أعلنت الجمعية العامة في دورتها الثالثة والستين لعام 2007م اعتماد يوم 20 فبراير يومًا عالميًا للعدالة الاجتماعية في دعوة واضحة إلى تبني الإجراءات والتدابير اللازمة لاحترام جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية بما يسهم في تحقيق التنمية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية لما لهما من أهمية في بناء مجتمعات أكثر أمنًا وسلامًا. وتعرف اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأيسكوا) العدالة الاجتماعية بأنها مفهوم يهدف إلى تحقيق الإنصاف وتقليل عدم اللامساواة داخل المجتمع، فالعدالة الاجتماعية هنا لا تعني المساواة المطلقة بل تعني العمل على إزالة العوائق التي تمنع بعض الفئات من الوصول إلى الحقوق الأساسية ولتحقيق العدالة الاجتماعية يجب توفير مجموعة من العناصر الأساسية مثل الضمان الاجتماعي والعدالة بين الأجيال والتوزيع العادل للموارد والأعباء والمساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص. ومن خلال هذا التعريف الموجز يمكن القول إن قضايا المرأة تعد معيارًا أساسيا لقياس العدالة الاجتماعية في أي مجتمع فالمرأة شريك رئيسي في المجتمع وليست فئة على هامش التنمية. وهذا ما تؤكده الأدبيات الحديثة التي تنظر إلى حقوق المرأة بوصفها عنصرًا محوريًا لتحقيق العدالة الاجتماعية فعندما تحصل المرأة على حقوقها في التعليم والعمل والحماية الاجتماعية والقدرة على المشاركة سوف ينعكس ذلك إيجابًا على المجتمع ككل. ولكن التحدي الأكبر عالميًّا ليس في غياب التشريعات بل في الفجوة بين النصوص والتطبيقات.
ومن هذا المنطلق تبرز مسيرة مملكة البحرين التنموية كنموذج رائد حيث انتقلت المملكة بمفهوم العدالة الاجتماعية من مفهوم إلى منظومة مؤسسية تدرك أن العدالة الاجتماعية للمرأة لا تتحقق بقرار منفصل أو حملات موسمية بل تحتاج إلى رؤية وطنية وآليات تنفيذ وحوافز مجتمعية. وفي هذا السياق تبرز مجموعة من العناصر الأساسية في تجربة مملكة البحرين:
أولاً: التشريعات والقوانين: تعد المنظومة التشريعية والقانونية في البحرين عنصرًا رئيسًا في تحقيق العدالة الاجتماعية وتشمل المنظومة الدستور البحريني الذي ضمن حقوق المواطنين من دون تمييز، إلى جانب ميثاق العمل الوطني الذي يحتفل به في 14 فبراير من كل عام والذي فتح الباب أمام العمل السياسي والاجتماعي للمرأة وقد بلغت نسبة مشاركة المرأة في التصويت على الميثاق نحو 49% وهو ما يعكس إيمانًا قويًا بدور المرأة في الحياة العامة، كما تسهم القوانين والتشريعات ذات الصلة بحماية المرأة مثل قانون الأسرة وقانون الحماية من العنف الأسري في تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي للمرأة.
ثانيًا: المجلس الأعلى للمرأة الذي يعد أحد أهم الأطر الوطنية التي تقود سياسات تمكين المرأة في البحرين ومن منظور العدالة الاجتماعية يسهم المجلس في تحويل تمكين المرأة من مجرد فكرة أو رغبة إلى استراتيجيات وطنية من خلال دعم التشريعات وتطوير الخطط وتعزيز حضور المرأة في مواقع صنع القرار، فوفقا لمفهوم العدالة الاجتماعية وجود مؤسسة وطنية تتبنى ملف تمكين المرأة يعكس إدراكًا وطنيًا بأن المساواة وتكافؤ الفرص لا يتحققان تلقائيًا بل يحتاجان إلى إرادة سياسية ومؤسسية تضمن تغييرًا تدريجيًا ومستدامًا وهو ما يقوم به المجلس الأعلى للمرأة.
ثالثًا: لجان تكافؤ الفرص: تعد مملكة البحرين رائدة في إنشاء لجان تكافؤ الفرص في الوزارات والمؤسسات الحكومية والخاصة والتي تسهم في خلق بيئة عمل عادلة تمنع التمييز. وبذلك تنقل هذه اللجان بمفهوم العدالة الاجتماعية إلى مستوى التطبيق داخل المؤسسات، فالتمييز ضد المرأة عالميًا لا يظهر غالبًا في صورة قوانين صريحة بل في صورة ممارسات إدارية مثل معايير الترقية وسياسات التوظيف وبيئة العمل، وهنا يأتي دور لجان تكافؤ الفرص التي تعمل على مراجعة السياسات الداخلية في المؤسسات المختلفة لضمان أن تكون الفرص متاحة على أساس الكفاءة لا على أساس النوع الاجتماعي وبذلك تتسق أعمال هذه اللجان مع مفهوم العدالة الاجتماعية.
رابعًا: جائزة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة لتمكين المرأة: تلعب الجائزة دورًا مكملاً لمنظومة العدالة الاجتماعية فهي ليست مجرد احتفاء رمزي بل تسهم في تحفيز المؤسسات في القطاعين العام والخاص لتبني سياسات تمكين المرأة ضمن بيئة العمل مما يجعل تمكين المرأة جزءًا من التنافسية المؤسسية المحركة للاقتصاد والإنتاج الوطني.
عند جمع هذه العناصر الإطار القانوني (الدستور والميثاق)، المؤسسة الوطنية (المجلس الأعلى)، آليات التنفيذ (لجان تكافؤ الفرص)، وحوافز الاستدامة (جائزة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة) نجد أن مملكة البحرين قدمت نموذجًا متكاملاً ينتقل بالعدالة الاجتماعية من مرحلة تمكين المرأة إلى مرحلة ترسيخ النتائج.
ختامًا إن العدالة الاجتماعية ليست مفهومًا منفصلاً عن قضايا المرأة بل إن تمكين المرأة يعد أحد أكثر المؤشرات وضوحًا على تحقيق العدالة الاجتماعية في أي مجتمع.
{ باحثة في دراسات المرأة.
mayalsyoof@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك