العدد : ١٧٥٠٢ - الأحد ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٢ - الأحد ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

مملكة البحرين والعدالة الاجتماعية.. قصة نجاح يقودها تمكين المرأة

بقلم: مي خالد السيوف

السبت ٢١ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

أعلنت‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬دورتها‭ ‬الثالثة‭ ‬والستين‭ ‬لعام‭ ‬2007م‭ ‬اعتماد‭ ‬يوم‭ ‬20‭ ‬فبراير‭ ‬يومًا‭ ‬عالميًا‭ ‬للعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬دعوة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬الإجراءات‭ ‬والتدابير‭ ‬اللازمة‭ ‬لاحترام‭ ‬جميع‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والحريات‭ ‬الأساسية‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التنمية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لما‭ ‬لهما‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مجتمعات‭ ‬أكثر‭ ‬أمنًا‭ ‬وسلامًا‭. ‬وتعرف‭ ‬اللجنة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لغربي‭ ‬آسيا‭ (‬الأيسكوا‭) ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بأنها‭ ‬مفهوم‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬الإنصاف‭ ‬وتقليل‭ ‬عدم‭ ‬اللامساواة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬فالعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬المساواة‭ ‬المطلقة‭ ‬بل‭ ‬تعني‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬إزالة‭ ‬العوائق‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬بعض‭ ‬الفئات‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحقوق‭ ‬الأساسية‭ ‬ولتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬يجب‭ ‬توفير‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬الأساسية‭ ‬مثل‭ ‬الضمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والعدالة‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬والتوزيع‭ ‬العادل‭ ‬للموارد‭ ‬والأعباء‭ ‬والمساواة‭ ‬وعدم‭ ‬التمييز‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬التعريف‭ ‬الموجز‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة‭ ‬تعد‭ ‬معيارًا‭ ‬أساسيا‭ ‬لقياس‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مجتمع‭ ‬فالمرأة‭ ‬شريك‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وليست‭ ‬فئة‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬التنمية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تؤكده‭ ‬الأدبيات‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬حقوق‭ ‬المرأة‭ ‬بوصفها‭ ‬عنصرًا‭ ‬محوريًا‭ ‬لتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬فعندما‭ ‬تحصل‭ ‬المرأة‭ ‬على‭ ‬حقوقها‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والعمل‭ ‬والحماية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬سوف‭ ‬ينعكس‭ ‬ذلك‭ ‬إيجابًا‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬ككل‭. ‬ولكن‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬عالميًّا‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬التشريعات‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬النصوص‭ ‬والتطبيقات‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬تبرز‭ ‬مسيرة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬التنموية‭ ‬كنموذج‭ ‬رائد‭ ‬حيث‭ ‬انتقلت‭ ‬المملكة‭ ‬بمفهوم‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬مؤسسية‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمرأة‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬بقرار‭ ‬منفصل‭ ‬أو‭ ‬حملات‭ ‬موسمية‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬وطنية‭ ‬وآليات‭ ‬تنفيذ‭ ‬وحوافز‭ ‬مجتمعية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تبرز‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭:‬

أولاً‭: ‬التشريعات‭ ‬والقوانين‭: ‬تعد‭ ‬المنظومة‭ ‬التشريعية‭ ‬والقانونية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬عنصرًا‭ ‬رئيسًا‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتشمل‭ ‬المنظومة‭ ‬الدستور‭ ‬البحريني‭ ‬الذي‭ ‬ضمن‭ ‬حقوق‭ ‬المواطنين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تمييز،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬يحتفل‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬14‭ ‬فبراير‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬والذي‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬للمرأة‭ ‬وقد‭ ‬بلغت‭ ‬نسبة‭ ‬مشاركة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬الميثاق‭ ‬نحو‭ ‬49%‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬إيمانًا‭ ‬قويًا‭ ‬بدور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬كما‭ ‬تسهم‭ ‬القوانين‭ ‬والتشريعات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بحماية‭ ‬المرأة‭ ‬مثل‭ ‬قانون‭ ‬الأسرة‭ ‬وقانون‭ ‬الحماية‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬شبكة‭ ‬الأمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للمرأة‭. ‬

ثانيًا‭: ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للمرأة‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأطر‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬سياسات‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬يسهم‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬فكرة‭ ‬أو‭ ‬رغبة‭ ‬إلى‭ ‬استراتيجيات‭ ‬وطنية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دعم‭ ‬التشريعات‭ ‬وتطوير‭ ‬الخطط‭ ‬وتعزيز‭ ‬حضور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬صنع‭ ‬القرار،‭ ‬فوفقا‭ ‬لمفهوم‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وجود‭ ‬مؤسسة‭ ‬وطنية‭ ‬تتبنى‭ ‬ملف‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬يعكس‭ ‬إدراكًا‭ ‬وطنيًا‭ ‬بأن‭ ‬المساواة‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬لا‭ ‬يتحققان‭ ‬تلقائيًا‭ ‬بل‭ ‬يحتاجان‭ ‬إلى‭ ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬ومؤسسية‭ ‬تضمن‭ ‬تغييرًا‭ ‬تدريجيًا‭ ‬ومستدامًا‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للمرأة‭. ‬

ثالثًا‭: ‬لجان‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭: ‬تعد‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬رائدة‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬لجان‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬في‭ ‬الوزارات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬والخاصة‭ ‬والتي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬عادلة‭ ‬تمنع‭ ‬التمييز‭. ‬وبذلك‭ ‬تنقل‭ ‬هذه‭ ‬اللجان‭ ‬بمفهوم‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التطبيق‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات،‭ ‬فالتمييز‭ ‬ضد‭ ‬المرأة‭ ‬عالميًا‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬غالبًا‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬قوانين‭ ‬صريحة‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬ممارسات‭ ‬إدارية‭ ‬مثل‭ ‬معايير‭ ‬الترقية‭ ‬وسياسات‭ ‬التوظيف‭ ‬وبيئة‭ ‬العمل،‭ ‬وهنا‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬لجان‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬مراجعة‭ ‬السياسات‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬المختلفة‭ ‬لضمان‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الفرص‭ ‬متاحة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الكفاءة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وبذلك‭ ‬تتسق‭ ‬أعمال‭ ‬هذه‭ ‬اللجان‭ ‬مع‭ ‬مفهوم‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬

رابعًا‭: ‬جائزة‭ ‬صاحبة‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأميرة‭ ‬سبيكة‭ ‬بنت‭ ‬إبراهيم‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬لتمكين‭ ‬المرأة‭: ‬تلعب‭ ‬الجائزة‭ ‬دورًا‭ ‬مكملاً‭ ‬لمنظومة‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬احتفاء‭ ‬رمزي‭ ‬بل‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تحفيز‭ ‬المؤسسات‭ ‬في‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭ ‬لتبني‭ ‬سياسات‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬ضمن‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬التنافسية‭ ‬المؤسسية‭ ‬المحركة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬والإنتاج‭ ‬الوطني‭.‬

عند‭ ‬جمع‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬الإطار‭ ‬القانوني‭ (‬الدستور‭ ‬والميثاق‭)‬،‭ ‬المؤسسة‭ ‬الوطنية‭ (‬المجلس‭ ‬الأعلى‭)‬،‭ ‬آليات‭ ‬التنفيذ‭ (‬لجان‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭)‬،‭ ‬وحوافز‭ ‬الاستدامة‭ (‬جائزة‭ ‬صاحبة‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأميرة‭ ‬سبيكة‭ ‬بنت‭ ‬إبراهيم‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭) ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬قدمت‭ ‬نموذجًا‭ ‬متكاملاً‭ ‬ينتقل‭ ‬بالعدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬ترسيخ‭ ‬النتائج‭. ‬

ختامًا‭ ‬إن‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ليست‭ ‬مفهومًا‭ ‬منفصلاً‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬يعد‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬المؤشرات‭ ‬وضوحًا‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مجتمع‭.‬

 

{ ‭ ‬باحثة‭ ‬في‭ ‬دراسات‭ ‬المرأة‭.‬

mayalsyoof@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا