حين ظهرت الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، اقتصر هدفها المُعلَن على إقامة دولة لليهود في فلسطين. ولأن فلسطين كانت في ذلك الوقت ضمن ولايات المشرق العربي التابعة لإمبراطورية عثمانية آلت إليها الخلافة الإسلامية، لم يكن الهدف الصهيوني قابلا للتحقيق إلا بوسيلتَين: الأولى، موافقة السلطان العثماني عليه طواعيةً والتعاون مع الحركة الصهيونية لنقله إلى أرض الواقع. والثانية، فرضه بالقوة عبر التعاون مع قوى أوروبية تتطلّع إلى إنهاء الخلافة الإسلامية وتفكيك الإمبراطورية العثمانية ووراثة أملاكها في كل مكان، ما يفسّر لجوء الحركة الصهيونية إلى الوسائل الطوعية أولاً، ثمّ إصرارها بعد ذلك على فرض مشروعها بالقوة.
التقى مؤسّس الحركة الصهيونية، تيودور هرتزل، عدّة مرات السلطان عبد الحميد وعرض عليه سداد جزء من ديون الدولة العثمانية مقابل السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين وبحكم ذاتي، لكن خليفة المسلمين رفض العرض قائلاً: «فلسطين وقف إسلامي لا يجوز لأحد أن يتصرّف فيه أو يبيع شبراً واحداً منه لأنه ملك للأمة كلّها». غير أنه لم ييأس، وراحت الحركة الصهيونية تعمل بكلّ قوتها لإضعاف قبضة السلطنة، خصوصاً بعد خلع السلطان عبد الحميد، مستغِلَّةً الفساد الإداري لتسهيل هجرة اليهود وشراء الأراضي في فلسطين.
ولأن الجهود على هذا الصعيد، رغم ضخامتها، لم تكن كافيةً لإحداث نقلة نوعية في اتجاه الهدف المأمول، فقد راحت تبحث عن فرصة لتحقيق مشروعها بالإكراه، أتيحت مع هبوب رياح حرب عالمية أنضجت الظروف الملائمة كافّة لإحداث التطابق التام بين أهدافها وأهداف القوى الاستعمارية الأوروبية، ما يفسّر إبرام اتفاقية سايكس - بيكو، التي حوّلت المشرق العربي إلى منطقة نفوذ مشترك تتقاسمه بريطانيا وفرنسا، ثم صدور وعد بلفور، الذي التزمت بريطانيا بموجبه بمساعدة الحركة الصهيونية في إنشاء «وطن قومي لليهود في فلسطين»، ثمّ احتلال بريطانيا لفلسطين وصدور صكّ الانتداب الذي حوّل وعداً (أعطاه من لا يملك لمن لا يستحقّ) إلى التزام دولي تُشرف «عصبة الأمم» على تطبيقه، ما أضفى عليه شرعيةً دوليةً زائفة.
ناضل الشعب الفلسطيني وحيداً ضدّ الاستيطان اليهودي والاحتلال البريطاني معاً، فقد تعاقبت ثوراته الوطنية التي راحت وتيرتها تتصاعد إلى أن وصلت الذروة باندلاع ثورة فلسطينية كبرى انفجرت عام 1936 وتواصلت حتى 1939. غير أن التحالف العضوي بين الصهيونية العالمية وقوى الاستعمار التقليدي ولَّد زخما فاق قدرة النضال الفلسطيني على التحمّل والمواجهة، ما دفع إلى تعريب القضية الفلسطينية تدريجياً، بالتوازي مع تأسيس جامعة الدول العربية. فقد حاول العالم العربي في البداية إجهاض «مشروع تقسيم فلسطين» حين طُرح على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، وعندما لم يستطع اضطر إلى خوض الحرب بهدف إجهاض قيام الدولة اليهودية (أُعلنت في مايو 1948)، لكنّه هزم في هذه الحرب التي أفضت إلى «نكبة» كبرى بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني.
كانت خسارة الدول العربية حرب 1948 سبباً رئيساً في ولادة حركة قومية عربية أكثر راديكاليةً واستعداداً لمواجهة المشروع الصهيوني، ثم راحت قوة هذه الحركة تتعاظم تدريجياً إلى أن وصلت ذروتها حين قادتها الناصرية خلال الخمسينيّات والستينيّات، قبل أن تلحق بها في 1967 هزيمة قاسية دفعتها نحو مأزق لا فكاك منه. ورغم أن التضامن العربي تجلّى على أكمل وجه إبّان حرب 1973، إلا أن زيارة أنور السادات للقدس (نوفمبر 1977)، وما نجم عنها من ترويج لوهم «السلام الممكن» مع إسرائيل، أجهزت على التيار العروبي الراديكالي، ومهدّت الطريق نحو انتقال الراية إلى «إسلام سياسي» راح يتنامى إلى أن وصل ذروته مع هبوب رياح الثورة الإيرانية. ومن المفارقات هنا أن هبوب رياح الثورة الإيرانية تواكبت زمنياً مع زيارة السادات للقدس، رغم أن الثورة لم تحقّق انتصارها النهائي إلا عام 1979، أي بعد إبرام مصر الساداتية اتفاقية كامب ديفيد (1978) وقبل أسابيع قليلة من إبرامها معاهدة سلام مع إسرائيل (1979).
أثارت زيارة السادات للقدس غضب الشعوب العربية، ودفعت ما تبقّى من أنظمة راديكالية في العالم العربي إلى قيادة «جبهة صمود وتصدٍّ» حاولت ملء الفراغ الذي تركه خروج مصر من ساحة المواجهة العسكرية مع المشروع الصهيوني. غير أن انتصار الثورة الإسلامية في إيران أطاح هذه الجبهة التي اهتزّت كثيراً عقب بروز إيران الثورة فاعلاً في المنطقة، ومن ثمّ سرعان ما تفكّكت نهائياً، خصوصاً عقب قرار صدّام حسين الدخول في حرب مع إيران استمرّت ثماني سنوات متواصلة.
ولأن أنظمة عربية كثيرة، وليس النظام العراقي وحده، كانت تخشى من انتقال عدوى الثورة إليها أو «تصديرها»، فقد كانت الحرب العراقية الإيرانية بمثابة أكبر كارثة حلّت على المنطقة، بصرف النظر عن الطرف المسؤول عن إشعالها أو عن استمرارها. وبدلاً من التعامل مع إيران الثورة، التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وقدّمت مقرّ البعثة الإسرائيلية في طهران هديةً إلى منظمة التحرير الفلسطينية، ربما كان مرشحا ليكون احتياطياً استراتيجياً قابلاً للإسهام بقوة في دعم الصمود العربي في مواجهة المشروع الصهيوني... بدلاً من ذلك، تحوّلت إيران إلى عدو ليس للعراق فحسب، وإنما للدول الخليجية والدول العربية كافّة المرتبطة بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة، ولأن النظام العراقي بقيادة صدّام حسين استدار في أعقاب الحرب مع إيران ليرتكب جريمة احتلال وضمّ الكويت، فقد راح العالم العربي يمزّق نفسه إربا إربا، ويفتح الباب على مصراعيه أمام كل أنواع التدخّلات الأجنبية في المنطقة.
فبعد حرب «تحرير الكويت» التي هندستها وقادتها الولايات المتحدة، لم تعد هناك أيُّ إمكانية لاندلاع مواجهة عسكرية نظامية مع إسرائيل، وبدأ العالم العربي كلّه يسير في الطريق نفسه الذي سلكه السادات فيبحث عن تسوية سلمية بأيّ ثمن، وكان هذا هو السياق الذي انتقلت فيه المواجهة المسلّحة مع المشروع الصهيوني من أيدي الأنظمة الحاكمة في العالم العربي إلى أيدي قوى وتنظيمات من غير الدول تقودها إيران، وقاد في النهاية إلى «طوفان الأقصى» بكل ما ترتّب عنه من تداعيات جيوسياسية، بما في ذلك دخول إيران في حرب مباشرة ضدّ إسرائيل، للمرّة الأولى في تاريخها وفي تاريخ المنطقة ككل.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الدول الإسلامية المجاورة، خصوصاً إيران الشاهنشاهية وتركيا (في مرحلة ما قبل الأردوغانية)، لم تكن تعد القضية الفلسطينية قضية «إسلامية»، وكانت تربطها أوثق العلاقات بكلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، بل ولعبت دوراً فاعلاً في المخططات الأمريكية والغربية الرامية إلى تطويق الاتحاد السوفييتي وحصاره في مرحلة النظام الدولي ثنائي القطبية.
لذا لم يكن غريباً أن تنتقل القضية الفلسطينية من قضية وطنية إلى قضية قومية عربية، قبل أن تصبح أخيراً قضيةً دينيةً إسلاميةً في الوقت نفسه. يلفت النظر هنا أن عديداً من شرائح النُّخب السياسية والفكرية في العالم العربي تعمّدت، في أحيان كثيرة، افتعال تناقضات مصطنعة بين الاتجاهات الليبرالية والعروبية والإسلامية، حتى عندما كان الأمر يتعلّق بتنظيم صفوف المواجهة مع مشروع صهيوني يفترض أنه يهدّد الجميع ويسعى إلى الهيمنة على المنطقة برمّتها وإزالة كل من يعترض طريقه، من دون تفرقة بين وطنيين ليبراليين وقوميين عرب ومتدينين إسلاميين.
اليوم، وبعد 47 عاما من الثورة الإسلامية في إيران، تبدو المنطقة كلّها، وليس إيران فحسب، وكأنّها دخلت في مأزق لا فكاك منه، خصوصاً بعد سلسلة التفاعلات الضخمة التي فجّرها «طوفان الأقصى». صحيحٌ أن إيران تبدو اليوم في نظر كثيرين الدولة الوحيدة المستهدَفة من إسرائيل والولايات المتحدة، غير أن سبب هذا الاستهداف لا يعود إلى أن إيران دولة إسلامية حليفة لروسيا والصين، ولكن لأنها تملك من العلم والتقدّم التكنولوجي وخاصة في مجال التسليح وخاصة الصواريخ والمسيرات ما لا تملكه أيُّ دولة عربية أو إسلامية أخرى في المنطقة، ولأن ما تملكه ينظر إليه أمريكياً وغربياً باعتباره يشكّل تهديداً لإسرائيل، خصوصاً أن إيران ليست عضواً في حلف شمال الأطلسي «ناتو» مثل تركيا، ولا تقيم علاقات دبلوماسية وتجارية مع إسرائيل.
فالواقع أن ما تملكه من علم وتقدّم تكنولوجي مكّناها من بناء برامج نووية وصاروخية ودفاعية يُعتدُّ بها، وأن ما تملكه من إرادة سياسية مختلفة مكّنها من اختيار طريق الاعتماد على الذات ورفض الهيمنة الغربية، ما يشكّل إزعاجاً حقيقياً للولايات المتحدة وإسرائيل، ويفسّر لماذا قرّرتا معاً شنّ حرب الأيام الاثني عشر، وتستعدّان من جديد لشنّ حرب أخرى عليها.
فإيران ليست مستهدَفةً بذاتها ولذاتها، ولكن باعتبارها المعقل الصامد والذي لا يمكن إخضاع المنطقة إلا بتدميره، ما يعني أن المنطقة هي المستهدَفة، وتلك حقيقة ينبغي أن تدركها جميع الأطراف. ذلك أن أسوأ وأخطر ما يمكن أن يحدث في المنطقة الآن أن تتصوّر بعض الأطراف المعادية للنهج الإيراني أن سقوط إيران يخلّصها من فاعل مشاغب وغير مرغوب فيه. فسقوط النظام الإيراني، وبصرف النظر عن حجم الاتفاق أو الاختلاف معه، سيفتح الطريق واسعاً أمام هيمنة إسرائيلية منفردة على المنطقة، وحينها ستدرك كل الأطراف، ولكن بعد فوات الأوان، أن الصهيونية هي الخطر الأكبر، ليس على العرب أو على المسلمين وحدهم، وإنما على الإنسانية جمعاء.
{أستاذ العلوم السياسية
في جامعة القاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك