العدد : ١٧٤٩٥ - الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٥ - الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الفلسطينيون ودروس غزة .. الصراع والنضال مستمران

بقلم: د. مصطفى البرغوثي

الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

مثلت‭ ‬صرخات‭ (‬ودعوات‭) ‬نساء‭ ‬غزّة‭ ‬العائدات‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬بعد‭ ‬إبعاد‭ ‬دام‭ ‬عامين‭ ‬‮«‬بألا‭ ‬يترك‭ ‬أحد‭ ‬غزّة‭ ‬ووطنه‭ ‬فلسطين‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬لا‭ ‬كرامة‭ ‬حقيقية‭ ‬للإنسان‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬وطنه‮»‬،‭ ‬عنواناً‭ ‬لفشل‭ ‬نتنياهو،‭ ‬وحكومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬العنصرية‭ ‬التي‭ ‬يرأسها،‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الهدف‭ ‬الرئيس‭ ‬لحرب‭ ‬الإبادة،‭ ‬والتجويع‭ ‬والعقوبات‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬شنّوها،‭ ‬وهو‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي،‭ ‬وهذا،‭ ‬سابقاً‭ ‬ولاحقاً،‭ ‬كان‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬الوسيلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنقذ‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬من‭ ‬الفشل‭ ‬الحتمي‭. ‬ولكن،‭ ‬كلما‭ ‬تعاظمت‭ ‬شراسة‭ ‬العدوانية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬وتصاعد‭ ‬حجم‭ ‬جرائمها،‭ ‬ازداد‭ ‬تمسك‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بوطنه،‭ ‬وبرفض‭ ‬الرحيل‭ ‬عنه‭.‬

كانت‭ ‬تجربة‭ ‬النكبة‭ ‬عام‭ ‬1948،‭ ‬أكبر‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬الجماعي‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬الذي‭ ‬صمد‭ ‬معظمه‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬القدس،‭ ‬وقطاع‭ ‬غزّة،‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬5‭ ‬يونيو‭ - ‬حزيران‭ ‬1967وبعدها،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬صامدا‭ ‬رغم‭ ‬أبشع‭ ‬أنواع‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتنكيل‭ ‬الذي‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭. ‬وكما‭ ‬لم‭ ‬يفلح‭ ‬القمع‭ ‬والتنكيل‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ارتكاب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬الصراع،‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الجائرة،‭ ‬مثل‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو،‭ ‬واتفاقيات‭ ‬التطبيع‭ ‬واتفاقيات‭ ‬التسويات‭ ‬الجزئية‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬لم‭ ‬تفلح‭ ‬في‭ ‬إنهائه‭. ‬والسبب‭ ‬جذري‭ ‬وواضح،‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬الدائر‭ ‬غدا‭ ‬وجودياً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭. ‬صراع‭ ‬حول‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬يكون،‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬شعباً‭ ‬أو‭ ‬يفنى‭ ‬وينتهي‭ ‬ويذوب‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬دولٍ‭ ‬أخرى،‭ ‬ليعاني‭ ‬تمييزاً‭ ‬أبدياً‭ ‬وانتقاصاً‭ ‬دائما‭ ‬لحقوقه‭ ‬المشروعة‭.‬

والسبب‭ ‬يعود،‭ ‬أيضاً،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬حقوقه،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬اندفعت‭ ‬قيادته‭ ‬الرسمية‭ ‬نحو‭ ‬أوهام‭ ‬اتفاقيات‭ ‬جزئية،‭ ‬لتكتشف‭ ‬ويكتشف‭ ‬شعبها‭ ‬أن‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬ليست‭ ‬معنيةً‭ ‬بحلولٍ‭ ‬وسط‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭ ‬لـ70‭% ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬عام‭ ‬1948،‭ ‬لم‭ ‬يُنهِ‭ ‬الصراع،‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬لاجئٍ‭ ‬حمل‭ ‬عند‭ ‬رحيله‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬وعقله،‭ ‬وطنه،‭ ‬وقريته،‭ ‬أو‭ ‬بلدته‭ ‬أو‭ ‬مدينته‭.‬

والاحتلال‭ ‬الأطول‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث،‭ ‬الذي‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬أبارتهايد‭ ‬هي‭ ‬الأسوأ‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية،‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬كسر‭ ‬إرادة‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وتصميمه‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الحرية،‭ ‬بل‭ ‬زاده‭ ‬تمسكاً‭ ‬بها‭. ‬وما‭ ‬جرى‭ ‬بعد‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ (‬2023‭) ‬من‭ ‬مجازر‭ ‬وحشية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭ ‬أعاد‭ ‬شحن‭ ‬أجيال‭ ‬الشباب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬بمشاعر‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬والتمسّك‭ ‬بالوطن‭ ‬فلسطين‭.‬

أما‭ ‬إرهاب‭ ‬عصابات‭ ‬المستوطنين‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬الذي‭ ‬يذكِّر‭ ‬الجميع‭ ‬بإرهاب‭ ‬عصابات‭ ‬الهاجاناه‭ ‬وشتيرن‭ ‬وايتسيل،‭ ‬فلم‭ ‬يزد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬إلا‭ ‬إدراكاً‭ ‬أن‭ ‬خلاصهم،‭ ‬وأمنهم،‭ ‬وسلامتهم‭ ‬مشروطة‭ ‬باستمرار‭ ‬صمودهم‭ ‬ونضالهم‭ ‬المشروع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حقوقهم‭.‬

وما‭ ‬يتعرّض‭ ‬له‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬في‭ ‬أراضي‭ ‬الـ‭ ‬1948‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬العنصرية‭ ‬الفاشية‭ ‬لم‭ ‬يزدهم‭ ‬إلا‭ ‬إدراكاً‭ ‬لأهمية‭ ‬التمسك‭ ‬بفلسطينيتهم‭ ‬وحقوقهم‭ ‬الوطنية‭. ‬وذلك‭ ‬كله‭ ‬يفسّر‭ ‬الإصرار‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المدعوم‭ ‬من‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬انتزاع‭ ‬حقّ‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬النضال‭ ‬والكفاح‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حقوقهم‭ ‬وفي‭ ‬مقاومة‭ ‬الظلم‭ ‬الذي‭ ‬يتعرّضون‭ ‬له‭.‬

لم‭ ‬تبقَ‭ ‬وسيلة‭ ‬يستخدمها‭ ‬الاحتلال‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬الهدف،‭ ‬من‭ ‬وسم‭ ‬النضال‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بالإرهاب،‭ ‬إلى‭ ‬تحميل‭ ‬الضحية‭ ‬المسؤولية،‭ ‬إلى‭ ‬اعتقال‭ ‬مئات‭ ‬آلاف،‭ ‬إلى‭ ‬المصادرة‭ ‬الجنونية‭ ‬واللصوصية‭ ‬للأرض،‭ ‬إلى‭ ‬الاستيطان‭ ‬المنفلت‭ ‬من‭ ‬عقاله،‭ ‬الذي‭ ‬تجاوز‭ ‬كل‭ ‬الحدود،‭ ‬إلى‭ ‬تعذيب‭ ‬الأسرى‭ ‬وتجويعهم،‭ ‬إلى‭ ‬تشويه‭ ‬السردية‭ ‬التاريخية‭ ‬للصراع‭ ‬الدائر،‭ ‬واستبدالها‭ ‬بالروايات‭ ‬الكاذبة‭... ‬ولم‭ ‬ينقذ‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬الاحتلال‭ ‬من‭ ‬الفشل،‭ ‬وبقي‭ ‬الصراع‭ ‬محتدماً،‭ ‬وراية‭ ‬النضال‭ ‬مرتفعة،‭ ‬تتناقلها‭ ‬الأجيال‭.‬

تحدّث‭ ‬ترامب‭ ‬عن‭ ‬‮«‬خطة‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬ولم‭ ‬يذكر‭ ‬إنهاء‭ ‬الاحتلال‭ ‬بكلمة،‭ ‬وسبق‭ ‬أن‭ ‬حاول‭ ‬استبدال‭ ‬حق‭ ‬تقرير‭ ‬المصير‭ ‬والاستقلال‭ ‬الوطني‭ ‬بما‭ ‬سميت‭ ‬صفقة‭ ‬القرن،‭ ‬ومنظومة‭ ‬كانتونات‭ ‬ومعازل‭ ‬ليواجه‭ ‬فشلاً‭ ‬حتمياً،‭ ‬ثم‭ ‬ليتخلى‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الصفقة‭.‬

وكلما‭ ‬أمعن‭ ‬الاحتلال‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ (‬وتصفية‭) ‬إمكانية‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية،‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬صغير‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين،‭ ‬عاد‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬إلى‭ ‬شعارهم‭ ‬وهدفهم‭ ‬الأصلي‭ ‬بإقامة‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬ديمقراطية‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬التراب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

قتل‭ ‬الاحتلال‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬72‭ ‬ألف‭ ‬فلسطيني،‭ ‬ومنهم‭ ‬20‭ ‬ألف‭ ‬طفل،‭ ‬فأنجبت‭ ‬نساء‭ ‬غزّة،‭ ‬رغم‭ ‬أهوال‭ ‬الحرب،‭ ‬82‭ ‬ألف‭ ‬طفل‭ ‬جديد‭. ‬دمّروا‭ ‬الجامعات‭ ‬والمدارس‭ ‬والمستشفيات،‭ ‬فأنشأ‭ ‬الفلسطينيون،‭ ‬مثل‭ ‬آبائهم‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬مدارس‭ ‬وعيادات‭ ‬صحية‭ ‬في‭ ‬الخيام‭.‬

أراد‭ ‬المستعمرون‭ ‬المستوطنون‭ ‬إفناء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬عام‭ ‬1948،‭ ‬فأصبح‭ ‬الشعب‭ ‬الأكثر‭ ‬تعليماً‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المنطقة‭ ‬كطائر‭ ‬العنقاء‭ ‬نهض‭ ‬وينهض‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬أزمة،‭ ‬وكل‭ ‬عثرة،‭ ‬وهم‭ ‬يرون‭ ‬رعب‭ ‬أعدائهم‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬أن‭ ‬يكبوا‭ ‬هم‭ ‬مرّة‭ ‬واحدة،‭ ‬فلا‭ ‬ينهضوا‭ ‬بعدها‭ ‬أبداً‭.‬

صرخة‭ ‬نساء‭ ‬غزّة‭ ‬كانت‭ ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يرد‭ ‬نتنياهو‭ ‬أن‭ ‬يسمعه،‭ ‬بأن‭ ‬الصراع‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مستمراً،‭ ‬والنضال‭ ‬الفلسطيني‭ ‬سيبقى‭ ‬متقداً‭ ‬حتى‭ ‬نيل‭ ‬الحرية‭... ‬ولا‭ ‬بديل‭ ‬عن‭ ‬الحرية‭.‬

 

{ الأمين‭ ‬العام‭ ‬لحركة‭ ‬المبادرة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا