العدد : ١٧٤٩٥ - الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٥ - الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الذكاء الاصطناعي ووظائف مرشحة للاختفاء

بقلم: صدقي أبو ضهير

الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬ساندرز‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬البحث‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬التحوّل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يقودها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬موجة‭ ‬قد‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬بنية‭ ‬أسواق‭ ‬العمل‭ ‬كما‭ ‬نعرفها‭ ‬اليوم‭. ‬حين‭ ‬تتحدث‭ ‬الأرقام‭ ‬عن‭ ‬احتمال‭ ‬اختفاء‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬مليون‭ ‬وظيفة‭ ‬خلال‭ ‬عقد‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬فهذا‭ ‬ليس‭ ‬تحذيرًا‭ ‬نظريًا‭ ‬ولا‭ ‬خطابًا‭ ‬دراميًا،‭ ‬بل‭ ‬قراءة‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬بيانات‭ ‬واضحة‭ ‬حول‭ ‬قدرة‭ ‬الأنظمة‭ ‬الذكية‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬المهام‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬وبتكلفة‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬البشر‭. ‬تتعمّق‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف‭ ‬عندما‭ ‬نرى‭ ‬نسب‭ ‬التأثير‭ ‬المحتمل‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد؛‭ ‬فالممرضون‭ ‬الذين‭ ‬يشكلون‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬الرعاية‭ ‬الطبية‭ ‬مهدد‭ ‬نحو‭ ‬أربعين‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬وظائفهم‭ ‬بالأتمتة،‭ ‬بينما‭ ‬يواجه‭ ‬سائقو‭ ‬الشاحنات‭ ‬فقدانًا‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬سبعة‭ ‬وأربعين‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬المركبات‭ ‬الذاتية‭. ‬أما‭ ‬المحاسبة،‭ ‬وهي‭ ‬مهنة‭ ‬لطالما‭ ‬ارتبطت‭ ‬بالدقة‭ ‬والتحليل‭ ‬البشري،‭ ‬فتتوقع‭ ‬التقارير‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬أربعة‭ ‬وستون‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬فيها‭ ‬مواقعهم‭ ‬لصالح‭ ‬الأنظمة‭ ‬الذكية‭. ‬حتى‭ ‬التعليم،‭ ‬ذلك‭ ‬القطاع‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يُظن‭ ‬أنه‭ ‬الأقل‭ ‬عرضة‭ ‬للأتمتة،‭ ‬يشهد‭ ‬تهديدًا‭ ‬لوظائف‭ ‬مساعدي‭ ‬التدريس‭ ‬بنسبة‭ ‬خمسة‭ ‬وستين‭ ‬في‭ ‬المئة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تبدو‭ ‬وظائف‭ ‬الوجبات‭ ‬السريعة‭ ‬الأقرب‭ ‬للاندثار‭ ‬مع‭ ‬تسعٍ‭ ‬وثمانين‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬قابلة‭ ‬للاستبدال‭ ‬بالكامل‭ ‬عبر‭ ‬الروبوتات‭.‬

هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تشكّل‭ ‬ضغطًا‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬الجماعي‭ ‬وتفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬سؤال‭ ‬وجودي‭ ‬طرحه‭ ‬ساندرز‭ ‬بوضوح‭: ‬كيف‭ ‬سيعيش‭ ‬الناس‭ ‬بلا‭ ‬وظائف؟‭ ‬الإجابة‭ ‬ليست‭ ‬سهلة،‭ ‬لأننا‭ ‬أمام‭ ‬لحظة‭ ‬تحوّل‭ ‬تشبه‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬الزراعة‭ ‬إلى‭ ‬الصناعة،‭ ‬ومن‭ ‬الصناعة‭ ‬إلى‭ ‬الرقمنة،‭ ‬لكن‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬بكثير‭. ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬خلال‭ ‬خمسين‭ ‬عامًا‭ ‬أصبح‭ ‬يحدث‭ ‬خلال‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أجيال‭ ‬من‭ ‬التكيّف‭ ‬بات‭ ‬يتطلب‭ ‬قدرة‭ ‬فورية‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬النظم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬هذا‭ ‬التسارع‭ ‬يفرض‭ ‬نقاشًا‭ ‬جديدًا‭ ‬حول‭ ‬مفهوم‭ ‬العمل‭ ‬ذاته‭. ‬فلطالما‭ ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬الدخل‭ ‬والهوية‭ ‬والاندماج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وإذا‭ ‬اختفت‭ ‬الوظائف‭ ‬بشكل‭ ‬واسع،‭ ‬فإننا‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬البشري‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الآلة،‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬سؤالًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬واقتصاديًا‭ ‬جوهريًا‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬توزيع‭ ‬الثروة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تنتج‭ ‬فيه‭ ‬الآلات‭ ‬معظم‭ ‬القيمة‭.‬

شخصيات‭ ‬بارزة‭ ‬مثل‭ ‬إيلون‭ ‬ماسك‭ ‬وبيل‭ ‬جيتس‭ ‬تتفق‭ ‬في‭ ‬توقع‭ ‬اختفاء‭ ‬أغلب‭ ‬الوظائف‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬نسبة‭ ‬محدودة‭ ‬فقط‭ ‬تتمحور‭ ‬حول‭ ‬الإبداع‭ ‬البشري‭ ‬المحض‭ ‬أو‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬الذكاء‭. ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬ليست‭ ‬توقعًا‭ ‬متشائمًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬قراءة‭ ‬للاتجاهات‭ ‬الصناعية‭. ‬فالشركات‭ ‬الكبرى‭ -‬من‭ ‬مصانع‭ ‬السيارات‭ ‬إلى‭ ‬شبكات‭ ‬المطاعم‭- ‬تستثمر‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬في‭ ‬الأتمتة‭ ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كفاءة‭ ‬أعلى،‭ ‬وموثوقية‭ ‬أكبر،‭ ‬وتكلفة‭ ‬أقل‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يبرز‭ ‬خطر‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬جزيرة‭ ‬ثراء‮»‬‭ ‬صغيرة‭ ‬تحتكرها‭ ‬الشركات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬بينما‭ ‬يقف‭ ‬ملايين‭ ‬البشر‭ ‬على‭ ‬الشاطئ‭ ‬المقابل‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بحاجة‭ ‬إليهم‭ ‬كما‭ ‬كان‭.‬

بعض‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬يقترحون‭ ‬حلولًا‭ ‬مثل‭ ‬الدخل‭ ‬الأساسي‭ ‬الشامل،‭ ‬وهو‭ ‬مبلغ‭ ‬شهري‭ ‬ثابت‭ ‬تقدمه‭ ‬الدولة‭ ‬لكل‭ ‬مواطن‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬عمله‭. ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬فصل‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الكريمة‭ ‬عن‭ ‬شرط‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬وظيفة،‭ ‬لكنه‭ ‬يواجه‭ ‬أسئلة‭ ‬معقدة‭ ‬تتعلق‭ ‬بتمويله،‭ ‬وبالعدالة‭ ‬في‭ ‬توزيعه،‭ ‬وبقدرته‭ ‬الحقيقية‭ ‬على‭ ‬سد‭ ‬الفجوة‭ ‬التي‭ ‬سيتركها‭ ‬اختفاء‭ ‬الوظائف‭. ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬‮«‬ضريبة‭ ‬على‭ ‬الروبوتات‮»‬‭ ‬بحيث‭ ‬تُجبر‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬وطني‭ ‬يدعم‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬فقدت‭ ‬عملها‭ ‬بسبب‭ ‬الأتمتة‭. ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬التعليم‭ ‬جذريًا‭ ‬نحو‭ ‬مهارات‭ ‬جديدة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬استبدالها‭ ‬بسهولة،‭ ‬مثل‭ ‬القيادة،‭ ‬التفكير‭ ‬المركّب،‭ ‬الإبداع،‭ ‬التواصل‭ ‬البشري،‭ ‬والعناية‭ ‬الاجتماعية‭.‬

لكن‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬الحلول‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬كافية‭ ‬أمام‭ ‬حجم‭ ‬التحوّل،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الأتمتة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تستهدف‭ ‬الوظائف‭ ‬اليدوية‭ ‬أو‭ ‬الحسابية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬تتسلل‭ ‬إلى‭ ‬المهن‭ ‬المعرفية‭ ‬والإبداعية‭ ‬نفسها‭. ‬نماذج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أصبحت‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬السيناريوهات،‭ ‬تصميم‭ ‬الإعلانات،‭ ‬تشخيص‭ ‬الأمراض،‭ ‬إنتاج‭ ‬الموسيقى،‭ ‬وتطوير‭ ‬البرمجيات‭. ‬وهذا‭ ‬يفرض‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬للفوارق‭ ‬بين‭ ‬‮«‬مهارة‭ ‬الإنسان‮»‬‭ ‬و«كفاءة‭ ‬الآلة‮»‬،‭ ‬ويدفع‭ ‬المجتمعات‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬أنظمة‭ ‬جديدة‭ ‬للثقة‭ ‬والقيمة‭ ‬والانتظام‭ ‬الاجتماعي‭.‬

إننا‭ ‬أمام‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬حساسة‭ ‬تتطلب‭ ‬شجاعة‭ ‬فكرية‭ ‬وسياسية،‭ ‬لأن‭ ‬تجاهل‭ ‬الأسئلة‭ ‬سيقود‭ ‬إلى‭ ‬صدامات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬عميقة‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬المستقبل‭ ‬يحمل‭ ‬خطر‭ ‬فقدان‭ ‬وظائف،‭ ‬فإنه‭ ‬يحمل‭ ‬أيضًا‭ ‬فرصة‭ ‬لإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الثروة،‭ ‬وتطوير‭ ‬نظم‭ ‬تعليم‭ ‬جديدة،‭ ‬وإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬علاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬بالآلة،‭ ‬وبناء‭ ‬مجتمع‭ ‬يمنح‭ ‬الناس‭ ‬قيمة‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬العمل‭ ‬التقليدي‭. ‬التحوّل‭ ‬الكبير‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬بدايته،‭ ‬والقرار‭ ‬بيد‭ ‬المجتمعات‭: ‬إما‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيلها‭ ‬بصورة‭ ‬عشوائية،‭ ‬أو‭ ‬تبني‭ ‬منظومة‭ ‬جديدة‭ ‬تضمن‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬لكل‭ ‬إنسان‭ ‬مهما‭ ‬تغيَّرت‭ ‬وظائفه‭ ‬أو‭ ‬بقيت‭.‬

 

{ باحث‭ ‬في‭ ‬التسويق‭ ‬الرقمي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا