ليس من السهل أن نقيس أثر الشهور في حياتنا. فهناك أزمنة تمرُّ كأنها لم تكن، وأخرى تترك في القلب مساحة أوسع للسكينة، وتعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين.
هناك شهر، كل عام، تهدأ فيه الخطوات قليلًا، وتلين الأرواح، ويعود البيت إلى قلب الصورة، كأن الأيام تمنحنا فرصة جديدة لننظر إلى ما حولنا بعين أصفى.
وربما لهذا، كلما مرّ هذا الشهر الكريم، تعود إليّ صور من بيتنا القديم.
في طفولتي، كانت أمي، رحمة الله عليها، حاضرة في تفاصيل الشهر قبل أن أفهم معناه. وكان حضورها أوسع من المطبخ؛ في عبادتها الهادئة، وفي دعائها الخافت، وفي ما كانت تتصدّق به بصمت. صوتها في المطبخ، صبرها الطويل، وحركة البيت التي تتغيَّر بهدوء مع اقتراب الغروب.
كنت أتظاهر بأنني صائمة، وأتنقّل حول المطبخ بحذر طفولي، عيني على الباب، أراقب الحركة أكثر مما أراقب الوقت.
وكان للهريس دوره في هذه الذاكرة. رائحته كانت إعلان دخول الشهر قبل أي شيء آخر. يُترك القدر الكبير على نار هادئة ساعات، وأنا أقترب منه ثم أبتعد، أراقب ما تبقّى في قاعه. إذا سمعت حركة، مسحت فمي بسرعة وعدت إلى مكاني وكأن شيئًا لم يكن.
الدفء في تلك اللحظات العابرة التي تصنعها البراءة، وتترك في القلب أثرًا أطول من الوقت.
كبرتُ، وبقيت تلك التفاصيل تسكنني. في المنامة، في فريق الحطب تحديدًا حيث ترعرعت، وحيث كانت البيوت متجاورة، والأصوات تتنقّل بين الأزقة، والناس يعرفون بعضهم بأسمائهم وأيامهم. لم تكن الزيارة تحتاج موعدًا مثل الآن، ولا الحديث يحتاج تمهيدًا. يكفي أن تمرّ، فيناديك أحدهم باسمك، ويقدم لك القهوة، ومعها قطعة من حلوتنا البحرينية الأصيلة.
هناك تعلّمت باكرًا معنى القرب بين الناس، وأن الحياة تُصنع من هذه اللقاءات البسيطة التي تمرّ سريعًا وتترك أثرها.
هذا الإيقاع الإنساني لا يخص المنامة وحدها. تجده في كل مناطق البحرين، من المحرق إلى الدراز، ومن الرفاع إلى سترة. المجالس ما زالت مفتوحة، والموائد تمتدّ بهدوء، والوجوه تستقبل القادم بابتسامة صادقة.
الزائر والمقيم يُستقبلان بالطريقة نفسها، والحديث يمضي بلا تكلف، والناس يتشاركون الخبز والوقت والحكايات بشكل تلقائي. هذا الجو هو ما يمنح الشهر طابعه الخاص، ويجعل العلاقات أبسط، واللقاءات أسهل.
في مثل هذه الأجواء، يصبح للكلمة وزن مختلف. ويضع لنا القرآن الكريم قاعدة بسيطة للعلاقة مع الناس: «وقولوا للناس حُسنا».
عبارة قصيرة، تحمل داخلها معنى أوسع. كيف نخاطب بعضنا، كيف نختلف، كيف نحفظ كرامة من أمامنا حتى حين لا نتفق معه. الآية الكريمة (وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا) تفتح المعنى على لقاء إنساني أوسع. التعارف هنا مساحة اعتراف متبادل، ورغبة صادقة في فهم الآخر كما هو.
وسط هذا الصفاء، يعود السؤال بهدوء: ماذا نترك خلفنا؟ أحيانًا لا يكون الجواب كبيرًا؛ يكفي أثر طيب يبقى في القلب، ولقاء صادق، وذكريات صغيرة ترافق الناس بعد أن نمضي.
إعمار الأرض يبدأ من هذه التفاصيل اليومية، من الكلمات، من المواقف الصغيرة، ومن المساحات التي نخلقها ليشعر الجميع بالأمان. هكذا يتكوّن المجتمع، خطوة بعد خطوة.
موائد الرحمن جزء جميل من هذا الجو. فيها كرم، وفيها رغبة صادقة في المشاركة. ومع كثرة المبادرات، ربما يكون من المفيد التفكير بهدوء في توحيد بعض الجهود من خلال صندوق وطني اجتماعي قائم على العمل الأهلي والتطوعي، يُوجَّه إلى دعم هذه الموائد وتنظيمها، بحيث يصل الخير إلى أكبر عدد ممكن، وتستمر المبادرات بروح جماعية أكثر، ودون تبذير أو إسراف.
ويمكن أن يمتد هذا الدعم أيضًا إلى مبادرات إنسانية من نوع آخر، بحسب احتياجات الناس، ليبقى العطاء حاضرًا بأشكال متعددة. فكرة بسيطة، يمكن أن تعزّز أثر العطاء وتمنحه امتدادًا أوسع.
وأنا أستعيد صورة أمي عند الموقد، وبقايا الهريس في قاع القدر، وأصوات الأطفال حولها، أفهم اليوم كيف كانت تلك اللحظات دروسًا مبكرة في معنى المشاركة، وفي جمال القرب، وفي بساطة العيش.
قد لا نقدر أن نعيد الأيام كما كانت، لكننا نستطيع أن نحفظ روحها، وأن نحمل هذه القيم معنا أينما ذهبنا.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك