العدد : ١٧٥٠٠ - الجمعة ٢٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٠ - الجمعة ٢٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

أهلا رمضان

بقلم: د. نبيل العسومي

الخميس ١٩ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

يفرح‭ ‬المسلم‭ ‬بحلول‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬الذي‭ ‬يعدُّ‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الجميع‭ ‬شهر‭ ‬العبادة‭ ‬والغفران‭ ‬والتقرب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬وهو‭ ‬ركن‭ ‬أساسي‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬الإسلام‭ ‬الخمسة‭ ‬وتكمن‭ ‬أهميته‭ ‬الدينية‭ ‬والمعنوية‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬شهرا‭ ‬نزل‭ ‬فيه‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬على‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬وكون‭ ‬فرضة‭ ‬لتهذيب‭ ‬النفس‭ ‬وتعزيز‭ ‬الصبر‭ ‬ومضاعفة‭ ‬الأعمال‭ ‬الصالحة‭ ‬وتقوية‭ ‬سلوك‭ ‬المسلم‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التكافل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بما‭ ‬يجعله‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬للتوبة‭ ‬والغفران‭ ‬والتسامح‭ ‬ونشر‭ ‬المحبة‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬ومناسبة‭ ‬للتصالح‭ ‬وقد‭ ‬وعد‭ ‬الله‭ ‬المسلمين‭ ‬بمضاعفة‭ ‬الأجر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الذي‭ ‬تفتح‭ ‬فيه‭ ‬الجنة‭ ‬وتغلق‭ ‬فيه‭ ‬أبواب‭ ‬النار‭ ‬وتزيد‭ ‬فيه‭ ‬الطاعات‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الجوانب‭ ‬الروحية‭.‬

كما‭ ‬إن‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬يعد‭ ‬فرصة‭ ‬لتهذيب‭ ‬النفس‭ ‬والتخلص‭ ‬من‭ ‬العادات‭ ‬السيئة‭ ‬وزيادة‭ ‬الوعي‭ ‬وبالذات‭ ‬الجانب‭ ‬الروحي‭ ‬وتأثيره‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬المسلم‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬وفي‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬وفي‭ ‬عمله‭ ‬وفي‭ ‬مختلف‭ ‬جوانب‭ ‬سلوكه‭ ‬اليومي‭ ‬هذا‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الفوائد‭ ‬الصحية‭ ‬التي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تشير‭ ‬إليها‭ ‬الدراسات‭ ‬بأن‭ ‬الصيام‭ ‬له‭ ‬فوائد‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إراحة‭ ‬الجسم‭ ‬والمعدة‭ ‬والأمعاء‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬تمتد‭ ‬شهرا‭ ‬كاملا‭ ‬يكون‭ ‬الصيام‭ ‬فرصة‭ ‬ذهبية‭ ‬لتنظيف‭ ‬الجسم‭ ‬من‭ ‬السموم‭ ‬التي‭ ‬تراكمت‭ ‬عبر‭ ‬الأيام‭ ‬والأشهر‭ ‬وهنالك‭ ‬دراسات‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬يستشعرها‭ ‬المسلم‭ ‬الذي‭ ‬يصوم‭ ‬ويصلي‭ ‬ويتعبد‭ ‬ويتقرب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭.‬

مع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬الكبرى‭ ‬لهذا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬والتي‭ ‬ذكرنا‭ ‬بعضها‭ ‬في‭ ‬المقدمة‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬نتحدث‭ ‬عنه‭ ‬وتتحدث‭ ‬عنه‭ ‬البرامج‭ ‬الإذاعية‭ ‬والتليفزيونية‭ ‬هو‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وما‭ ‬أدراك‭ ‬ما‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وهو‭ ‬المظهر‭ ‬الأساسي‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬عمليا‭ ‬وواقعيا‭ ‬بشهر‭ ‬رمضان‭ ‬وأفسد‭ ‬طابعه‭ ‬الروحي‭ ‬والديني‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬ومؤكد‭.‬

ويمكن‭ ‬رصد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬مظاهر‭ ‬عجيبة‭ ‬غريبة‭ ‬لا‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬روحية‭ ‬الإسلام‭ ‬ولا‭ ‬مع‭ ‬واقعنا‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والمادي‭ ‬ولا‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يقتضيه‭ ‬المنطق‭ ‬والعقل‭:‬

أولا‭: ‬إن‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المفرط‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬هدر‭ ‬غذائي‭ ‬مهول‭ ‬وتشير‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬البحثية‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الهدر‭ ‬يتجاوز‭ ‬30‭% ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬مادية‭ ‬أو‭ ‬خسائر‭ ‬غذائية‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬استهلاك‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬السعرات‭ ‬الحرارية‭ ‬بشكل‭ ‬غريب‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬أضرار‭ ‬صحية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬وضغط‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬الغذائية‭ ‬والمالية‭ ‬والصحية‭.‬

ثانيا‭: ‬يزيد‭ ‬إنفاق‭ ‬الأسرة‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬البعض‭ ‬يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭ ‬لمواجهة‭ ‬متطلبات‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬ويلجأ‭ ‬إلى‭ ‬وسائل‭ ‬أخرى‭ ‬لزيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬وقد‭ ‬شهدنا‭ ‬وما‭ ‬زلنا‭ ‬نشهد‭ ‬مشاكل‭ ‬مالية‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬عسر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬سداد‭ ‬تكاليف‭ ‬هذا‭ ‬الاستهلاك‭ ‬غير‭ ‬المبرر‭ ‬والمفرط‭ ‬للطعام‭ ‬والحلويات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬تكديسها‭ ‬ويا‭ ‬ليت‭ ‬إنها‭ ‬تستهلك‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬ثلثها‭ ‬أو‭ ‬نصفها‭ ‬يلقى‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬براميل‭ ‬القمامة‭ ‬أجلكم‭ ‬الله‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭.‬

ثالثا‭: ‬الخسائر‭ ‬المادية‭ ‬التي‭ ‬أشرنا‭ ‬إليها‭ ‬والتي‭ ‬تتكبدها‭ ‬بلادنا‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬خسائر‭ ‬اقتصادية‭ ‬وزيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬فإن‭ ‬هنالك‭ ‬ظاهرة‭ ‬خطيرة‭ ‬وربما‭ ‬هي‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وهي‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاج‭ ‬والإنتاجية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬بسبب‭ ‬السهر‭ ‬الطويل‭ ‬والاستهلاك‭ ‬المفرط‭ ‬حتى‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬دراسات‭ ‬فإن‭ ‬إنتاجية‭ ‬الموظف‭ ‬أو‭ ‬العامل‭ ‬تنخفض‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬وتشير‭ ‬بعض‭ ‬الدراسات‭ ‬الخليجية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الإنتاجية‭ ‬تنخفض‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬50‭% ‬إلى‭ ‬65‭% ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الحكومي‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬العادات‭ ‬الرمضانية‭ ‬مما‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬خصوصا‭ ‬وإن‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬يفضلون‭ ‬أخذ‭ ‬إجازاتهم‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬أو‭ ‬التغيب‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬بأشكال‭ ‬ومبررات‭ ‬مختلفة‭ ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الموظفين‭ ‬الملتزمين‭ ‬بالدوام‭ ‬فإن‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منهم‭ ‬لا‭ ‬يؤدون‭ ‬عملهم‭ ‬بالصورة‭ ‬المطلوبة‭.‬

عندما‭ ‬نقارن‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬أشرنا‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬المقدمة‭ ‬من‭ ‬فضائل‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬وفوائده‭ ‬للمسلم‭ ‬والمجتمع‭ ‬وخاصة‭ ‬التقشف‭ ‬وقلة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والتقرب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬وبذل‭ ‬الجهد‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬وزيادة‭ ‬العبادة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬قارنا‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأشياء‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬أشرنا‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬الفقرات‭ ‬اللاحقة‭ ‬نجد‭ ‬وللأسف‭ ‬الشديد‭ ‬أنفسنا‭ ‬بعيدين‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬وملحوظ‭ ‬عن‭ ‬حكمة‭ ‬فرض‭ ‬شعيرة‭ ‬الصيام‭ ‬وبعيدين‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬فرض‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬رمضان‭ ‬وبعيدين‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬وفوائده‭ ‬الجمة‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬ربي‭ ‬ومبارك‭ ‬عليكم‭ ‬الشهر‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا