تشير تقديرات ساندرز وغيرها من مراكز البحث الدولية إلى موجة غير مسبوقة من التحوّل الاقتصادي يقودها الذكاء الاصطناعي، موجة قد تعيد رسم بنية أسواق العمل كما نعرفها اليوم. حين تتحدث الأرقام عن احتمال اختفاء ما يقارب مليون وظيفة خلال عقد واحد فقط، فهذا ليس تحذيرًا نظريًا ولا خطابًا دراميًا، بل قراءة مبنية على بيانات واضحة حول قدرة الأنظمة الذكية على أداء المهام بوتيرة أسرع وبتكلفة أقل من البشر. تتعمّق هذه المخاوف عندما نرى نسب التأثير المحتمل في قطاعات واسعة من الاقتصاد؛ فالممرضون الذين يشكلون أحد أعمدة الرعاية الطبية مهدد نحو أربعين في المئة من وظائفهم بالأتمتة، بينما يواجه سائقو الشاحنات فقدانًا يصل إلى سبعة وأربعين في المئة مع تطور المركبات الذاتية. أما المحاسبة، وهي مهنة لطالما ارتبطت بالدقة والتحليل البشري، فتتوقع التقارير أن يفقد أربعة وستون في المئة من العاملين فيها مواقعهم لصالح الأنظمة الذكية. حتى التعليم، ذلك القطاع الذي كان يُظن أنه الأقل عرضة للأتمتة، يشهد تهديدًا لوظائف مساعدي التدريس بنسبة خمسة وستين في المئة، في حين تبدو وظائف الوجبات السريعة الأقرب للاندثار مع تسعٍ وثمانين في المئة قابلة للاستبدال بالكامل عبر الروبوتات.
هذه الأرقام تشكّل ضغطًا على الوعي الجماعي وتفتح الباب أمام سؤال وجودي طرحه ساندرز بوضوح: كيف سيعيش الناس بلا وظائف؟ الإجابة ليست سهلة، لأننا أمام لحظة تحوّل تشبه الانتقال من الزراعة إلى الصناعة، ومن الصناعة إلى الرقمنة، لكن بوتيرة أسرع بكثير. ما كان يحدث خلال خمسين عامًا أصبح يحدث خلال خمس سنوات، وما كان يحتاج إلى أجيال من التكيّف بات يتطلب قدرة فورية على إعادة تشكيل النظم الاقتصادية والاجتماعية. هذا التسارع يفرض نقاشًا جديدًا حول مفهوم العمل ذاته. فلطالما كان العمل هو أساس الدخل والهوية والاندماج الاجتماعي، وإذا اختفت الوظائف بشكل واسع، فإننا ننتقل من مجتمع يقوم على الإنتاج البشري إلى مجتمع يعتمد على إنتاج الآلة، ما يثير سؤالًا سياسيًا واقتصاديًا جوهريًا حول كيفية توزيع الثروة في عالم تنتج فيه الآلات معظم القيمة.
شخصيات بارزة مثل إيلون ماسك وبيل جيتس تتفق في توقع اختفاء أغلب الوظائف البشرية في المستقبل القريب، مع بقاء نسبة محدودة فقط تتمحور حول الإبداع البشري المحض أو الإشراف على أنظمة الذكاء. هذه الرؤية ليست توقعًا متشائمًا بقدر ما هي قراءة للاتجاهات الصناعية. فالشركات الكبرى -من مصانع السيارات إلى شبكات المطاعم- تستثمر مليارات الدولارات في الأتمتة ليس بسبب رغبة في التخلص من البشر، بل لأنها ترى في الذكاء الاصطناعي كفاءة أعلى، وموثوقية أكبر، وتكلفة أقل. ومع ذلك، يبرز خطر أن يتحوّل النظام الاقتصادي إلى ما يشبه «جزيرة ثراء» صغيرة تحتكرها الشركات القادرة على امتلاك التكنولوجيا، بينما يقف ملايين البشر على الشاطئ المقابل يبحثون عن مكان في عالم لم يعد بحاجة إليهم كما كان.
بعض الاقتصاديين يقترحون حلولًا مثل الدخل الأساسي الشامل، وهو مبلغ شهري ثابت تقدمه الدولة لكل مواطن بصرف النظر عن عمله. هذا النموذج يهدف إلى فصل الحق في الحياة الكريمة عن شرط الحصول على وظيفة، لكنه يواجه أسئلة معقدة تتعلق بتمويله، وبالعدالة في توزيعه، وبقدرته الحقيقية على سد الفجوة التي سيتركها اختفاء الوظائف. وهناك من يدعو إلى فرض «ضريبة على الروبوتات» بحيث تُجبر الشركات على المساهمة في صندوق وطني يدعم الفئات التي فقدت عملها بسبب الأتمتة. بينما يرى آخرون أن الحل يكمن في إعادة هيكلة التعليم جذريًا نحو مهارات جديدة لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبدالها بسهولة، مثل القيادة، التفكير المركّب، الإبداع، التواصل البشري، والعناية الاجتماعية.
لكن حتى هذه الحلول لا تبدو كافية أمام حجم التحوّل، إذ إن الأتمتة لم تعد تستهدف الوظائف اليدوية أو الحسابية فقط، بل بدأت تتسلل إلى المهن المعرفية والإبداعية نفسها. نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على كتابة السيناريوهات، تصميم الإعلانات، تشخيص الأمراض، إنتاج الموسيقى، وتطوير البرمجيات. وهذا يفرض إعادة تعريف للفوارق بين «مهارة الإنسان» و«كفاءة الآلة»، ويدفع المجتمعات إلى بناء أنظمة جديدة للثقة والقيمة والانتظام الاجتماعي.
إننا أمام مرحلة انتقالية حساسة تتطلب شجاعة فكرية وسياسية، لأن تجاهل الأسئلة سيقود إلى صدامات اقتصادية واجتماعية عميقة. وإذا كان المستقبل يحمل خطر فقدان وظائف، فإنه يحمل أيضًا فرصة لإعادة توزيع الثروة، وتطوير نظم تعليم جديدة، وإعادة تعريف علاقة الإنسان بالآلة، وبناء مجتمع يمنح الناس قيمة خارج حدود العمل التقليدي. التحوّل الكبير لا يزال في بدايته، والقرار بيد المجتمعات: إما أن تترك التكنولوجيا تعيد تشكيلها بصورة عشوائية، أو تبني منظومة جديدة تضمن حياة كريمة لكل إنسان مهما تغيَّرت وظائفه أو بقيت.
{ باحث في التسويق الرقمي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك