مع هذا التدفقِ المستمرِ للأخبار، ومن المؤسف، بتنا نمرُّ على القصصِ المؤلمةِ كما نمرُّ على أي منشورٍ عابر. نقرأ، نعلِّق، أو حتى نشارك، ثم نغلق الشاشة ونعود إلى حياتنا. كأن مشاهدة المآسي أو سماعها صارت جزءًا من الروتين اليومي.
أحيانًا أفتح هاتفي فأجد الخبر العاجل بجانب فيديو خفيف، وقصة موجعة يليها إعلان. كل شيء يتسلّل إلينا بالوتيرة ذاتها، في الشاشة نفسها، تختلط المآسي بما هو ترفيهي، ويجلس الألم في المكان ذاته مع المقاطع السريعة. هذا الترتيب الغريب يجعل الفاجعة تبدو كأنها عنصر آخر في جدول التصفح.
وسط هذا الاختلاط العبثي بين الأخبار الثقيلة والمقاطع الخفيفة، تُختزل عقود كاملة في عنوان. ما لا نراه على الشاشة هو الخوف الذي سبق الكلام، والصمت القاتل الذي عاشه أصحاب القصة قبل أن تصل إلينا.
في عام 2019، ظهر اسم الملياردير الأمريكي جيفري إبستين فجأة في واجهة الأخبار العالمية، بعد قضية كشفت استغلال فتيات قاصرات وعلاقات نافذة امتدت سنوات. لم تطل التفاصيل طويلًا في ذاكرة المتابعين بقدر ما طغى المشهد الإعلامي نفسه، حين بدأت القصة تتكرر يوميًا على الشاشات والمنصات، قبل أن يُعثر عليه ميتًا في زنزانته، ما أدّى إلى تضاعف الأسئلة واتساع الصدى.
تحوّلت القصة من مأساة إنسانية إلى ملف للنقاش اليومي، فانسحب التركيز من التجربة إلى ما يُقال حولها.
بعد الإفراج عن ملفات إبستين واطلاع الرأي العام عليها، حاولتُ قراءة بعض ما نُشر. لم أستطع الإكمال. القسوة كانت أكبر من قدرتي على المتابعة، وما استوقفني أكثر من التفاصيل هو ذلك الإحساس الثقيل بتغوُّل البشر حين تُرفع عنهم الأقنعة.
في هذا الزحام، بقيت حكايات الفتيات في الخلفية. سنوات من الصمت والخوف لا تجد مكانها في العناوين، وتجارب شخصية ثقيلة تختصر في سطور قليلة. ما لا يُقال كثيرًا هو ثمن الكلام، وما يرافقه من ارتباك وأثر طويل لا ينتهي بانتهاء الخبر.
في هذا النوع من القصص، تتحول المعاناة سريعًا إلى أرقام: عدد الضحايا، سنوات الاستغلال، تواريخ الجلسات، وحجم الملفات. الأرقام تبدو واضحة وسهلة التلقي، لكنها تُبعدنا عن الصوت الإنساني.
ما لا يظهر في الجداول هو الارتباك، وفقدان الثقة، والشعور الطويل بأن الجسد لم يعد مكانًا آمنًا. هناك أوجاع لا تُختصر مهما كبرت الملفات.
المشكلة لا تكمن في متابعة القضايا الكبرى، فهذا طبيعي. المشكلة حين نعتاد الوجع، فنحوّل معاناة الآخرين إلى مادة للحديث العابر. نناقش القصص الثقيلة في المجالس، وفي مجموعات الواتساب، ثم نعود إلى حياتنا كما هي. شيئًا فشيئًا، نفقد القدرة على التوقف، على الإصغاء، على الإحساس بأن خلف كل حكاية إنسانًا لم يختر ما حدث له.
كشفت تلك القضية صورة قاسية لكيف يمكن أن يتوارى الألم الإنساني خلف النفوذ والضجيج الإعلامي. تتبدل العناوين بسرعة، يلمع اسم ثم يخفت، بينما تبقى التجربة الثقيلة معلّقة في حياة أصحابها.
نحن لا نكتب الأحكام، ولا نرسم نهايات القضايا، لكننا نقرر كل يوم كيف نعيش مع ما يصلنا، وكيف نُبقي إنسانيتنا حاضرة وسط هذا السيل وهذا الضجيج.
القضايا من هذا النوع تكشف هشاشة منظومة كاملة. كثرة القصص الثقيلة تُرهقنا، تجعل الصبر أقصر، وتدفعنا أحيانًا للانتقال إلى العنوان التالي قبل أن نستوعب ما مرّ بنا.
لم تعد قضية إبستين في صدارة المتابعة اليومية كما كانت، لكنها لم تتراجع في حياة من مرّوا بها. هنا يتضح الفرق الجوهري بين ما نتابعه نحن، وما يعيشه الآخرون فعلًا. وربما يبدأ هذا الفرق في تلك اللحظة الصغيرة التي نتوقف فيها قبل أن ننتقل إلى الخبر التالي.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك