زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
بؤس في المدارس والمكاتب
لسنا أغبياء، وعقولنا ليست عاجزة عن الابتكار والاختراع والاكتشاف، ولكننا «متخلفون» في تلك المجالات، وأعتقد أن أكبر ما يتسبب في تخلفنا الاقتصادي والسياسي والعلمي، هو نظامنا التعليمي المهلهل الذي لا يشجع على النقاش وطرح الأسئلة ولا يسمح بالتجربة والخطأ، فكل ما هو مكتوب في كتب التاريخ والجغرافيا والأدب «منزّل» في نظر واضعي المناهج والموجهين والمدرسين. ففي الكهرباء - مثلا - ينص قانون «أوم» على ما يلي: التيار الذي يسري عبر البطيخ يصير كيت وكيت، و«التيار يتناسب طرديًا مع الجهد وعكسيًا مع المقاومة». وعليك ان تحفظ نص القانون، وإلا «تجيب لنفسك الكلام». وفي كل المواد الأكاديمية تعطى نصوص سخيفة سيئة الصوغ «قدسية» غير مستحقة، وعلى طالب العلم حفظ تلك النصوص عن ظهر قلب، فإذا قال الكتاب المدرسي ان قول الشاعر تأبط شرا: عاري الظنابيب ممتد نواشزه/ مدلاج أدهم واهي الماء غساق، هو أجمل ما قيل في وصف الناقة، فعلى الطالب ان يتقبل ذلك، رغم أنه مثلي لا يعرف ما إذا كان بيت الشعر هذا بالعربية ام بالأوردو! ولا يعرف كيف استنتج شارحو هذا البيت أنه يتكلم عن الناقة رغم أنه لم يذكرها بأي من أسمائها الكثيرة المعروفة: جمل، ناقة، بعير، جدعة، بنت لبون، حاشي وع الماشي!!
أما خارج مجال التعليم فمصيبتنا تكمن في سوء وبؤس الإدارة. سوء إدارة كل شيء وكل مرفق. في كل وزارة وإدارة ومؤسسة وهيئة ومرفق مجموعة من الأشخاص القيافة الذين لا يحسنون حتى «تدوير» مروحة يتولون تصريف أمور كلفتها مئات الملايين. وقرأت مؤخرا عرضا لكتاب طريف وجاد للبريطاني إيان ديرستن، وكان وقتها في السابعة والثلاثين وأحد كبار مديري شركة إيرباص العملاقة لصنع الطائرات، يقول ديرستن إنه أدرك أنه محدود التجربة مقارنة بالمخضرمين من حوله الذين شغلوا وظائف رفيعة في شركات مختلفة ونالوا خبرات عالية ومفيدة. ثم انتبه الى أنه كأب لثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم ما بين السابعة والسنتين، يتعلم من أطفاله أولئك بعضا من أهم فنون الإدارة. مثلا كان أصغر أبنائه يلعب ذات يوم بمطرقة بلاستيكية وهوى بها على أصبعه فنطق بكلمة نابية. يقول ديرستن إنه يحرص على عدم التلفظ بعبارات غير لائقة أمام عياله، ولكنه كان متأكدا ان ولده التقط تلك الكلمة النابية منه. هكذا تتشابك الخطوط بين دور الأب ودور المدير او «رئيس العمل». مظهرك العام وكل ما تفعله يكون تحت المراقبة ويجاريه الصغار عيالا كانوا أم موظفين بمنطق «إذا كان رب البيت يضرب الدف، فكل من حوله يجعلون شعارهم: هز يا وز».. يعني إذا كنت كبير البيت او العمل فإنه حتى تصرفاتك التي تتمنى ألا يلحظها أحد تجد من يرصدها ويجاريها. ذات مرة اكتشفت أن أشياء كانت مخزونة في سطح بيتنا محترقة، وبعدها بسنوات اعترف أكبر أبنائي بأنه سرق مني سيجارة وأشعلها في سطح البيت وشفط منها شفطة واحدة جعلته يصاب بسعال ديكي فرمى بها أرضا وهرب. فكان الحريق المحدود الذي لم نحس به لحظتها. وكانت بنتي مروة تكره المدرسة وتتفنن في التغيب عنها، والتهرب من أداء الواجبات المدرسية.. وهي في الصف الثاني الابتدائي كانت مثلا تقول إن مدرسة اللغة العربية غائبة عن المدرسة منذ أسبوع. لماذا؟ لأن رجليها ورقبتها انكسرت في حادث سيارة. وبعدها بيوم تقول ان مدرسة الرياضيات ماتت.. في يوم آخر تقول انها لن تذهب الى المدرسة لأن مبانيها سقطت وتعرضت سبع مدرسات لإصابات جسيمة، (لاحظ سقوط المباني من دون سقوط ضحايا بين التلميذات)، وبعد ان طفح بي الكيل زجرتها ونهيتها عن الكذب، فأخرستني: كل ما التليفون يرن أنت تقول «إذا سأل عني أحد قولوا له إنني مريض.. مسافر.. مت من يومين»، المهم سحبتها من تلك المدرسة فـ«استقامت».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك