في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، يبرز الموقف البريطاني كأحد أكثر المواقف المثيرة للجدل في العلاقات الدولية. فعلى الرغم من إدراك الحكومة البريطانية للواقع المأساوي الذي يعانيه الشعب الفلسطيني، فإن ردود فعلها تجاه إسرائيل بدت مترددة وغير حاسمة. إن تصريحات وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني، هاميش فالكونر، تسلط الضوء على هذه الازدواجية، حيث يتحدث عن العلاقة «المتوترة» مع إسرائيل بينما يواصل دعم حكومته تحالفها مع حكومة نتنياهو التي تمارس السياسات المدمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
إن الضعف الأخلاقي الذي يظهر في غياب أي عواقب حقيقية ضد إسرائيل يتوازى مع الخطاب المستمر لصانعي القرار في الحكومة البريطانية. ومن اللافت أنه بينما صنّف المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية بأنها «نظام فصل عنصري»، صرّح وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني، هاميش فالكونر، بأن حكومته «لا ترغب في علاقة سيئة مع إسرائيل»، مما يقلل من شأن جرائم الحرب المرتكبة ضد الفلسطينيين والمنطقة بشكل عام.
تواصل الحكومات الغربية تواطؤها في القتل الجماعي والتدمير الذي يلحق بالفلسطينيين في غزة والضفة الغربية المحتلة، وهو ما اعترفت به اللجنة الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة كإبادة جماعية في سبتمبر 2025. ولم يتوقف هذا التواطؤ بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر من العام الماضي. بل على العكس، استمر الغطاء الدبلوماسي، الدعم الاقتصادي، والإمدادات العسكرية كما كانت، أو استؤنفت بعد فترة قصيرة من التوقف. على سبيل المثال، استؤنفت مبيعات الأسلحة الألمانية إلى إسرائيل في نوفمبر 2025، وهو ما نددت به إريكا غيفارا-روساس، المديرة الأولى للبحوث والمناصرة في منظمة العفو الدولية، حيث وصفت ذلك بأنه «تبعث برسالة خاطئة تمامًا إلى إسرائيل» مفادها أنه يمكنها «الاستمرار في ارتكاب الإبادة الجماعية، وإطلاق صيحات الحرب، وممارسة الفصل العنصري من دون خوف من العواقب».
منذ أكتوبر 2023، وحتى قبل ذلك، أثبتت الأحداث كيف يمكن لإسرائيل أن تتصرف بلا رادع، ليس فقط بانتهاك حقوق الفلسطينيين بل بتجاهل القانون الدولي بشكل صارخ، وذلك دون أي مساءلة أو تحقيق العدالة.
في نهاية 2025 وبداية 2026، يظهر استمرار هذا الوضع في ردود الفعل المترددة من عديد من الدول الغربية، بما فيها بريطانيا، تجاه تحالف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يواصل توسيع المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية المحتلة، فضلاً عن حظر 37 منظمة إغاثة غير حكومية، مثل لجنة الإنقاذ الدولية، منظمة أكشن إيد، وأطباء بلا حدود، من تقديم المساعدات للفلسطينيين المحتاجين.
وفي كلمته في المؤتمر السنوي لحركة العمل اليهودية في 11 يناير 2026، قال فالكونر إن «العلاقة البريطانية الإسرائيلية المتوترة إلى هذا الحد تشكل مصدر ألم حقيقي له شخصياً»، رافضًا مناقشة كيفية ارتباط هذا الموقف بانتهاكات إسرائيل للقانون الدولي أو حملتها المستمرة للإبادة الجماعية. رغم ذلك، أكد وزير الخارجية البريطاني تفضيله «علاقة أوثق بكثير» مع ائتلاف نتنياهو، مما يظهر بوضوح استعداد الحكومة البريطانية للتواطؤ في جرائم الحرب ضد الفلسطينيين.
من المهم الإشارة إلى أن تصريحات فالكونر في المؤتمر تتناقض بشكل كبير مع تصريحاته أمام مجلس العموم البريطاني في 6 يناير 2026، حيث اعترف بأن الوضع الإنساني في غزة «مأساوي»، وأن إسرائيل لا تزال تحظر مرور المساعدات الإنسانية، وتغلق المعابر، وتمنع المنظمات غير الحكومية من تقديم الأدوية والغذاء والمأوى للمدنيين الفلسطينيين.
وبينما أدان المبعوث الرئيسي لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية البريطانية حظر إسرائيل للمنظمات غير الحكومية ووصفه بأنه «غير مبرر»، ومنع المساعدات الإنسانية مثل الطعام والمأوى ووصفه بأنه «غير مقبول»، أكد في نفس الوقت في حديثه مع مارك سيواردز، رئيس مجموعة أصدقاء إسرائيل العمالية في البرلمان البريطاني، أن حكومة السير كير ستارمر لا تزال تسعى إلى «إقامة علاقة جيدة مع إسرائيل».
يجب أن نُدرك أن تصريحات فالكونر جزء من فشل أوسع للحكومة البريطانية في احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان. بدلاً من الاستجابة للغضب الشعبي بشأن استمرار صادرات الأسلحة إلى إسرائيل – حيث أضافت حملة مناهضة تجارة الأسلحة أن «أشكالًا أخرى من التعاون العسكري»، مثل طائرات إف-35 المقاتلة، استمرت بلا انقطاع منذ أكتوبر 2023 — تركزت الحكومة على قمع النشاط المؤيد للفلسطينيين في المملكة المتحدة من خلال حظر جماعة «فلسطين أكشن» بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، مما أسفر عن أكثر من 1600 عملية اعتقال.
ورغم أن بريطانيا دولة موقعة على نظام روما الأساسي، وبالتالي ملزمة بتنفيذ أوامر المحكمة الجنائية الدولية، فإن الحكومة البريطانية قد رفضت الدفاع عن نزاهة المحكمة في مواجهة حملة ترهيب منسقة من قبل إدارة ترامب بعد إصدار مذكرة توقيف دولية بحق نتنياهو في نوفمبر 2024.
كما أنه لم يتم تأكيد تسليم رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى لاهاي في حال سفره إلى بريطانيا. وأجاب ستارمر على سؤال حول ما إذا كانت الحكومة ستسلم المسؤولين الإسرائيليين المطلوبين للعدالة الدولية بتلقيه رئيس إسرائيل إسحاق هرتسوغ في سبتمبر 2025.
كما استمرت الحكومة البريطانية في عدم اتخاذ موقف قوي ضد احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية وضمها. بعد أن وافق ائتلاف نتنياهو على بناء 19 مستوطنة غير شرعية جديدة في الضفة الغربية المحتلة، كانت بريطانيا من بين 14 دولة، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا وكندا، التي رفضت هذا الإجراء، معتبرة أنه «ليس فقط انتهاك للقانون الدولي» بل أيضًا «يهدد بتأجيج عدم الاستقرار». ومع ذلك، فإن هذا النقد تضاءل في ضوء رفض الحكومة البريطانية الامتثال لحكم محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، الذي طالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي فورًا وعدم جواز مساعدة الدول الأخرى له.
كما أن ممثل المملكة المتحدة قد امتنع عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول حكم محكمة العدل الدولية، معتبراً أنه لم يُقدّم «وضوحًا كافيًا» بشأن حل الدولتين. في الوقت نفسه، رفضت الحكومة اتخاذ أي إجراءات ضد الشركات والبنوك البريطانية التي ساعدت في تدمير الممتلكات الفلسطينية واحتلال الأراضي من قبل الجيش الإسرائيلي، مثل شركة جي سي بي، التي تُستخدم آلاتها في هدم المباني والمحاصيل، وبنك باركليز، الذي قدم قروضًا وخدمات تزيد على 18 مليار دولار لشركات مرتبطة بالمستوطنات بين عامي 2021 و2024. وهذا يوضح أن الحكومة البريطانية لا تنوي اتخاذ أي إجراءات ضد إسرائيل بشأن توسيع المستوطنات غير القانونية. ففي 8 يناير 2026، دعا المبعوث التجاري للحكومة البريطانية إلى استئناف المحادثات التجارية مع إسرائيل، وهو ما لم يستبعده فالكونر في المؤتمر، مع تأكيد أنه «قد يُعاد النظر» في الأمر بعد الانتخابات الإسرائيلية في 2026.
ورغم أن الحكومة البريطانية لا تزال مصممة على الشراكة مع إسرائيل، والتواطؤ المباشر في الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين، يواصل البرلمانيون في وستمنستر المطالبة باتخاذ إجراءات لمحاسبة إسرائيل. فعلى سبيل المثال، في ردها على تصريحات فالكونر أمام مجلس العموم في 6 يناير، نددت ميلاني وارد، النائبة العمالية عن دائرة كودنبيث وكيركالدي الاسكتلندية، بتصريحات الحكومة البريطانية التي «أثبتت خلال العامين الماضيين أن كلمات الحكومة لا تؤثر في سلوك إسرائيل». وتساءلت وارد عن متى ستتخذ المملكة المتحدة إجراءات حقيقية لمعاقبة المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في الحظر غير القانوني على المنظمات الإنسانية. كما تساءل عمران حسين، عضو حزب العمال عن دائرة برادفورد الشرقية، عن متى ستعلن الحكومة البريطانية «إجراءات فعّالة وملموسة»، مثل وقف مبيعات الأسلحة وفرض عقوبات واسعة النطاق على إسرائيل، على غرار العقوبات المفروضة على روسيا بسبب جرائم الحرب في أوكرانيا.
ورغم ذلك، أظهرت الحكومة البريطانية، من خلال تعنتها في هذا الشأن، تجاهلًا للمطالبات المتزايدة، حيث رفض فالكونر «التعليق أكثر على العقوبات»، واكتفى بالقول إن الحكومة البريطانية «ستواصل طرح الأسئلة الملحة التي تواجه الشعب الفلسطيني».
رغم أن الحكومة البريطانية اعترفت رسميًا بفلسطين في سبتمبر 2025، مما سهل افتتاح سفارة فلسطينية في لندن، فإن المعاناة المستمرة للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية لا تزال تتواصل تحت إشراف الحكومة البريطانية. وفي الوقت الذي تستمر فيه المملكة المتحدة بتصدير الأسلحة والتمويل إلى إسرائيل، تستمر انتهاكات حقوق الإنسان ضد المدنيين الفلسطينيين. آخر مثال على ذلك هو ما نشرته صحيفة الغارديان حول إبلاغ وزارة الداخلية البريطانية باسم أبو دقة، الأكاديمي الفلسطيني في جامعة يورك سانت جون، بأنه لا يوجد سبب «مقنع بما فيه الكفاية» لإجلاء أسرته من غزة. وقد نددت سارة كرو، المحامية في حقوق الإنسان في شركة لي داي بلندن، بهذا الإجراء ووصفته بأنه «غير قانوني بشكل واضح».
ورغم الاعتراف البريطاني المتأخر بفلسطين، كتبت البروفيسور كريستوفر فيليبس، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تشاتام هاوس، أن المزيد من عمليات الضم الإسرائيلية لغزة أو الضفة الغربية قد تجبر الحكومة البريطانية على «التحرك»، لكن هذه التحركات ستكون على الأرجح «غير فعالة دبلوماسيًا». في النهاية، تبقى المشكلة الأساسية في الحكومة البريطانية هي غياب الإرادة الأخلاقية والسياسية في اتخاذ موقف حاسم، وهو ما لا يزال غائبًا وسط التصعيد المستمر للعدوان الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.
مع بداية عام 2026، تظل بريطانيا في موقفٍ يُظهر افتقارًا كبيرًا للإرادة السياسية والأخلاقية في مواجهة تصعيد العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين. هذه السياسة المترددة والتي تفتقر إلى المحاسبة الفعلية تمثل واحدة من أبرز الإشكاليات في السياسة الخارجية البريطانية، حيث تتجاهل الحكومة البريطانية حقوق الإنسان والقانون الدولي رغم المطالب المتزايدة من البرلمانيين والمجتمع المدني. وفيما تتواصل الممارسات الإسرائيلية الوحشية، يبدو أن موقف الحكومة البريطانية يظل غارقًا في التناقضات، مما يبرز حقيقة غياب الإرادة الحاسمة التي من شأنها أن تضع حدًا لهذا الظلم المستمر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك