استبعدت في مقال سابق هنا حسم الأمور سريعا، إنما توقعت أن يكون الأسبوع الأول من فبراير ذا أهمية بالغة في تحديد دفة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، إما ببدء العمليات العسكرية، وإما بخطوات نحو التراجع عنها، لأن الأوضاع الأمريكية وكذلك الإيرانية لا تسمح بفترة توتر عالية وممتدة.
وعرضت أنه يصعب على الولايات المتحدة التراجع كلية عن الأعمال العسكرية دون إنجازات محددة وملموسة، خاصة بعدما نشرت قوات ضخمة وحذرت من نتائج كارثية على إيران، واليمين الأمريكي ومؤيدو إسرائيل يدفعون بالصدام العسكري، علما بأن صميم مؤيدي ترامب في حركة «الماجا»MAGA لا يرحبون بالانغماس في عمليات عسكرية دون وجود تهديد مباشر للأمن القومي الأمريكي، مما يؤجل حسم القرار الأمريكي.
انطلق طرحي السابق أيضا من قناعة بأن مصداقية النظام الإيراني اهتزت كثيرا بعد العمليات الأمريكية والإسرائيلية السابقة والمظاهرات الداخلية الواسعة التي شهدتها البلاد، وأصبح النظام أمام طلبات صعبة وجوهرية من الولايات المتحدة تتعارض مع فلسفة النظام وركائزه، مما شجع بعض المعلقين بالداخل على التشكيك في قدرة النظام على الاستمرار، وبدأت مناقشة سيناريوهات مختلفة لاستمرار إيران دون المرشد الأعلى، وهي أمور لم يعتد عليها.
وإطالة الانتظار بعد التصعيد العسكري ليست من سمات الولايات المتحدة وخاصة تحت إدارة ترامب، والصدام يتعارض مع المصالح الإيرانية، لذا تشاورا الأسبوع الماضي، ولعلها وقفة مهمة لكل طرف لتقدير مدى إمكانية الخروج من هذه الأزمة دون صدام عسكري من عدمه.
جاءت الدورة الأولى للمفاوضات غير المباشرة والمباشرة تحت رعاية عمانية رشيدة، بعد تنازلات من الجانبين الإيراني والأمريكي، حيث تراجعت إيران عن سابق تمسكها برفض استئناف المفاوضات قبل الحصول علي ضمانات أمريكية واضحة بعدم الاعتداء عليها على غرار ما تم منذ شهور.
وكانت الولايات المتحدة تتمسك بتغيير كلي في السياسات الإيرانية الإقليمية والداخلية والعسكرية والنووية، وقبلت بدء المفاوضات بأقل من ذلك بكثير وفي مسقط، وبعدما كانت قد أعلنت انعقادها في إسطنبول بمشاركة عدد من الدول الإقليمية الأخرى.
إذًا كلاهما تراجع جزئيا خشية تحمل مسؤولية النتائج الجسيمة لعمليات عسكرية، وردود الفعل والتداعيات قصيرة وطويلة الأجل على مصالحها بالمنطقة، واعتبرت الجولة بداية «بناءة وجيدة».
وجاءت زيارة رئيس وزراء إسرائيل لواشنطن، يوم الأربعاء الماضي، فرصة ليثبت نتنياهو مبدأ مهما تتمسك به إسرائيل في المنطقة خاصة خلال العامين الماضيين، وهو أن إسرائيل حاضرة ومؤثرة في أية ترتيبات إقليمية، وانطلق موقفها من أن النظام الإيراني لا يؤتمن ويجب التمسك بحلول جوهرية وقاطعة، ونقلت إسرائيل إلي ترامب تمسكها بالقضاء الكامل علي البرنامج النووي الإيراني، ورفض التخصيب داخل إيران، وإزالة مخزون اليورانيوم المخصب، وبعدما تجاوز مدى الصواريخ الباليستية 300 كيلومتر، فضلا عن القضاء علي شبكة العلاقات الإيرانية الشرق أوسطية.
وتزامنا مع ذلك صعدت إيران والولايات المتحدة رسائلها حينما شدد وزير الخارجية الإيراني أنها تتمسك بحقها في التخصيب ولن تتنازل عن هذا الحق، حتى إذا كان الثمن التعرض للأعمال العسكرية، وزار المبعوثون الأمريكيون حاملة الطائرات أبراهام لينكولن الموجودة بالخليج عقب المحادثات المباشرة كرسالة أن الخيار العسكري لا يزال قائما.
أخذنا خطوة نحو التهدئة، إنما من السابق لأوانه التسرع في التفاؤل بأننا علي مشارف انفراجة وتهدئة، والخروج من الأزمة الحالية، لأن الحلول التي ترضي المواقف المعلنة للولايات المتحدة تتطلب مواقف وتنازلات إيرانية بالغة الصعوبة والحساسية سياسيا وأمنيا، منها التنازل عن الصواريخ الباليستية، وإقليميا بالانكماش في ساحات الشرق الأوسط بما يتعارض مع المفهوم الإيراني بتوسيع مساحات النفوذ، وهو ما تراه مخططا إسرائيليا يستهدف كبح جماح وتهديد إيران، وخشية أن التجاوب مع بعض هذه المطالب سيفتح الباب لطلبات عديدة ومتنوعة إلي حين يسقط النظام كلية.
ويلاحظ أن إيران صعدت من نبرة المواجهة الإعلامية والتوتر على أمل تجنب القصف السياسي الأمريكي، بالتهديد بأن رد الفعل سيكون واسعا ومتنوعا، على عكس ما قامت به سابقا عندما أعلن الانضباط وبلغ الجانب الأمريكي مسبقا ببعض عملياتها، منها الاستهداف المحدود للقاعدة الأمريكية بقطر.
وبقدر اهتمام الإدارة الأمريكية بالتوصل إلي اتفاق، تجد نفسها مطالبة الآن بتحقيق تنازلات إيرانية واسعة وضخمة وسريعة تجنبا للمراوغات الإيرانية، وبما يتماشى مع حجم التصعيد العسكري الأمريكي، ولكي يستطيع الرئيس ترامب التفاخر بأنه أنجز أكثر مما سبق أن شمله الاتفاق النووي بين (5+1) إيران أثناء ولاية الرئيس أوباما، ويعلم جيدا أن تراجعه دون تنازلات إيرانية أو بخطوات أقل مما سبق سيضعف من مصداقيته هو الشخصية والولايات المتحدة عامة، وقد يشجع ذلك دولًا مثل روسيا والصين على التصعيد مع الجانب الأمريكي في قضايا أخري.
لكل طرف حدوده التفاوضية غير المعلنة، إنما لا أعتقد أن أيا من إيران أو الولايات المتحدة قادر الآن على الجزم بسير الأحداث خلال الأيام القادمة -وإن كان من المصلحة أن يقدر كلاهما أن التوتر الحالي سيصعد إلى عمليات عسكرية إذا لم تزرع بذرة الانفراجة سريعا- وهو أمر مشجع ويرجح استمرار المفاوضات بعض الشيء، خاصة ويلاحظ أن لقاء نتنياهو وترامب انتهى دون مؤتمر صحفي مشترك، وهو مؤشر لوجود اختلافات وتفضيل الجانبين عدم تناولها علانية، وسربت أخبار بعد ذلك أن الولايات المتحدة تود استئناف المفاوضات مع إيران في هذه المرحلة.
وأعتقد أن هذا هو التوجه الحالي، خاصة في ظل استضافة ترامب لمجلس السلام المعني أصلا بغزة خلال يومي الـ18 أو الـ19 من فبراير الحالي، مما سيضع الشرق الأوسط على رأس الأجندة السياسية الأمريكية، وإذا حصل الضرب قبله من الصعب تصور أن يعود الهدوء قبل الاجتماع، وإذا تأجل لما بعده مباشرة سيفسّر ذلك أن الأطراف بلغت بما هو قادم، أو فشلت في إقناع ترامب بالتراجع، في حين أن التأخر في العمل العسكري يدخل الإعداد للانتخابات الجزئية في الكونجرس في الحسابات الأمريكية. إنها حسابات دقيقة وبعض البوادر الإيجابية لقرارات لم تحسم بعد.
{ وزير الخارجية المصري السابق

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك