العدد : ١٧٤٩٩ - الخميس ١٩ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٩ - الخميس ١٩ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

تساؤلات حول مستقبل «مجلس السلام» برئاسة ترامب

بقلم: د. مصطفي كامل السيد

الخميس ١٩ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسية‭ ‬المعلنة‭ ‬لدعوة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬مجلس‭ ‬سلام‭ ‬هو‭ ‬تحقيق‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تسودها‭ ‬النزاعات،‭ ‬والتي‭ ‬فشلت‭ ‬الأساليب‭ ‬التي‭ ‬اتُّبعت‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬حلها،‭ ‬والمقصود‭ ‬بذلك‭ ‬هو‭ ‬النجاح‭ ‬فيما‭ ‬فشلت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬إنجازه‭. ‬

ووفقًا‭ ‬لتصريحات‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب،‭ ‬فليس‭ ‬هدف‭ ‬المجلس‭ ‬الجديد،‭ ‬كما‭ ‬قال،‭ ‬هو‭ ‬الحلول‭ ‬محل‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة؛‭ ‬فهي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبقى،‭ ‬فلديها‭ ‬إمكانيات‭ ‬واسعة‭ ‬لم‭ ‬تُحسن‭ ‬استخدامها،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬أهداف‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬السلام،‭ ‬الذي‭ ‬يهتم‭ ‬به‭ ‬ترامب،‭ ‬فهناك‭ ‬ثلاثة‭ ‬أهداف‭ ‬أخرى‭ ‬لها‭. ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بحفظ‭ ‬السلام‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭ ‬فقد‭ ‬أخفقت‭ ‬فيه،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬المجلس،‭ ‬بحسب‭ ‬نص‭ ‬ميثاقه،‭ ‬لكي‭ ‬يكون‭ ‬بديلًا‭ ‬لها‭. ‬فهل‭ ‬يمكن‭ ‬للمجلس‭ ‬الوليد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بالفعل‭ ‬بديلًا‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الهدف؟‭ ‬نؤكد‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬هناك،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬نشأة‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تحت‭ ‬رئاسة‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬ما‭ ‬يشجّع‭ ‬على‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بنجاح‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬بلوغ‭ ‬هذه‭ ‬الغاية؛‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يعالج‭ ‬في‭ ‬ميثاقه‭ ‬أسباب‭ ‬هذا‭ ‬الإخفاق،‭ ‬ولا‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬توافق‭ ‬دولي‭ ‬واسع،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أفعال‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬تتناقض‭ ‬مع‭ ‬أقواله‭ ‬بشأن‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭.‬

‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬قراءة‭ ‬لأسباب‭ ‬إخفاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مناطق‭ ‬النزاع‭: ‬والقول‭ ‬بأن‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أخفقت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قبوله‭ ‬على‭ ‬إطلاقه‭. ‬فقد‭ ‬نعِم‭ ‬العالم،‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬بفترة‭ ‬طويلة‭ ‬نسبيًا‭ ‬من‭ ‬السلام‭ ‬لم‭ ‬تعكّرها‭ ‬نزاعات‭ ‬مسلحة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭. ‬وباستثناء‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬الروسية‭ ‬والقوات‭ ‬المتحالفة‭ ‬معها‭ ‬من‭ ‬كوريا‭ ‬الشمالية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬قوات‭ ‬أوكرانية‭ ‬تحظى‭                                                                             ‬‭                                                                         ‬بدعم‭ ‬دول‭ ‬حلف‭ ‬الأطلنطي‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬لها‭ ‬السلاح‭ ‬والتدريب،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬مشاركة‭ ‬مستترة‭ ‬لبعض‭ ‬جنودها،‭ ‬تجنّب‭ ‬العالم‭ ‬خطر‭ ‬المواجهة‭ ‬المسلحة‭ ‬بين‭ ‬المعسكر‭ ‬الرأسمالي‭ ‬والمعسكر‭ ‬الاشتراكي‭ ‬في‭ ‬برلين‭ ‬عام‭ ‬1960،‭ ‬وفي‭ ‬كوبا‭ ‬عام‭ ‬1962‭. ‬ولم‭ ‬تتسع‭ ‬المواجهة‭ ‬في‭ ‬كوريا‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬لتتحول‭ ‬إلي‭ ‬حرب‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬ساندت‭ ‬حكومة‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬وجمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬ساندت‭ ‬حكومة‭ ‬كوريا‭ ‬الشمالية‭.‬

‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬الطويلة‭ ‬منذ‭ ‬إنشاء‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬أكتوبر‭ ‬1945‭ ‬حتى‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر،‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬ثمانية‭ ‬عقود،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬بسبب‭ ‬التقيد‭ ‬الذاتي‭ ‬الذي‭ ‬التزمت‭ ‬به‭ ‬الأطراف‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النزاعات‭ ‬بموجب‭ ‬امتلاكها‭ ‬للقدرة‭ ‬على‭ ‬الردع‭ ‬المتبادل‭.‬

من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬احتدمت‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬فيما‭ ‬يُعرف‭ ‬بدول‭ ‬الجنوب،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬آسيا‭ ‬وفي‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وإفريقيا‭. ‬وكان‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬بعضها،‭ ‬مثلما‭ ‬جرى‭ ‬خلال‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثي‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬عام‭ ‬1956،‭ ‬وفي‭ ‬تيمور‭ ‬الشرقية‭. ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬تسوية‭ ‬نزاعات‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬الحرب‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية‭ ‬أو‭ ‬النزاع‭ ‬بين‭ ‬الهند‭ ‬وباكستان‭ ‬وغيرها،‭ ‬والتي‭ ‬انتهت‭ ‬بفضل‭ ‬إدراك‭ ‬قادة‭ ‬الدول‭ ‬المنخرطة‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬استمرارها‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬صالحهم،‭ ‬أو‭ ‬استمرت‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬دون‭ ‬نهاية‭ ‬حاسمة،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬اليمن‭.‬

ولكن‭ ‬تقتضي‭ ‬المواجهة‭ ‬الناجحة‭ ‬لأسباب‭ ‬استمرار‭ ‬بعض‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬دون‭ ‬حلٍّ‭ ‬مرضٍ‭ ‬لأطرافها‭ ‬معرفة‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الاستمرار،‭ ‬ويأتي‭ ‬تدخل‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وروسيا،‭ ‬كسبب‭ ‬رئيسي‭ ‬لذلك‭. ‬فاستمرار‭ ‬ما‭ ‬يُسمّى‭ ‬بالحروب‭ ‬الصغيرة‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬والفلسطينيين‭ ‬يعود‭ ‬بصفة‭ ‬رئيسية‭ ‬إلى‭ ‬التأييد‭ ‬المطلق‭ ‬الذي‭ ‬تحظى‭ ‬به‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كانت‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬التدخل‭ ‬المسلح‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬وليس‭ ‬سجل‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬الثلاث‭ ‬صاحبة‭ ‬العضوية‭ ‬الدائمة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬وهي‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬والصين،‭ ‬ناصعًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال؛‭ ‬إذ‭ ‬كلها‭ ‬تدخلت‭ ‬بشن‭ ‬حروب‭ ‬علي‭ ‬شعوب‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬وآسيا‭ ‬أو‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬أو‭ ‬بالانخراط‭ ‬في‭ ‬نزاعات‭ ‬مسلحة‭ ‬بصورة‭ ‬صريحة‭ ‬أو‭ ‬مستترة‭. ‬ولا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬دعا‭ ‬إليه‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬يأخذ‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الحسبان،‭ ‬كما‭ ‬سيتضح‭ ‬لاحقًا‭.‬

‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬مجلس‭ ‬سلام‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬التوافق‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬العالم

فبينما‭ ‬قامت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬علي‭ ‬قاعدة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬التوافق‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬تلك‭ ‬الحرب،‭ ‬وباستبعاد‭ ‬الدول‭ ‬‮«‬المعتدية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬مهزومة،‭ ‬وهي‭ ‬ألمانيا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬واليابان،‭ ‬وباعتقاد‭ ‬راسخ‭ ‬أن‭ ‬صيانة‭ ‬السلام‭ ‬لا‭ ‬تقتضي‭ ‬فقط‭ ‬اتخاذ‭ ‬تدابير‭ ‬جماعية‭ ‬لمنع‭ ‬تهديدات‭ ‬السلم‭ ‬العالمي،‭ ‬واستقرار‭ ‬السلام‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬احترام‭ ‬حق‭ ‬تقرير‭ ‬المصير،‭ ‬وتطوير‭ ‬العلاقات‭ ‬الودية‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬وتشجيع‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي،‭ ‬وإلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬تضمنها‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الذي‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬صياغته‭ ‬خمسون‭ ‬دولة‭ ‬اجتمعت‭ ‬في‭ ‬سان‭ ‬فرانسيسكو‭ ‬مدة‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬25‭ ‬أبريل‭ ‬إلي‭ ‬26‭ ‬يونيو‭ ‬1945،‭ ‬وكانت‭ ‬خمس‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬هي‭ ‬مصر‭ ‬والعراق‭ ‬ولبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬والسعودية‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬الدول،‭ ‬إلي‭ ‬جانب‭ ‬خمسٍ‭ ‬وأربعين‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قارات‭ ‬وثقافات‭ ‬العالم؛‭ ‬خرج‭ ‬ميثاق‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬الجديد‭ ‬وقد‭ ‬انفرد‭ ‬بصياغته‭ ‬شخصيات‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحظى‭ ‬بمناقشة‭ ‬وحوار‭ ‬واسع‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬التي‭ ‬دُعيت‭ ‬للانضمام‭ ‬إليه‭.‬

ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬امتنعت‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬عن‭ ‬قبول‭ ‬دعوته،‭ ‬وحتى‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬ستين‭ ‬دولة‭ ‬وُجّهت‭ ‬لها‭ ‬الدعوة‭ ‬للانضمام‭ ‬إليه،‭ ‬لم‭ ‬يوقّع‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الميثاق‭ ‬ولم‭ ‬يحضر‭ ‬حفل‭ ‬إعلانه‭ ‬سوى‭ ‬إحدى‭ ‬وعشرين‭ ‬دولة،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬دائمة‭ ‬العضوية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬وهي‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وفرنسا،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬والدول‭ ‬القائدة‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬مثل‭ ‬الهند‭ ‬وماليزيا‭ ‬وجنوب‭ ‬إفريقيا‭.‬

‭ ‬وحتي‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬التي‭ ‬يعتبرها‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬الفناء‭ ‬الخلفي‭ ‬لبلاده،‭ ‬امتنعت‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬البرازيل‭ ‬والمكسيك‭ ‬عن‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المجلس،‭ ‬بينما‭ ‬شاركت‭ ‬فيه‭ ‬الأرجنتين‭ ‬التي‭ ‬يتبنى‭ ‬رئيسها‭ ‬نفس‭ ‬التوجهات‭ ‬اليمينية‭ ‬الشعبوية‭ ‬للرئيس‭ ‬ترامب‭. ‬وغابت‭ ‬القارة‭ ‬الإفريقية‭ ‬عن‭ ‬المشاركة‭ ‬باستثناء‭ ‬دولة‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭. ‬ويعود‭ ‬هذا‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬قبول‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬رفض‭ ‬قيادات‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬لهذا‭ ‬المجلس‭ ‬الجديد،‭ ‬الذي‭ ‬وصفه‭ ‬أحد‭ ‬الباحثين‭ ‬الأوروبيين‭ ‬بأنه،‭ ‬بحكم‭ ‬تفاصيل‭ ‬ميثاقه،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬شركة‭ ‬يملك‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬معظم‭ ‬أسهمها،‭ ‬ولذلك‭ ‬فهو‭ ‬يرأسها‭ ‬مدى‭ ‬الحياة،‭ ‬ويحدد‭ ‬من‭ ‬يدخلها‭ ‬ومن‭ ‬يخرج‭ ‬منها،‭ ‬ويتحكم‭ ‬في‭ ‬قراراتها‭ ‬ويختار‭ ‬من‭ ‬يخلفه‭ ‬فيها‭.‬

وعلي‭ ‬عكس‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬استندت‭ ‬إلى‭ ‬مبادئ‭ ‬نبيلة‭ ‬في‭ ‬معظمها،‭ ‬مثل‭ ‬احترام‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وحق‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬مصيرها،‭ ‬والمساواة‭ ‬في‭ ‬السيادة‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬وعدم‭ ‬تدخلها‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬لبعضها‭ ‬البعض،‭ ‬وتصفية‭ ‬الاستعمار،‭ ‬تقطع‭ ‬أفعال‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب،‭ ‬بضربه‭ ‬عرض‭ ‬الحائط‭ ‬بكل‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭. ‬فقد‭ ‬خطفت‭ ‬قواته‭ ‬رئيس‭ ‬فنزويلا‭ ‬وزوجته‭ ‬وقدّما‭ ‬للمحاكمة‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬بدعوى‭ ‬انتهاكهما‭ ‬لقوانين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وشنّ‭ ‬حربا‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬بل‭ ‬ويقال‭ ‬إنه‭ ‬يستعد‭ ‬لشن‭ ‬عمل‭ ‬عسكري‭ ‬جديد‭ ‬ضدها‭. ‬وطالب‭ ‬بضم‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬جرينلاند‭ ‬وبنما‭ ‬وكندا‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬دونما‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬لرغبات‭ ‬سكانها،‭ ‬ويمارس‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬رئيس‭ ‬أوكرانيا‭ ‬لحمله‭ ‬على‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬أقسام‭ ‬من‭ ‬إقليم‭ ‬دولته‭ ‬لصالح‭ ‬روسيا‭ ‬التي‭ ‬شنّت‭ ‬حربًا‭ ‬عليها‭ ‬تدخل‭ ‬عامها‭ ‬الرابع‭. ‬وهو،‭ ‬بإعلانه‭ ‬سيطرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬نفط‭ ‬فنزويلا،‭ ‬وحديثه‭ ‬عن‭ ‬المعادن‭ ‬النادرة‭ ‬في‭ ‬جرينلاند،‭ ‬والاتفاقية‭ ‬التي‭ ‬وقّعها‭ ‬مع‭ ‬حكومة‭ ‬أوكرانيا‭ ‬والتي‭ ‬تمنح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حصة‭ ‬النصف‭ ‬في‭ ‬إنتاجها‭ ‬من‭ ‬المعادن‭ ‬النادرة،‭ ‬يستعيد‭ ‬الممارسات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬التي‭ ‬ترفضها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬ميثاقها‭ ‬وفي‭ ‬قرارات‭ ‬جمعيتها‭ ‬العامة‭. ‬وعلى‭ ‬عكس‭ ‬هدف‭ ‬تطوير‭ ‬العلاقات‭ ‬الودية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬والنهوض‭ ‬بالتعاون‭ ‬الدولي،‭ ‬كما‭ ‬يقضي‭ ‬بذلك‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬فهو‭ ‬يهدد‭ ‬دائمًا‭ ‬برفع‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬على‭ ‬صادرات‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬يختلف‭ ‬مع‭ ‬حكومتها،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالاقتصاد‭.‬

‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬شأن‭ ‬العرب‭ ‬بهذا‭ ‬المجلس؟‭ ‬يطرح‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬اختيارات‭ ‬صعبة‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬يهددها‭ ‬تواصل‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬واستمرار‭ ‬احتلالها‭ ‬أراضي‭ ‬عربية‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭. ‬والمهمة‭ ‬الأولى‭ ‬لهذا‭ ‬المجلس‭ ‬هي‭ ‬تطبيق‭ ‬خطة‭ ‬ترامب‭ ‬بشأن‭ ‬غزة،‭ ‬والتي‭ ‬تضمنها‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬رقم‭ ‬2803‭. ‬انضمت‭ ‬الأردن‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المجلس،‭ ‬وانضمت‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬السعودية‭ ‬ودولة‭ ‬الإمارات‭ ‬وقطر‭ ‬والبحرين‭ ‬والمغرب‭. ‬وأعربت‭ ‬الخارجية‭ ‬المصرية‭ ‬عن‭ ‬ترحيبها‭ ‬بالمجلس‭ ‬والاستعداد‭ ‬للتعاون‭ ‬معه،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬خطة‭ ‬ترامب‭ ‬هو‭ ‬موضع‭ ‬اتصالات‭ ‬تجري‭ ‬بين‭ ‬مبعوثي‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬والحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭. ‬وربما‭ ‬يسمح‭ ‬ذلك‭ ‬لنا‭ ‬بالتحفظ‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المشروعات‭ ‬التفصيلية‭ ‬التي‭ ‬أعلنها‭ ‬جاريد‭ ‬كوشنر،‭ ‬زوج‭ ‬ابنة‭ ‬الرئيس،‭ ‬والتي‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬اقتراح‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬بتحويل‭ ‬غزة،‭ ‬أو‭ ‬قسمٍ‭ ‬منها،‭ ‬إلى‭ ‬ريفييرا‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬

‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا