شهدت الأيام القليلة الماضية رواج أخبار مفادها أن الرئيس دونالد ترامب كان قد اشترط للموافقة على مشروع قانون الإنفاق على البنية التحتية تغيير اسم محطة بنسلفانيا في مدينة نيويورك ومطار دالاس في واشنطن لتحملان اسمه تكريما له.
لم يكن ذلك مفاجئا لأن هناك نمطاً مقلقا في نهج الرئيس دونالد ترامب في الحكم يتضمن تمجيد الزعيم، ومحو الأعراف والتقاليد، واستخدام التهديدات بالانتقام لإسكات المنتقدين، والاعتماد على «حقائق بديلة» لإبقاء المخلصين المؤيدين له تحت السيطرة.
أجد نفسي أكتب مرة أخرى عن الرئيس دونالد ترامب وأنا أعلم تمام العلم أن البعض سيتهمني بما يسميه الرئيس الأمريكي «متلازمة كراهية ترامب».
أعترف لكم أن لي بعض الهوس بنمط الخطاب التحريضي الذي يعتمده الرئيس دونالد ترامب، وكذلك طبيعة سلوكه، والحركة المؤيدة له التي ألهمها، وذلك تحديداً بسبب الخطر الذي يشكلونه على الديمقراطية الأمريكية.
خلال فترة ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، كنا نخشى تشغيل الأخبار كل صباح ومعرفة التغريدات المليئة بالوعيد والتهديد والتي دأب هو نفسه على نشرها وبثها خلال الليل.
ولكن نظراً لوجود ضوابط معمول بها – كبار الموظفين الذين كانوا يبطئون من تنفيذ مطالبه أو يرفضون ببساطة التصرف بناءً عليها، أو الكونغرس أو المحاكم التي كانت بمثابة ضابط لسلوكه– فقد تبين في أغلب الأحيان أن تلك التهديدات كانت جوفاء.
كذلك لوحظ، في ولايته الثانية، وبسبب زوال تلك الضوابط، أن الرئيس دونالد ترامب أكثر جرأةً على تجاوز مجرد الكلام إلى أفعال يسعى أتباعه إلى تنفيذها بإخلاص. ونتيجةً لذلك، دخلنا مرحلةً غير مسبوقة، حيث تختبر رئاسةٌ استبداديةٌ متانة نظامنا القائم على «الضوابط والتوازنات».
ومع دخوله السنة الثانية من ولايته الثانية، بات هذا النمط الذي يعتمده الرئيس دونالد ترامب واضحاً. فهو يستخدم أساليب الترهيب لتحقيق غاياته - سواء مع الأفراد أو المؤسسات أو الدول.
كما أنه يُغرق خصومه في منطقة الهجوم، مُربكًا إياهم بمواجهتهم يوميًا بوابل من التحديات الجديدة. واتباعًا للدروس التي تعلمها من مُعلمه، روي كوهين، فهو دائمًا ما يهاجم، ولا يعترف بأخطائه أبدًا، ودائمًا ما يُعلن النصر.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية فقط، اتخذ الرئيس دونالد ترامب عدة مبادرات مثيرة للقلق الشديد. فكل مبادرة على حدة تشكل مشكلة، ولكن عند النظر إليها مجتمعة، فإنها تشير إلى شيء أكثر خطورة بكثير.
أمر الرئيس ترامب مكتب التحقيقات الفيدرالي بمصادرة بطاقات الاقتراع لانتخابات عام 2020 من مقاطعة فولتون بولاية جورجيا، على الأرجح لأنه لا يزال يعتقد أنه تعرض للتزوير في الانتخابات، على الرغم من أن المسؤول عن إدارة عملية الاقتراع في جورجيا عام 2020 كان جمهوريًا. ويُعدّ هذا الإجراء غير مسبوق من رئيس يتخذ مثل هذا القرار ويصدر بيانًا بشأنه يقول: «تذكروا، أن الولايات ليست سوى «وكيل» للحكومة الفيدرالية في فرز الأصوات وإحصائها... يجب عليهم أن يفعلوا ما تأمرهم به الحكومة الفيدرالية، ممثلة برئيس الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل مصلحة بلدنا».
في هذا التصريح وحده، يدعو الرئيس دونالد ترامب إلى انتهاك الدستور والصلاحيات التي يمنحها للولايات في إدارة الانتخابات. وبمساواة نفسه بالحكومة الفيدرالية، وقوله إنه عندما يتحدث، فإنه يفعل ذلك نيابةً عن البلاد ولصالحها، فإنه يمهد الطريق لرئاسة شمولية استبدادية.
كما اتخذ الرئيس ترامب قراراً يبدو أنه متسرع بإغلاق مركز كينيدي للفنون الأدائية، وقال إن سبب إغلاق المركز هو أن المبنى كان في حالة سيئة للغاية لدرجة أنه يشكل خطراً على رواد المركز.
ومع ذلك، بالنظر إلى أنه قبل أيام قليلة من إعلان الإغلاق، استخدم البيت الأبيض نفس المكان لاستضافة العرض الأول للفيلم الوثائقي عن زوجته «ميلانيا»، يشير المتطلعون إلى سبب آخر وراء القرار المفاجئ بإغلاق المركز.
أدى تغيير اسم المركز من جانب واحد، وإقالة مجلس إدارته، وإضافة مؤيديه كأعضاء فيه مع توليه هو رئاسته، إلى تحويل هذه المؤسسة التي كانت تحظى باحترام كبير إلى مؤسسة حزبية مسمومة. كانت المؤسسة تفقد أعضاءها ومتبرعيها، وامتنع الفنانون عن المشاركة، وبدأت تكبد خسائر مالية فادحة، وبدلاً من الاعتراف بالهزيمة، قام الرئيس ترامب بإغلاقها.
وكان من أولى الإجراءات التي اتخذها الرئيس ترامب محاولة إخضاع أعرق جامعات البلاد، وقد فعل ذلك من خلال اتهامها بمعاداة السامية المزمنة واستخدام «حصص التنوع» في التوظيف والقبول.
ولأن هاتين القضيتين تلامسان قاعدة أنصاره، فقد كان مصمماً على تحقيق الفوز. فقد بدأ بحجب المنح الفيدرالية حتى تمتثل الجامعات لمطالبه بتطهير حرمها الجامعي من معاداة السامية (مما يعني إنهاء الاحتجاجات ضد إسرائيل) وجعل القبول والتوظيف محايدين.
لقد رضخت بعض الجامعات الصغيرة للتهديدات، لكن جامعة هارفارد العريقة صمدت. وأخيرًا، بعد عام من المفاوضات والتهديدات غير المثمرة، انكشف أن البيت الأبيض تراجع عن تهديده بتغريم جامعة هارفارد.
أثار هذا التلميح بالهزيمة غضب الرئيس ترامب لدرجة أنه أنكره وأعلن أنه بدلاً من معاقبة جامعة هارفارد بمبلغ 200 مليون دولار إذا لم توافق على مطالبه، فإنه سيرفع عقوبة جامعة هارفارد إلى مليار دولار، وهو مثال على تحول الغضب الشخصي إلى سياسة نمطية.
وتُعدّ هذه الإجراءات الأخيرة التي اتخذها الرئيس ترامب جزءاً من نمط يتزايد وضوحاً يوماً بعد يوم. فهو يتخذ القرارات بشكل منفرد دون مراعاة الدستور أو الإجراءات المعمول بها.
يتصرف الرئيس ترامب لمعاقبة من لا يخضعون لأوامره، كما أنه يحكم وكأن «الدولة هي أنا»، وبدعم من كونغرس مطيع وقاعدة من المخلصين المؤمنين به، يبدو هذا الرئيس في الوقت الراهن بمنأى عن المساءلة.
لكن إذا ما بالغ في تصرفاته أو إذا فقد الجمهوريون السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي في شهر نوفمبر القادم، فقد ينقلب الوضع ويتغير، مما يؤدي إلى فشل جهود الرئيس ترامب لإنشاء «رئاسة إمبراطورية».
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك