من يتابع أداء المؤسسات السياسية الأمريكية من كثب مثلي يدرك حجم الأزمة وعمقها. ففي إدارة ترامب، انهار فصل السلطات، ومعه الأعراف والتقاليد التي طالما حكمت العلاقة بين مؤسسات الحكم، وباتت الإدارة تستخدم علنا تكتيكات عرفت بها النظم الشمولية لا أقل، ولم يعد هناك محاولة حتى للتظاهر بالحد أدنى من احترام حريات المواطنين أو الدستور الأمريكي نفسه!
فالمؤسسات السياسية، لا الانتخابات، هي جوهر العملية الديمقراطية بأمريكا لأن الانتخابات هناك تضع قيودا حقيقية على الإرادة الشعبية ليس أقلها اختيار الرئيس عبر الانتخاب غير المباشر.
ورغم أن تقويض المؤسسات ليس وليد إدارة ترامب وإنما يتراكم منذ عقود، فإن ما يحدث اليوم غير مسبوق في التاريخ المعاصر على الأقل. والمؤسسات ليست مجرد هياكل وإجراءات وإنما هي أيضا أعراف وتقاليد ذات مدلول سياسي. وهي التي تعيد إنتاج المعنى وتحفظ الذاكرة المؤسسية. والجلسة التي انعقدت بمجلس النواب مؤخرا لمساءلة وزيرة العدل، بام بوندي، كانت آخر تجليات ما آلت إليه المؤسسات السياسية.
فمن اعتاد على متابعة جلسات الاستماع بالكونجرس يعرف أن مسؤولي المؤسسة التنفيذية عادة ما يُبدون فيها بالغ الاحترام للأعضاء ويسعون، أو يتظاهرون بالسعي، للإجابة عن كل أسئلتهم. فالأعضاء هم من يوافقون على تمويل الوزارات أو يرفضون، وبإمكانهم إغراق المسؤول التنفيذي وسط شلال من الاستدعاءات والتحقيقات التي تستنزفه.
أما وزيرة العدل الأمريكية بوندي، وغيرها من مسؤولي الإدارة في عهد ترامب ، فلا يخفون مقتهم للمؤسسة التشريعية ذاتها بل ويؤلبون أعضاء حزب الرئيس الجمهوري علنا على زملائهم الديمقراطيين! ووزيرة العدل، بدلا من الإجابة عن الأسئلة، راحت تشن هجومًا شخصيًا على النواب واضح أنها استعدت له قبل الجلسة! فعلى سبيل المثال، بدلا من أن تجيب عن سؤال «النائب» الديمقراطية بيكا بالانت عن السبب وراء امتناع الوزارة عن التحقيق مع وزير التجارة هوارد لاتنيك بعدما افتضح كذبه بخصوص علاقته بإبستين، لم تجب الوزيرة وإنما راحت تهاجم «النائب» وسجلها السياسي. ولأن لاتنيك يهودي، أضافت الوزيرة «وأود أن يُسجّل بمضبطة الجلسة أنه في ظل ثقافة معاداة السامية الحالية، عارضت (النائب) مشروع قرار يدين استخدام شعار «من البحر للنهر المعادي للسامية»! والواضح أن مساعدي الوزيرة الذين أعدوا لها ما تهاجم به النائب أخطروها بأن بالانت كتبت مقالًا اتهمت فيه إسرائيل «بالإبادة الجماعية» في غزة.
لكن المفارقة أنهم لم ينتبهوا إلى أن «النائب» يهودية هي الأخرى، بل مات جدها في إحدى معسكرات النازي! وهو ما دفع «النائب» إلى الانسحاب من الجلسة رافضة سلوك الوزيرة!
أما «النائب» التقدمية براميلا جيابال، التي طلبت من الوزيرة الاعتذار لضحايا إبستين الذين كانوا في القاعة لأن وزارتها كشفت عن أسمائهم وبياناتهم بينما حجبت أسماء المتورطين، فقوبلت بامتناع الوزيرة عن الاعتذار وراحت تستخدم التكتيك الشمولي ذاته فشنت هجومًا شخصيًا على «النائب».
لكن كاميرات الصحافة التقطت وقتها اسم جيابال على ملف كان أمام الوزيرة مكتوب عليه «سجل بحث النائب جيابال»، فتبين لاحقا أن وزارة العدل كانت تراقب ما فعله كل نائب ممن اطلعوا بمقر الوزارة على وثائق إبستين الأصلية- قبل حجب الأسماء- واحتفظت بسجل المراقبة الذي كان أمام الوزيرة ويحتوى كل ملف فتحه النائب على كمبيوتر الوزارة وعدد الملفات التي قرأها!
وهو تكتيك شمولي آخر لم يمارس ضد مواطنين عاديين وإنما ضد نواب الكونجرس المنوط بهم دستوريًا الرقابة على المؤسسة التنفيذية.
السؤال هل بإمكان أمريكا بعد ترامب أن تعيد بناء ما تهدم؟ أم أن تصدُّع البنيان صار شرخا عميقًا يصعب رأبه؟ وهو سؤال يحتاج إلى مساحة منفصلة.
{ باحثة مختصة في
الشؤون الأمريكية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك