العدد : ١٧٤٩٨ - الأربعاء ١٨ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٨ - الأربعاء ١٨ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

انتهازية الغرب في توظيف القانون الدولي والقيم الإنسانية

بقلم: د. رمزي بارود

الأربعاء ١٨ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

بدا‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الكندي‭ ‬مارك‭ ‬كارني‭ ‬في‭ ‬الأونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬زعيم‭ ‬شعبوي‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬شخصية‭ ‬مصرفية‭ ‬مهمة‭ ‬سابقة،‭ ‬وخاصة‭ ‬خلال‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬ألقاه‭ ‬في‭ ‬المنتدى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬دافوس‭ ‬يوم‭ ‬20‭ ‬يناير‭ ‬2026م‭.‬

لقد‭ ‬أعرب‭ ‬مارك‭ ‬كارني‭ ‬عن‭ ‬أسفه‭ ‬لـ«تلاشي‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬تفكك‮»‬‭ ‬النظام‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬القواعد،‭ ‬حيث‭ ‬قال‭: ‬‮«‬لن‭ ‬يعود‭ ‬النظام‭ ‬القديم‭. ‬نحن‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬قطيعة،‭ ‬لا‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬حذر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬المقلقة،‭ ‬مستدلا‭ ‬بقول‭ ‬المؤرخ‭ ‬اليوناني‭ ‬ثوسيديدس،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد،‭ ‬قائلًا‭: ‬‮«‬يستطيع‭ ‬الأقوياء‭ ‬فعل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬وسعهم،‭ ‬وعلى‭ ‬الضعفاء‭ ‬أن‭ ‬يتحمّلوا‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬عليهم‭ ‬تحمّله‮»‬‭.‬

لم‭ ‬يتوقف‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الكندي‭ ‬مارك‭ ‬كارني‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬‮«‬الثوري‮»‬‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭. ‬فقد‭ ‬دعا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬استقلال‭ ‬استراتيجي‮»‬‭ ‬للقوى‭ ‬المتوسطة،‭ ‬محذراً‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات،‭ ‬فسنكون‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬الطعام‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬شدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بإمكانه‭ ‬الاعتماد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬‮«‬قوة‭ ‬قيمنا‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬‮«‬قيمة‭ ‬قوتنا‮»‬‭.‬

لكن‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نقع‭ ‬في‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬كارني‭ ‬نوماس‭ ‬سانكارا‭ ‬أو‭ ‬لومومبا،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التذكير‭ ‬بسجل‭ ‬إدارة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الكندي‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمجازر‭ ‬الشنيعة‭ ‬التي‭ ‬ارتكبتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭. ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬المفارقة‭ ‬واضحة‭: ‬مارك‭ ‬كارني‭ ‬ينتقد‭ ‬عالماً‭ ‬يسوده‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬القوة‭ ‬هي‭ ‬الحق‮»‬‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالتعريفات‭ ‬الجمركية‭ ‬الأمريكية‭ ‬أو‭ ‬التهديدات‭ ‬الموجهة‭ ‬إلى‭ ‬غرينلاند،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فهو‭ ‬يتبنى‭ ‬سياسة‭ ‬تُسهّل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬تحديداً‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

يتجلى‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬شخصية‭ ‬كارني‭ ‬في‭ ‬منتدى‭ ‬دافوس‭ ‬وسياسته‭ ‬الفعلية‭ ‬تجاه‭ ‬غزة‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كالجاري‭ ‬في‭ ‬8‭ ‬أبريل‭ ‬202م‭. ‬فخلال‭ ‬تجمع‭ ‬انتخابي،‭ ‬قاطعه‭ ‬أحدهم‭ ‬صائحا‭: ‬‮«‬سيد‭ ‬كارني،‭ ‬هناك‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭!‬‮»‬‭ ‬فأجاب‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬مباشرة‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬على‭ ‬علم‭ ‬بذلك‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬لدينا‭ ‬حظر‭ ‬على‭ ‬الأسلحة‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬بدا‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الكندي‭ ‬مارك‭ ‬كارني‭ ‬عدة‭ ‬ساعات‭ ‬وكأنه‭ ‬زعيم‭ ‬إحدى‭ ‬دول‭ ‬مجموعة‭ ‬السبع‭ ‬قد‭ ‬أقرّ‭ ‬أخيراً‭ ‬بالواقع‭ ‬القانوني‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬لكنّ‭ ‬لحظة‭ ‬الصدق‭ ‬المزعومة‭ ‬التي‭ ‬دافع‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬منتدى‭ ‬دافوس‭ ‬تلاشت‭ ‬تماماً‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭.‬

بعد‭ ‬أن‭ ‬أثار‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬سياسية‭ ‬غاضبة‭ ‬فورية،‭ ‬تراجع‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬كارني‭ ‬عن‭ ‬تصريحاته‭.‬،‭ ‬حيث‭ ‬قال‭ ‬للصحفيين‭ ‬متلعثماً‭: ‬‮«‬لم‭ ‬أسمع‭ ‬تلك‭ ‬الكلمة‭. ‬سمعت‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬غزة‮»‬‭... ‬كنت‭ ‬أذكر‭ ‬حقيقةً‭ ‬تتعلق‭ ‬بتقييد‭ ‬الأسلحة‮»‬‭. ‬وبذلك،‭ ‬عاد‭ ‬الموقف‭ ‬الكندي‭ ‬الرسمي‭ ‬إلى‭ ‬سابق‭ ‬عهده‭: ‬اختزال‭ ‬الإبادة‭ ‬الممنهجة‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬مجرد‭ ‬قضية‭ ‬إنسانية‭.‬

ليس‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الكندي‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يتبنى‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭. ‬فقد‭ ‬أتقن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون،‭ ‬ورئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني‭ ‬كير‭ ‬ستارمر،‭ ‬والمستشار‭ ‬الألماني‭ ‬فريدريش‭ ‬ميرز،‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬المزدوج،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬عناوين‭ ‬أخبارهم‭ ‬تحكي‭ ‬من‭ ‬خلالهم‭ ‬قصة‭ ‬غرب‭ ‬يدافع‭ ‬بشراسة‭ ‬عن‭ ‬سيادته،‭ ‬ولكنه‭ ‬غير‭ ‬مبالٍ‭ ‬بسيادة‭ ‬الآخرين‭.‬

في‭ ‬الثامن‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬يناير‭ ‬الماضي،‭ ‬نشرت‭ ‬بلومبيرغ‭ ‬تقريراً‭ ‬بعنوان‭: ‬‮«‬شولز‭: ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬احترام‭ ‬حرمة‭ ‬الحدود‮»‬،‭ ‬وذلك‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬الخطاب‭ ‬الأمريكي‭ ‬بشأن‭ ‬‮«‬شراء‮»‬‭ ‬غرينلاند،‭ ‬فيمل‭ ‬حذّر‭ ‬ماكرون‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬‮«‬عالم‭ ‬بلا‭ ‬قواعد‮»‬‭ ‬داعياً‭ ‬إلى‭ ‬وحدة‭ ‬أوروبية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬سياسة‭ ‬الإكراه‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأمريكي‭. ‬وفي‭ ‬لندن،‭ ‬نشرت‭ ‬صحيفة‭ ‬الغارديان‭ ‬في‭ ‬21‭ ‬يناير‭ ‬عنواناً‭ ‬رئيسياً‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬كفى‭ ‬استرضاءً‭: ‬بريطانيا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬بازوكا‭ ‬تجارية‮»‬‭ ‬خاصة‭ ‬بها‭ ‬لمواجهة‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‮»‬‭.‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬احترام‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬يُستخدم‭ ‬كسلاح‭ ‬فتاك‭ ‬ضد‭ ‬المنافسين‭ ‬التجاريين،‭ ‬ولكنه‭ ‬مجرد‭ ‬إزعاج‭ ‬لا‭ ‬طائل‭ ‬منه‭ ‬عند‭ ‬تطبيقه‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭. ‬والآن،‭ ‬قارن‭ ‬هذه‭ ‬العناوين‭ ‬بهذه‭ ‬التقارير‭ ‬الغربية‭ ‬المعتادة‭ ‬حول‭ ‬فلسطين‭:‬

‭-‬أكدت‭ ‬كندا‭ ‬مجدداً‭ ‬دعمها‭ ‬القاطع‭ ‬لحق‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ (‬بيان‭ ‬مكتب‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭).‬

‭-‬تقف‭ ‬ألمانيا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إسرائيل‭ ‬قائلةً‭: ‬‮«‬لإسرائيل‭ ‬الحق‭ ‬والواجب‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مواطنيها‮»‬‭ (‬الحكومة‭ ‬الألمانية‭).‬

‭-‬صرح‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني،‭ ‬ستارمر،‭ ‬بأن‭ ‬تعليق‭ ‬التسلح‭ ‬‮«‬قرار‭ ‬قانوني‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬تغييراً‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬حق‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ (‬موقع‭ ‬كورت‭ ‬هاوس‭ ‬نيوز‭).‬

إن‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬يدافع‭ ‬عنها‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الكندي،‭ ‬كان‭ ‬هدفًا‭ ‬للهجوم‭ ‬الغربي‭. ‬فعندما‭ ‬أصدرت‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬مذكرات‭ ‬توقيف‭ ‬بحق‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬ويواف‭ ‬غالانت‭ ‬بتهمة‭ ‬ارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب،‭ ‬لم‭ ‬يلتزم‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذي‭ ‬نصبوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬أوصياء‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬بالقانون،‭ ‬بل‭ ‬سعوا‭ ‬إلى‭ ‬تحريفه‭.‬

في‭ ‬كندا،‭ ‬وبينما‭ ‬يكتفي‭ ‬مارك‭ ‬كارني‭ ‬بالتظاهر‭ ‬بإبداء‭ ‬الاحترام‭ ‬للمحاكم‭ ‬الدولية،‭ ‬قدمت‭ ‬حكومته‭ ‬التماساً‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬نوفمبر‭ ‬2025‭ ‬لرفض‭ ‬القضية‭ ‬التي‭ ‬رفعها‭ ‬الكندي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬فلسطيني‭ ‬هاني‭ ‬البطنيجي‭ ‬ضد‭ ‬كندا‭ - ‬وهي‭ ‬قضية‭ ‬تاريخية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬محاسبة‭ ‬سلطات‭ ‬أوتاوا‭ ‬على‭ ‬فشلها‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬غزة‭.‬

ما‭ ‬حجة‭ ‬الحكومة‭ ‬الكندية‭ ‬يا‭ ‬ترى؟‭ ‬لقد‭ ‬اعتبرت‭ ‬حكومة‭ ‬مارك‭ ‬كارني‭ ‬أن‭ ‬المحكمة‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬اختصاص‭ ‬قضائي‭ ‬بشأن‭ ‬‮«‬المسائل‭ ‬السياسية‮»‬‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالسياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الكندية‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام‭ ‬بشكل‭ ‬أوضح‭ ‬والازدواجية‭ ‬يتجليان‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا‭. ‬فقد‭ ‬أشارت‭ ‬وزارة‭ ‬أوروبا‭ ‬والشؤون‭ ‬الخارجية‭ ‬الفرنسية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬قد‭ ‬يتمتع‭ ‬بالحصانة‭ ‬لأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ليست‭ ‬عضواً‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية،‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬ثغرة‭ ‬سيادية‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تُمنح‭ ‬للرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬قط‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬ألمانيا،‭ ‬فقد‭ ‬هاجم‭ ‬المستشار‭ ‬فريدريش‭ ‬ميرز‭ ‬شرعية‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية،‭ ‬واصفاً‭ ‬احتمال‭ ‬اعتقال‭ ‬زعيم‭ ‬إسرائيلي‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬أمر‭ ‬سخيف‭ ‬تماماً‮»‬‭. ‬

‭ ‬لطالما‭ ‬كان‭ ‬مفهوم‭ ‬الغرب‭ ‬عن‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬العالمي‮»‬‭ ‬بنيوياً‭ ‬وليس‭ ‬عرضياً،‭ ‬حيث‭ ‬أعطى‭ ‬الأولوية‭ ‬لمصالحه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الخاصة‭ ‬مع‭ ‬تهميش‭ ‬حقوق‭ ‬الجنوب‭ ‬العالمي‭. ‬هذا‭ ‬الخلل‭ ‬ليس‭ ‬خللاً‭ ‬في‭ ‬النظام،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬النظام‭ ‬نفسه‭. ‬ولا‭ ‬تشكو‭ ‬كندا‭ ‬وأوروبا‭ ‬الآن‭ ‬إلا‭ ‬لأنهما،‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬أجيال،‭ ‬تشعران‭ ‬بأن‭ ‬جدران‭ ‬النادي‭ ‬المتميز‭ ‬تُطبق‭ ‬عليهما‭.‬

إنهم‭ ‬يطالبون‭ ‬بوضع‭ ‬قانون‭ ‬دولي‭ ‬لحماية‭ ‬طرقهم‭ ‬التجارية‭ ‬وحدودهم‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فهم‭ ‬يعملون‭ ‬بنشاط‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬نفسه‭ ‬لحماية‭ ‬حليف‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬محاولة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬السياسة‭ ‬العالمية‭ ‬تمنح‭ ‬أوروبا‭ ‬وكندا‭ ‬فرصة‭ ‬نادرة‭ ‬لمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬من‭ ‬الانتقائية‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭. ‬ورغم‭ ‬صعوبة‭ ‬التعاطف‭ ‬مع‭ ‬مظالمهم‭ ‬الحالية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬قد‭ ‬يتغير‭ ‬إذا‭ ‬اختاروا‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬أنفسهم‭ ‬أخلاقياً‭.‬

بإمكان‭ ‬أوروبا‭ ‬وكندا‭ ‬تطبيق‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬بشكل‭ ‬متسق،‭ ‬وملاحقة‭ ‬مجرمي‭ ‬الحرب‭ ‬دون‭ ‬تحيز،‭ ‬وإنهاء‭ ‬أدوارهم‭ ‬كشركاء‭ ‬ثانويين‭ ‬في‭ ‬دعم‭  ‬سلطات‭ ‬واشنطن‭ ‬غير‭ ‬المشروط‭ ‬لفرذ‭ ‬الاحتلال‭ ‬الجائر

إن‭ ‬التقاعس‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يُفضي‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬كشف‭ ‬‮«‬الصدع‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يصفه‭ ‬مارك‭ ‬كارني‭ ‬بأنه‭ ‬جرحٌ‭ ‬ألحقه‭ ‬بنفسه‭. ‬يدرك‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الكندي‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬التمسك‭ ‬بها‭ ‬فقط‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬قيماً‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬لممارسة‭ ‬الضغوط‭.‬

إذا‭ ‬استمر‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬المطالبة‭ ‬بالقواعد‭ ‬فقط‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬مصالحه‭ ‬هي‭ ‬الأهم،‭ ‬فلا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتفاجأ‭ ‬عندما‭ ‬يتوقف‭ ‬العالم‭ ‬عن‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬نصائحه‭. ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الكثيرين‭ ‬منا،‭ ‬فقد‭ ‬توقفنا‭ ‬بالفعل‭ ‬عن‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬الغرب‭.‬

 

{ كاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا