬لكن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التبرير‭ ‬يظل‭ ‬واهيا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬انتشال‭ ‬غزة‭ ‬بالفعل‭ ‬من‭ ‬الكارثة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭.‬

نجحت‭ ‬إسرائيل،‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬خطير،‭ ‬في‭ ‬تجريد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬إنسانيتهم‭  ‬بشكل‭ ‬ممنهج‭ ‬عبر‭ ‬عمليات‭ ‬القتل‭ ‬الجماعي‭. ‬وبمجرد‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬العنف‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬يصبح‭ ‬العنف‭ ‬الأقل‭ ‬حدة‭ -‬وإن‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مميتاً‭- ‬أمراً‭ ‬طبيعياً‭. ‬ويصبح‭ ‬الموت‭ ‬البطيء‭ ‬للناجين‭ ‬مجرد‭ ‬ضجيج‭ ‬في‭ ‬الفراغ‭.‬

هكذا‭ ‬يُقتل‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬مرتين‭: ‬أولاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المحو‭ - ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الصمت،‭ ‬والتشتيت،‭ ‬والانسحاب‭ ‬التدريجي‭ ‬للانتباه‭ ‬عن‭ ‬معاناتهم‭ ‬الجماعية‭ ‬المستمرة‭.‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬فلسطين‭ ‬وشعبها‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬التضامن‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والسياسي‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬عملاً‭ ‬خيرياً،‭ ‬ولا‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬انحياز‭ ‬أيديولوجي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬الواجب‭ ‬تقديمه‭ ‬لشعب‭ ‬خذله‭ ‬العالم‭ ‬بالفعل‭ -‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يخذله‭- ‬كل‭ ‬يوم‭.‬

الصمت‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬الكارثة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ليس‭ ‬حياداً؛‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تواطؤ‭.‬

 

{ أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا