العدد : ١٧٥٠٠ - الجمعة ٢٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٠ - الجمعة ٢٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ترامب وأزمة المؤسسات الديمقراطية في أمريكا!

بقلم: د. منار الشوربجي

الجمعة ٢٠ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬يتابع‭ ‬أداء‭ ‬المؤسسات‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬كثب‭ ‬مثلي‭ ‬يدرك‭ ‬حجم‭ ‬الأزمة‭ ‬وعمقها‭. ‬ففي‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب،‭ ‬انهار‭ ‬فصل‭ ‬السلطات،‭ ‬ومعه‭ ‬الأعراف‭ ‬والتقاليد‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬حكمت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬مؤسسات‭ ‬الحكم،‭ ‬وباتت‭ ‬الإدارة‭ ‬تستخدم‭ ‬علنا‭ ‬تكتيكات‭ ‬عرفت‭ ‬بها‭ ‬النظم‭ ‬الشمولية‭ ‬لا‭ ‬أقل،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬محاولة‭ ‬حتى‭ ‬للتظاهر‭ ‬بالحد‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬حريات‭ ‬المواطنين‭ ‬أو‭ ‬الدستور‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفسه‭!‬

فالمؤسسات‭ ‬السياسية،‭ ‬لا‭ ‬الانتخابات،‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬العملية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بأمريكا‭ ‬لأن‭ ‬الانتخابات‭ ‬هناك‭ ‬تضع‭ ‬قيودا‭ ‬حقيقية‭ ‬على‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬ليس‭ ‬أقلها‭ ‬اختيار‭ ‬الرئيس‭ ‬عبر‭ ‬الانتخاب‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭.‬

‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬تقويض‭ ‬المؤسسات‭ ‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬وإنما‭ ‬يتراكم‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المعاصر‭ ‬على‭ ‬الأقل‭. ‬والمؤسسات‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬هياكل‭ ‬وإجراءات‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬أعراف‭ ‬وتقاليد‭ ‬ذات‭ ‬مدلول‭ ‬سياسي‭. ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬المعنى‭ ‬وتحفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬المؤسسية‭. ‬والجلسة‭ ‬التي‭ ‬انعقدت‭ ‬بمجلس‭ ‬النواب‭ ‬مؤخرا‭ ‬لمساءلة‭ ‬وزيرة‭ ‬العدل،‭ ‬بام‭ ‬بوندي،‭ ‬كانت‭ ‬آخر‭ ‬تجليات‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬المؤسسات‭ ‬السياسية‭.‬

فمن‭ ‬اعتاد‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬جلسات‭ ‬الاستماع‭ ‬بالكونجرس‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬مسؤولي‭ ‬المؤسسة‭ ‬التنفيذية‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يُبدون‭ ‬فيها‭ ‬بالغ‭ ‬الاحترام‭ ‬للأعضاء‭ ‬ويسعون،‭ ‬أو‭ ‬يتظاهرون‭ ‬بالسعي،‭ ‬للإجابة‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬أسئلتهم‭. ‬فالأعضاء‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يوافقون‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬الوزارات‭ ‬أو‭ ‬يرفضون،‭ ‬وبإمكانهم‭ ‬إغراق‭ ‬المسؤول‭ ‬التنفيذي‭ ‬وسط‭ ‬شلال‭ ‬من‭ ‬الاستدعاءات‭ ‬والتحقيقات‭ ‬التي‭ ‬تستنزفه‭. ‬

أما‭ ‬وزيرة‭ ‬العدل‭ ‬الأمريكية‭ ‬بوندي،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬مسؤولي‭ ‬الإدارة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ترامب‭ ‬،‭ ‬فلا‭ ‬يخفون‭ ‬مقتهم‭ ‬للمؤسسة‭ ‬التشريعية‭ ‬ذاتها‭ ‬بل‭ ‬ويؤلبون‭ ‬أعضاء‭ ‬حزب‭ ‬الرئيس‭ ‬الجمهوري‭ ‬علنا‭ ‬على‭ ‬زملائهم‭ ‬الديمقراطيين‭! ‬ووزيرة‭ ‬العدل،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬الأسئلة،‭ ‬راحت‭ ‬تشن‭ ‬هجومًا‭ ‬شخصيًا‭ ‬على‭ ‬النواب‭ ‬واضح‭ ‬أنها‭ ‬استعدت‭ ‬له‭ ‬قبل‭ ‬الجلسة‭! ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تجيب‭ ‬عن‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬النائب‮»‬‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بيكا‭ ‬بالانت‭ ‬عن‭ ‬السبب‭ ‬وراء‭ ‬امتناع‭ ‬الوزارة‭ ‬عن‭ ‬التحقيق‭ ‬مع‭ ‬وزير‭ ‬التجارة‭ ‬هوارد‭ ‬لاتنيك‭ ‬بعدما‭ ‬افتضح‭ ‬كذبه‭ ‬بخصوص‭ ‬علاقته‭ ‬بإبستين،‭ ‬لم‭ ‬تجب‭ ‬الوزيرة‭ ‬وإنما‭ ‬راحت‭ ‬تهاجم‭ ‬‮«‬النائب‮»‬‭ ‬وسجلها‭ ‬السياسي‭. ‬ولأن‭ ‬لاتنيك‭ ‬يهودي،‭ ‬أضافت‭ ‬الوزيرة‭ ‬‮«‬وأود‭ ‬أن‭ ‬يُسجّل‭ ‬بمضبطة‭ ‬الجلسة‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ثقافة‭ ‬معاداة‭ ‬السامية‭ ‬الحالية،‭ ‬عارضت‭ (‬النائب‭) ‬مشروع‭ ‬قرار‭ ‬يدين‭ ‬استخدام‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬من‭ ‬البحر‭ ‬للنهر‭ ‬المعادي‭ ‬للسامية‮»‬‭! ‬والواضح‭ ‬أن‭ ‬مساعدي‭ ‬الوزيرة‭ ‬الذين‭ ‬أعدوا‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬تهاجم‭ ‬به‭ ‬النائب‭ ‬أخطروها‭ ‬بأن‭ ‬بالانت‭ ‬كتبت‭ ‬مقالًا‭ ‬اتهمت‭ ‬فيه‭ ‬إسرائيل‭ ‬‮«‬بالإبادة‭ ‬الجماعية‮»‬‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬

لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬ينتبهوا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬النائب‮»‬‭ ‬يهودية‭ ‬هي‭ ‬الأخرى،‭ ‬بل‭ ‬مات‭ ‬جدها‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬معسكرات‭ ‬النازي‭! ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬‮«‬النائب‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬الجلسة‭ ‬رافضة‭ ‬سلوك‭ ‬الوزيرة‭!‬

أما‭ ‬‮«‬النائب‮»‬‭ ‬التقدمية‭ ‬براميلا‭ ‬جيابال،‭ ‬التي‭ ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬الوزيرة‭ ‬الاعتذار‭ ‬لضحايا‭ ‬إبستين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬القاعة‭ ‬لأن‭ ‬وزارتها‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬أسمائهم‭ ‬وبياناتهم‭ ‬بينما‭ ‬حجبت‭ ‬أسماء‭ ‬المتورطين،‭ ‬فقوبلت‭ ‬بامتناع‭ ‬الوزيرة‭ ‬عن‭ ‬الاعتذار‭ ‬وراحت‭ ‬تستخدم‭ ‬التكتيك‭ ‬الشمولي‭ ‬ذاته‭ ‬فشنت‭ ‬هجومًا‭ ‬شخصيًا‭ ‬على‭ ‬‮«‬النائب‮»‬‭.‬

لكن‭ ‬كاميرات‭ ‬الصحافة‭ ‬التقطت‭ ‬وقتها‭ ‬اسم‭ ‬جيابال‭ ‬على‭ ‬ملف‭ ‬كان‭ ‬أمام‭ ‬الوزيرة‭ ‬مكتوب‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬سجل‭ ‬بحث‭ ‬النائب‭ ‬جيابال‮»‬،‭ ‬فتبين‭ ‬لاحقا‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬العدل‭ ‬كانت‭ ‬تراقب‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬كل‭ ‬نائب‭ ‬ممن‭ ‬اطلعوا‭ ‬بمقر‭ ‬الوزارة‭ ‬على‭ ‬وثائق‭ ‬إبستين‭ ‬الأصلية‭- ‬قبل‭ ‬حجب‭ ‬الأسماء‭- ‬واحتفظت‭ ‬بسجل‭ ‬المراقبة‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬أمام‭ ‬الوزيرة‭ ‬ويحتوى‭ ‬كل‭ ‬ملف‭ ‬فتحه‭ ‬النائب‭ ‬على‭ ‬كمبيوتر‭ ‬الوزارة‭ ‬وعدد‭ ‬الملفات‭ ‬التي‭ ‬قرأها‭!‬

‭ ‬وهو‭ ‬تكتيك‭ ‬شمولي‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬يمارس‭ ‬ضد‭ ‬مواطنين‭ ‬عاديين‭ ‬وإنما‭ ‬ضد‭ ‬نواب‭ ‬الكونجرس‭ ‬المنوط‭ ‬بهم‭ ‬دستوريًا‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المؤسسة‭ ‬التنفيذية‭.‬

السؤال‭ ‬هل‭ ‬بإمكان‭ ‬أمريكا‭ ‬بعد‭ ‬ترامب‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬بناء‭ ‬ما‭ ‬تهدم؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬تصدُّع‭ ‬البنيان‭ ‬صار‭ ‬شرخا‭ ‬عميقًا‭ ‬يصعب‭ ‬رأبه؟‭ ‬وهو‭ ‬سؤال‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬منفصلة‭.‬

{ باحثة‭ ‬مختصة‭ ‬في

‭ ‬الشؤون‭ ‬الأمريكية‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا