العدد : ١٧٤٩٧ - الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٧ - الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

إيران بعد 47 عاما من الثورة... إلى أين؟

بقلم: د. حسن نافعة

الاثنين ١٦ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

حين‭ ‬ظهرت‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬اقتصر‭ ‬هدفها‭ ‬المُعلَن‭ ‬على‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬لليهود‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭. ‬ولأن‭ ‬فلسطين‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬ضمن‭ ‬ولايات‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬التابعة‭ ‬لإمبراطورية‭ ‬عثمانية‭ ‬آلت‭ ‬إليها‭ ‬الخلافة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬الصهيوني‭ ‬قابلا‭ ‬للتحقيق‭ ‬إلا‭ ‬بوسيلتَين‭: ‬الأولى،‭ ‬موافقة‭ ‬السلطان‭ ‬العثماني‭ ‬عليه‭ ‬طواعيةً‭ ‬والتعاون‭ ‬مع‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬لنقله‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭. ‬والثانية،‭ ‬فرضه‭ ‬بالقوة‭ ‬عبر‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬أوروبية‭ ‬تتطلّع‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬الخلافة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وتفكيك‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العثمانية‭ ‬ووراثة‭ ‬أملاكها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬لجوء‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬إلى‭ ‬الوسائل‭ ‬الطوعية‭ ‬أولاً،‭ ‬ثمّ‭ ‬إصرارها‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬مشروعها‭ ‬بالقوة‭.‬

التقى‭ ‬مؤسّس‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية،‭ ‬تيودور‭ ‬هرتزل،‭ ‬عدّة‭ ‬مرات‭ ‬السلطان‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬وعرض‭ ‬عليه‭ ‬سداد‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ديون‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬مقابل‭ ‬السماح‭ ‬لليهود‭ ‬بالهجرة‭ ‬إلى‭ ‬فلسطين‭ ‬وبحكم‭ ‬ذاتي،‭ ‬لكن‭ ‬خليفة‭ ‬المسلمين‭ ‬رفض‭ ‬العرض‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬فلسطين‭ ‬وقف‭ ‬إسلامي‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬لأحد‭ ‬أن‭ ‬يتصرّف‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬يبيع‭ ‬شبراً‭ ‬واحداً‭ ‬منه‭ ‬لأنه‭ ‬ملك‭ ‬للأمة‭ ‬كلّها‮»‬‭. ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬ييأس،‭ ‬وراحت‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬تعمل‭ ‬بكلّ‭ ‬قوتها‭ ‬لإضعاف‭ ‬قبضة‭ ‬السلطنة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬خلع‭ ‬السلطان‭ ‬عبد‭ ‬الحميد،‭ ‬مستغِلَّةً‭ ‬الفساد‭ ‬الإداري‭ ‬لتسهيل‭ ‬هجرة‭ ‬اليهود‭ ‬وشراء‭ ‬الأراضي‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭. ‬

ولأن‭ ‬الجهود‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الصعيد،‭ ‬رغم‭ ‬ضخامتها،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كافيةً‭ ‬لإحداث‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬الهدف‭ ‬المأمول،‭ ‬فقد‭ ‬راحت‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬فرصة‭ ‬لتحقيق‭ ‬مشروعها‭ ‬بالإكراه،‭ ‬أتيحت‭ ‬مع‭ ‬هبوب‭ ‬رياح‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬أنضجت‭ ‬الظروف‭ ‬الملائمة‭ ‬كافّة‭ ‬لإحداث‭ ‬التطابق‭ ‬التام‭ ‬بين‭ ‬أهدافها‭ ‬وأهداف‭ ‬القوى‭ ‬الاستعمارية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬إبرام‭ ‬اتفاقية‭ ‬سايكس‭ - ‬بيكو،‭ ‬التي‭ ‬حوّلت‭ ‬المشرق‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬نفوذ‭ ‬مشترك‭ ‬تتقاسمه‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا،‭ ‬ثم‭ ‬صدور‭ ‬وعد‭ ‬بلفور،‭ ‬الذي‭ ‬التزمت‭ ‬بريطانيا‭ ‬بموجبه‭ ‬بمساعدة‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬‮«‬وطن‭ ‬قومي‭ ‬لليهود‭ ‬في‭ ‬فلسطين‮»‬،‭ ‬ثمّ‭ ‬احتلال‭ ‬بريطانيا‭ ‬لفلسطين‭ ‬وصدور‭ ‬صكّ‭ ‬الانتداب‭ ‬الذي‭ ‬حوّل‭ ‬وعداً‭ (‬أعطاه‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬يستحقّ‭) ‬إلى‭ ‬التزام‭ ‬دولي‭ ‬تُشرف‭ ‬‮«‬عصبة‭ ‬الأمم‮»‬‭ ‬على‭ ‬تطبيقه،‭ ‬ما‭ ‬أضفى‭ ‬عليه‭ ‬شرعيةً‭ ‬دوليةً‭ ‬زائفة‭.‬

ناضل‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وحيداً‭ ‬ضدّ‭ ‬الاستيطان‭ ‬اليهودي‭ ‬والاحتلال‭ ‬البريطاني‭ ‬معاً،‭ ‬فقد‭ ‬تعاقبت‭ ‬ثوراته‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬راحت‭ ‬وتيرتها‭ ‬تتصاعد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصلت‭ ‬الذروة‭ ‬باندلاع‭ ‬ثورة‭ ‬فلسطينية‭ ‬كبرى‭ ‬انفجرت‭ ‬عام‭ ‬1936‭ ‬وتواصلت‭ ‬حتى‭ ‬1939‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التحالف‭ ‬العضوي‭ ‬بين‭ ‬الصهيونية‭ ‬العالمية‭ ‬وقوى‭ ‬الاستعمار‭ ‬التقليدي‭ ‬ولَّد‭ ‬زخما‭ ‬فاق‭ ‬قدرة‭ ‬النضال‭ ‬الفلسطيني‭ ‬على‭ ‬التحمّل‭ ‬والمواجهة،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬إلى‭ ‬تعريب‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬تدريجياً،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تأسيس‭ ‬جامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭. ‬فقد‭ ‬حاول‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬إجهاض‭ ‬‮«‬مشروع‭ ‬تقسيم‭ ‬فلسطين‮»‬‭ ‬حين‭ ‬طُرح‭ ‬على‭ ‬جدول‭ ‬أعمال‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬عام‭ ‬1947،‭ ‬وعندما‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬اضطر‭ ‬إلى‭ ‬خوض‭ ‬الحرب‭ ‬بهدف‭ ‬إجهاض‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬اليهودية‭ (‬أُعلنت‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬1948‭)‬،‭ ‬لكنّه‭ ‬هزم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬نكبة‮»‬‭ ‬كبرى‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

كانت‭ ‬خسارة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬حرب‭ ‬1948‭ ‬سبباً‭ ‬رئيساً‭ ‬في‭ ‬ولادة‭ ‬حركة‭ ‬قومية‭ ‬عربية‭ ‬أكثر‭ ‬راديكاليةً‭ ‬واستعداداً‭ ‬لمواجهة‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني،‭ ‬ثم‭ ‬راحت‭ ‬قوة‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬تتعاظم‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصلت‭ ‬ذروتها‭ ‬حين‭ ‬قادتها‭ ‬الناصرية‭ ‬خلال‭ ‬الخمسينيّات‭ ‬والستينيّات،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تلحق‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬1967‭ ‬هزيمة‭ ‬قاسية‭ ‬دفعتها‭ ‬نحو‭ ‬مأزق‭ ‬لا‭ ‬فكاك‭ ‬منه‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬التضامن‭ ‬العربي‭ ‬تجلّى‭ ‬على‭ ‬أكمل‭ ‬وجه‭ ‬إبّان‭ ‬حرب‭ ‬1973،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬زيارة‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬للقدس‭ (‬نوفمبر‭ ‬1977‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬نجم‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬ترويج‭ ‬لوهم‭ ‬‮«‬السلام‭ ‬الممكن‮»‬‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أجهزت‭ ‬على‭ ‬التيار‭ ‬العروبي‭ ‬الراديكالي،‭ ‬ومهدّت‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬انتقال‭ ‬الراية‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬إسلام‭ ‬سياسي‮»‬‭ ‬راح‭ ‬يتنامى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬ذروته‭ ‬مع‭ ‬هبوب‭ ‬رياح‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭. ‬ومن‭ ‬المفارقات‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬هبوب‭ ‬رياح‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬تواكبت‭ ‬زمنياً‭ ‬مع‭ ‬زيارة‭ ‬السادات‭ ‬للقدس،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬لم‭ ‬تحقّق‭ ‬انتصارها‭ ‬النهائي‭ ‬إلا‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬أي‭ ‬بعد‭ ‬إبرام‭ ‬مصر‭ ‬الساداتية‭ ‬اتفاقية‭ ‬كامب‭ ‬ديفيد‭ (‬1978‭) ‬وقبل‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬إبرامها‭ ‬معاهدة‭ ‬سلام‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ (‬1979‭).‬

أثارت‭ ‬زيارة‭ ‬السادات‭ ‬للقدس‭ ‬غضب‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية،‭ ‬ودفعت‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬أنظمة‭ ‬راديكالية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬قيادة‭ ‬‮«‬جبهة‭ ‬صمود‭ ‬وتصدٍّ‮»‬‭ ‬حاولت‭ ‬ملء‭ ‬الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬خروج‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬انتصار‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬أطاح‭ ‬هذه‭ ‬الجبهة‭ ‬التي‭ ‬اهتزّت‭ ‬كثيراً‭ ‬عقب‭ ‬بروز‭ ‬إيران‭ ‬الثورة‭ ‬فاعلاً‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تفكّكت‭ ‬نهائياً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عقب‭ ‬قرار‭ ‬صدّام‭ ‬حسين‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬استمرّت‭ ‬ثماني‭ ‬سنوات‭ ‬متواصلة‭.‬

ولأن‭ ‬أنظمة‭ ‬عربية‭ ‬كثيرة،‭ ‬وليس‭ ‬النظام‭ ‬العراقي‭ ‬وحده،‭ ‬كانت‭ ‬تخشى‭ ‬من‭ ‬انتقال‭ ‬عدوى‭ ‬الثورة‭ ‬إليها‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تصديرها‮»‬،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية‭ ‬بمثابة‭ ‬أكبر‭ ‬كارثة‭ ‬حلّت‭ ‬على‭ ‬المنطقة،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الطرف‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬إشعالها‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬استمرارها‭. ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬الثورة،‭ ‬التي‭ ‬قطعت‭ ‬علاقاتها‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وقدّمت‭ ‬مقرّ‭ ‬البعثة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬هديةً‭ ‬إلى‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية،‭  ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬مرشحا‭ ‬ليكون‭ ‬احتياطياً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬قابلاً‭ ‬للإسهام‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الصمود‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭... ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تحوّلت‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬عدو‭ ‬ليس‭ ‬للعراق‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬للدول‭ ‬الخليجية‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬كافّة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بعلاقات‭ ‬قوية‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ولأن‭ ‬النظام‭ ‬العراقي‭ ‬بقيادة‭ ‬صدّام‭ ‬حسين‭ ‬استدار‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬ليرتكب‭ ‬جريمة‭ ‬احتلال‭ ‬وضمّ‭ ‬الكويت،‭ ‬فقد‭ ‬راح‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬يمزّق‭ ‬نفسه‭ ‬إربا‭ ‬إربا،‭ ‬ويفتح‭ ‬الباب‭ ‬على‭ ‬مصراعيه‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬أنواع‭ ‬التدخّلات‭ ‬الأجنبية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

فبعد‭ ‬حرب‭ ‬‮«‬تحرير‭ ‬الكويت‮»‬‭ ‬التي‭ ‬هندستها‭ ‬وقادتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬أيُّ‭ ‬إمكانية‭ ‬لاندلاع‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬نظامية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وبدأ‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬كلّه‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬سلكه‭ ‬السادات‭ ‬فيبحث‭ ‬عن‭ ‬تسوية‭ ‬سلمية‭ ‬بأيّ‭ ‬ثمن،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬انتقلت‭ ‬فيه‭ ‬المواجهة‭ ‬المسلّحة‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬من‭ ‬أيدي‭ ‬الأنظمة‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬أيدي‭ ‬قوى‭ ‬وتنظيمات‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الدول‭ ‬تقودها‭ ‬إيران،‭ ‬وقاد‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬ترتّب‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬جيوسياسية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬دخول‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬مباشرة‭ ‬ضدّ‭ ‬إسرائيل،‭ ‬للمرّة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭ ‬وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطقة‭ ‬ككل‭.‬

تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬المجاورة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إيران‭ ‬الشاهنشاهية‭ ‬وتركيا‭ (‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الأردوغانية‭)‬،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعد‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬قضية‭ ‬‮«‬إسلامية‮»‬،‭ ‬وكانت‭ ‬تربطها‭ ‬أوثق‭ ‬العلاقات‭ ‬بكلٍّ‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بل‭ ‬ولعبت‭ ‬دوراً‭ ‬فاعلاً‭ ‬في‭ ‬المخططات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والغربية‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬تطويق‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬وحصاره‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬ثنائي‭ ‬القطبية‭. ‬

لذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريباً‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬قضية‭ ‬وطنية‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬قومية‭ ‬عربية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬أخيراً‭ ‬قضيةً‭ ‬دينيةً‭ ‬إسلاميةً‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬يلفت‭ ‬النظر‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬عديداً‭ ‬من‭ ‬شرائح‭ ‬النُّخب‭ ‬السياسية‭ ‬والفكرية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬تعمّدت،‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة،‭ ‬افتعال‭ ‬تناقضات‭ ‬مصطنعة‭ ‬بين‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الليبرالية‭ ‬والعروبية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلّق‭ ‬بتنظيم‭ ‬صفوف‭ ‬المواجهة‭ ‬مع‭ ‬مشروع‭ ‬صهيوني‭ ‬يفترض‭ ‬أنه‭ ‬يهدّد‭ ‬الجميع‭ ‬ويسعى‭ ‬إلى‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬برمّتها‭ ‬وإزالة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يعترض‭ ‬طريقه،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تفرقة‭ ‬بين‭ ‬وطنيين‭ ‬ليبراليين‭ ‬وقوميين‭ ‬عرب‭ ‬ومتدينين‭ ‬إسلاميين‭.‬

اليوم،‭ ‬وبعد‭ ‬47‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬تبدو‭ ‬المنطقة‭ ‬كلّها،‭ ‬وليس‭ ‬إيران‭ ‬فحسب،‭ ‬وكأنّها‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬لا‭ ‬فكاك‭ ‬منه،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬التفاعلات‭ ‬الضخمة‭ ‬التي‭ ‬فجّرها‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭. ‬صحيحٌ‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تبدو‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬كثيرين‭ ‬الدولة‭ ‬الوحيدة‭ ‬المستهدَفة‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬سبب‭ ‬هذا‭ ‬الاستهداف‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬دولة‭ ‬إسلامية‭ ‬حليفة‭ ‬لروسيا‭ ‬والصين،‭ ‬ولكن‭ ‬لأنها‭ ‬تملك‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬والتقدّم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التسليح‭ ‬وخاصة‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيرات‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تملكه‭ ‬أيُّ‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬أو‭ ‬إسلامية‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ولأن‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬أمريكياً‭ ‬وغربياً‭ ‬باعتباره‭ ‬يشكّل‭ ‬تهديداً‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬ليست‭ ‬عضواً‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬‮«‬ناتو‮»‬‭ ‬مثل‭ ‬تركيا،‭ ‬ولا‭ ‬تقيم‭ ‬علاقات‭ ‬دبلوماسية‭ ‬وتجارية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭. ‬

فالواقع‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬وتقدّم‭ ‬تكنولوجي‭ ‬مكّناها‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬برامج‭ ‬نووية‭ ‬وصاروخية‭ ‬ودفاعية‭ ‬يُعتدُّ‭ ‬بها،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬مختلفة‭ ‬مكّنها‭ ‬من‭ ‬اختيار‭ ‬طريق‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬ورفض‭ ‬الهيمنة‭ ‬الغربية،‭ ‬ما‭ ‬يشكّل‭ ‬إزعاجاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬ويفسّر‭ ‬لماذا‭ ‬قرّرتا‭ ‬معاً‭ ‬شنّ‭ ‬حرب‭ ‬الأيام‭ ‬الاثني‭ ‬عشر،‭ ‬وتستعدّان‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬لشنّ‭ ‬حرب‭ ‬أخرى‭ ‬عليها‭. ‬

فإيران‭ ‬ليست‭ ‬مستهدَفةً‭ ‬بذاتها‭ ‬ولذاتها،‭ ‬ولكن‭ ‬باعتبارها‭ ‬المعقل‭ ‬الصامد‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إخضاع‭ ‬المنطقة‭ ‬إلا‭ ‬بتدميره،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬هي‭ ‬المستهدَفة،‭ ‬وتلك‭ ‬حقيقة‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تدركها‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬أسوأ‭ ‬وأخطر‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬تتصوّر‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف‭ ‬المعادية‭ ‬للنهج‭ ‬الإيراني‭ ‬أن‭ ‬سقوط‭ ‬إيران‭ ‬يخلّصها‭ ‬من‭ ‬فاعل‭ ‬مشاغب‭ ‬وغير‭ ‬مرغوب‭ ‬فيه‭. ‬فسقوط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬وبصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬الاتفاق‭ ‬أو‭ ‬الاختلاف‭ ‬معه،‭ ‬سيفتح‭ ‬الطريق‭ ‬واسعاً‭ ‬أمام‭ ‬هيمنة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬منفردة‭ ‬على‭ ‬المنطقة،‭ ‬وحينها‭ ‬ستدرك‭ ‬كل‭ ‬الأطراف،‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان،‭ ‬أن‭ ‬الصهيونية‭ ‬هي‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬العرب‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬المسلمين‭ ‬وحدهم،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬الإنسانية‭ ‬جمعاء‭.‬

{أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا