يفرح المسلم بحلول شهر رمضان المبارك الذي يعدُّ في نظر الجميع شهر العبادة والغفران والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى وهو ركن أساسي من أركان الإسلام الخمسة وتكمن أهميته الدينية والمعنوية في كونه شهرا نزل فيه القرآن الكريم على الرسول صلى الله عليه وسلم وكون فرضة لتهذيب النفس وتعزيز الصبر ومضاعفة الأعمال الصالحة وتقوية سلوك المسلم في مجال التكافل الاجتماعي بما يجعله فرصة حقيقية للتوبة والغفران والتسامح ونشر المحبة بين الناس ومناسبة للتصالح وقد وعد الله المسلمين بمضاعفة الأجر في هذا الشهر الذي تفتح فيه الجنة وتغلق فيه أبواب النار وتزيد فيه الطاعات وغير ذلك من الجوانب الروحية.
كما إن شهر رمضان المبارك يعد فرصة لتهذيب النفس والتخلص من العادات السيئة وزيادة الوعي وبالذات الجانب الروحي وتأثيره في سلوك المسلم الإنساني في حياته وفي تعامله مع الآخرين وفي عمله وفي مختلف جوانب سلوكه اليومي هذا إضافة إلى الفوائد الصحية التي كثيرا ما تشير إليها الدراسات بأن الصيام له فوائد من حيث إراحة الجسم والمعدة والأمعاء فترة طويلة تمتد شهرا كاملا يكون الصيام فرصة ذهبية لتنظيف الجسم من السموم التي تراكمت عبر الأيام والأشهر وهنالك دراسات عديدة في هذا المجال يستشعرها المسلم الذي يصوم ويصلي ويتعبد ويتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
مع كل ما تقدم من الأهمية الكبرى لهذا الشهر الفضيل والتي ذكرنا بعضها في المقدمة فإن الواقع الذي كثيرا ما نتحدث عنه وتتحدث عنه البرامج الإذاعية والتليفزيونية هو الاستهلاك وما أدراك ما الاستهلاك وهو المظهر الأساسي الذي ارتبط عمليا وواقعيا بشهر رمضان وأفسد طابعه الروحي والديني بشكل واضح ومؤكد.
ويمكن رصد في هذا السياق مظاهر عجيبة غريبة لا تتناسب مع روحية الإسلام ولا مع واقعنا الاجتماعي والمادي ولا مع ما يقتضيه المنطق والعقل:
أولا: إن الاستهلاك المفرط في شهر رمضان المبارك في بلادنا يؤدي إلى هدر غذائي مهول وتشير بعض الدراسات البحثية إن هذا الهدر يتجاوز 30% سواء من خسائر مادية أو خسائر غذائية مع ارتفاع استهلاك الفرد من السعرات الحرارية بشكل غريب يؤدي إلى أضرار صحية غير مسبوقة وضغط على الموارد الغذائية والمالية والصحية.
ثانيا: يزيد إنفاق الأسرة بشكل غير مسبوق في شهر رمضان حتى إن البعض يلجأ إلى الاقتراض لمواجهة متطلبات هذا الشهر الفضيل ويلجأ إلى وسائل أخرى لزيادة الإنفاق وقد شهدنا وما زلنا نشهد مشاكل مالية تؤدي إلى عسر العديد من الأسر في سداد تكاليف هذا الاستهلاك غير المبرر والمفرط للطعام والحلويات وغيرها من المواد التي يتم تكديسها ويا ليت إنها تستهلك بل إن ثلثها أو نصفها يلقى به في براميل القمامة أجلكم الله كما هو معروف.
ثالثا: الخسائر المادية التي أشرنا إليها والتي تتكبدها بلادنا في شكل خسائر اقتصادية وزيادة الإنفاق الاستهلاكي فإن هنالك ظاهرة خطيرة وربما هي أخطر من زيادة الاستهلاك وهي تراجع الإنتاج والإنتاجية في هذا الشهر بسبب السهر الطويل والاستهلاك المفرط حتى دون الحاجة إلى دراسات فإن إنتاجية الموظف أو العامل تنخفض بشكل ملحوظ وتشير بعض الدراسات الخليجية إلى أن هذه الإنتاجية تنخفض بما لا يقل عن 50% إلى 65% في القطاع الحكومي وذلك بسبب العادات الرمضانية مما يؤثر في النهاية في الاقتصاد الوطني خصوصا وإن آلاف من الموظفين يفضلون أخذ إجازاتهم في شهر رمضان أو التغيب عن العمل بأشكال ومبررات مختلفة وحتى لو أن الموظفين الملتزمين بالدوام فإن جزء كبير منهم لا يؤدون عملهم بالصورة المطلوبة.
عندما نقارن بين ما أشرنا إليه في المقدمة من فضائل شهر رمضان المبارك وفوائده للمسلم والمجتمع وخاصة التقشف وقلة الاستهلاك والتقرب إلى الله وبذل الجهد في العمل وزيادة العبادة إذا ما قارنا كل هذه الأشياء مع ما أشرنا إليه في الفقرات اللاحقة نجد وللأسف الشديد أنفسنا بعيدين بشكل كبير وملحوظ عن حكمة فرض شعيرة الصيام وبعيدين عن القيم التي فرض من أجلها رمضان وبعيدين عن روح هذا الشهر الفضيل وفوائده الجمة إلا من رحم ربي ومبارك عليكم الشهر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك