أحد الأسباب الرئيسية المعلنة لدعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إنشاء مجلس سلام هو تحقيق السلام في المناطق التي تسودها النزاعات، والتي فشلت الأساليب التي اتُّبعت حتى الآن في حلها، والمقصود بذلك هو النجاح فيما فشلت الأمم المتحدة في إنجازه.
ووفقًا لتصريحات الرئيس ترامب، فليس هدف المجلس الجديد، كما قال، هو الحلول محل الأمم المتحدة؛ فهي يمكن أن تبقى، فلديها إمكانيات واسعة لم تُحسن استخدامها، فضلًا عن أن أهداف الأمم المتحدة لا تقتصر على حفظ السلام، الذي يهتم به ترامب، فهناك ثلاثة أهداف أخرى لها. ولكن على الأقل فيما يتعلق بحفظ السلام والأمن الدوليين فقد أخفقت فيه، ومن ثم يأتي هذا المجلس، بحسب نص ميثاقه، لكي يكون بديلًا لها. فهل يمكن للمجلس الوليد أن يكون بالفعل بديلًا للأمم المتحدة في الوصول إلى هذا الهدف؟ نؤكد أنه ليس هناك، لا في ظروف نشأة هذا المجلس ولا في سلوك الإدارة الأمريكية تحت رئاسة دونالد ترامب، ما يشجّع على الاعتقاد بنجاح هذا المجلس في بلوغ هذه الغاية؛ لأنه لا يعالج في ميثاقه أسباب هذا الإخفاق، ولا يستند إلى توافق دولي واسع، كما أن أفعال الرئيس ترامب تتناقض مع أقواله بشأن هذا المجلس.
إذ لا توجد قراءة لأسباب إخفاق الأمم المتحدة في تحقيق السلم والأمن الدوليين في بعض مناطق النزاع: والقول بأن الأمم المتحدة أخفقت في تحقيق السلم والأمن الدوليين لا يمكن قبوله على إطلاقه. فقد نعِم العالم، على الأقل، بفترة طويلة نسبيًا من السلام لم تعكّرها نزاعات مسلحة بين الدول الكبرى. وباستثناء الحرب الدائرة في أوكرانيا بين القوات الروسية والقوات المتحالفة معها من كوريا الشمالية في مواجهة قوات أوكرانية تحظى بدعم دول حلف الأطلنطي التي تقدم لها السلاح والتدريب، وأحيانًا مشاركة مستترة لبعض جنودها، تجنّب العالم خطر المواجهة المسلحة بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي في برلين عام 1960، وفي كوبا عام 1962. ولم تتسع المواجهة في كوريا في بداية خمسينيات القرن الماضي لتتحول إلي حرب بين الولايات المتحدة التي ساندت حكومة كوريا الجنوبية، وجمهورية الصين الشعبية التي ساندت حكومة كوريا الشمالية.
صحيح أن غياب الحرب العالمية خلال هذه الفترة الطويلة منذ إنشاء الأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1945 حتى الوقت الحاضر، وعلى مدى ثمانية عقود، لم يكن بسبب ما قامت به الأمم المتحدة، ولكنه كان بسبب التقيد الذاتي الذي التزمت به الأطراف الكبرى في هذه النزاعات بموجب امتلاكها للقدرة على الردع المتبادل.
من ناحية أخرى، احتدمت النزاعات المسلحة فيما يُعرف بدول الجنوب، وخصوصًا في جنوب آسيا وفي الشرق الأوسط وإفريقيا. وكان للأمم المتحدة دور في إنهاء بعضها، مثلما جرى خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وفي تيمور الشرقية. ولكنها لم تنجح في تسوية نزاعات أخرى، مثل الحرب العراقية الإيرانية أو النزاع بين الهند وباكستان وغيرها، والتي انتهت بفضل إدراك قادة الدول المنخرطة فيها أن استمرارها ليس في صالحهم، أو استمرت سنوات طويلة دون نهاية حاسمة، كما هو الحال في النزاعات المسلحة في السودان أو في اليمن.
ولكن تقتضي المواجهة الناجحة لأسباب استمرار بعض النزاعات المسلحة دون حلٍّ مرضٍ لأطرافها معرفة الأسباب التي أدت إلى هذا الاستمرار، ويأتي تدخل الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا، كسبب رئيسي لذلك. فاستمرار ما يُسمّى بالحروب الصغيرة بين إسرائيل والدول العربية والفلسطينيين يعود بصفة رئيسية إلى التأييد المطلق الذي تحظى به إسرائيل من جانب الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن الولايات المتحدة كانت المسؤولة عن التدخل المسلح في عديد من دول العالم، خصوصًا في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. وليس سجل الدول الأخرى الثلاث صاحبة العضوية الدائمة في مجلس الأمن، وهي كل من بريطانيا وفرنسا والصين، ناصعًا في هذا المجال؛ إذ كلها تدخلت بشن حروب علي شعوب في إفريقيا وآسيا أو أمريكا اللاتينية، أو بالانخراط في نزاعات مسلحة بصورة صريحة أو مستترة. ولا يبدو أن مجلس السلام الذي دعا إليه الرئيس ترامب يأخذ ذلك في الحسبان، كما سيتضح لاحقًا.
من جهة أخرى، لا يقوم مجلس سلام ترامب على قاعدة واسعة من التوافق بين دول العالم
فبينما قامت الأمم المتحدة، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، علي قاعدة واسعة من التوافق بين الدول التي شكّلت المجتمع الدولي في أعقاب تلك الحرب، وباستبعاد الدول «المعتدية» التي خرجت مهزومة، وهي ألمانيا وإيطاليا واليابان، وباعتقاد راسخ أن صيانة السلام لا تقتضي فقط اتخاذ تدابير جماعية لمنع تهديدات السلم العالمي، واستقرار السلام على أساس احترام حق تقرير المصير، وتطوير العلاقات الودية بين الدول، وتشجيع التعاون الدولي، وإلى غير ذلك من المبادئ التي تضمنها ميثاق الأمم المتحدة الذي شاركت في صياغته خمسون دولة اجتمعت في سان فرانسيسكو مدة ثلاثة أشهر من 25 أبريل إلي 26 يونيو 1945، وكانت خمس دول عربية هي مصر والعراق ولبنان وسوريا والسعودية من بين تلك الدول، إلي جانب خمسٍ وأربعين دولة أخرى من كل قارات وثقافات العالم؛ خرج ميثاق مجلس السلام الجديد وقد انفرد بصياغته شخصيات من إدارة الرئيس ترامب، دون أن يحظى بمناقشة وحوار واسع بين الأطراف التي دُعيت للانضمام إليه.
ولهذا السبب امتنعت كثير من دول العالم عن قبول دعوته، وحتى من بين ستين دولة وُجّهت لها الدعوة للانضمام إليه، لم يوقّع على هذا الميثاق ولم يحضر حفل إعلانه سوى إحدى وعشرين دولة، ليس من بينها أي من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي الصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا، فضلًا عن معظم دول الاتحاد الأوروبي والدول القائدة في الجنوب مثل الهند وماليزيا وجنوب إفريقيا.
وحتي في أمريكا اللاتينية، التي يعتبرها الرئيس ترامب الفناء الخلفي لبلاده، امتنعت كل من البرازيل والمكسيك عن الانضمام إلى هذا المجلس، بينما شاركت فيه الأرجنتين التي يتبنى رئيسها نفس التوجهات اليمينية الشعبوية للرئيس ترامب. وغابت القارة الإفريقية عن المشاركة باستثناء دولة المغرب العربي. ويعود هذا الامتناع عن قبول الدعوة إلى رفض قيادات معظم دول العالم لهذا المجلس الجديد، الذي وصفه أحد الباحثين الأوروبيين بأنه، بحكم تفاصيل ميثاقه، أقرب إلى شركة يملك الرئيس ترامب معظم أسهمها، ولذلك فهو يرأسها مدى الحياة، ويحدد من يدخلها ومن يخرج منها، ويتحكم في قراراتها ويختار من يخلفه فيها.
وعلي عكس منظمة الأمم المتحدة التي استندت إلى مبادئ نبيلة في معظمها، مثل احترام حقوق الإنسان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والمساواة في السيادة بين الدول، وعدم تدخلها في الشؤون الداخلية لبعضها البعض، وتصفية الاستعمار، تقطع أفعال الرئيس ترامب، بضربه عرض الحائط بكل هذه المبادئ. فقد خطفت قواته رئيس فنزويلا وزوجته وقدّما للمحاكمة في نيويورك بدعوى انتهاكهما لقوانين الولايات المتحدة، وشنّ حربا على إيران، بل ويقال إنه يستعد لشن عمل عسكري جديد ضدها. وطالب بضم كل من جرينلاند وبنما وكندا إلى الولايات المتحدة دونما أي اعتبار لرغبات سكانها، ويمارس الضغوط على رئيس أوكرانيا لحمله على التنازل عن أقسام من إقليم دولته لصالح روسيا التي شنّت حربًا عليها تدخل عامها الرابع. وهو، بإعلانه سيطرة الولايات المتحدة على نفط فنزويلا، وحديثه عن المعادن النادرة في جرينلاند، والاتفاقية التي وقّعها مع حكومة أوكرانيا والتي تمنح الولايات المتحدة حصة النصف في إنتاجها من المعادن النادرة، يستعيد الممارسات الاستعمارية التي ترفضها الأمم المتحدة في ميثاقها وفي قرارات جمعيتها العامة. وعلى عكس هدف تطوير العلاقات الودية بين الدول والنهوض بالتعاون الدولي، كما يقضي بذلك ميثاق الأمم المتحدة، فهو يهدد دائمًا برفع الرسوم الجمركية على صادرات أي دولة يختلف مع حكومتها، حتى في أمور لا علاقة لها بالاقتصاد.
في ضوء ذلك، ما هو شأن العرب بهذا المجلس؟ يطرح وجود هذا المجلس اختيارات صعبة على الدول العربية التي يهددها تواصل الاعتداءات الإسرائيلية واستمرار احتلالها أراضي عربية في فلسطين وسوريا ولبنان. والمهمة الأولى لهذا المجلس هي تطبيق خطة ترامب بشأن غزة، والتي تضمنها قرار مجلس الأمن رقم 2803. انضمت الأردن إلى هذا المجلس، وانضمت إليه من الدول العربية الأخرى كل من السعودية ودولة الإمارات وقطر والبحرين والمغرب. وأعربت الخارجية المصرية عن ترحيبها بالمجلس والاستعداد للتعاون معه، ويبدو أن العمل على تطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب هو موضع اتصالات تجري بين مبعوثي الرئيس ترامب والحكومة الإسرائيلية. وربما يسمح ذلك لنا بالتحفظ على بعض المشروعات التفصيلية التي أعلنها جاريد كوشنر، زوج ابنة الرئيس، والتي تتوافق مع اقتراح الرئيس ترامب بتحويل غزة، أو قسمٍ منها، إلى ريفييرا الشرق الأوسط.
{ أستاذ العلوم السياسية
في جامعة القاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك