زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
عطلونا يرحمكم الله
قبل عصر الخلافة «الراشدة» في السودان والتي بدأت باستيلاء الجبهة الإسلامية على الحكم في منتصف عام 1989، كانت هناك بحبحة نسبية في أمور العيش والتعليم والصحة، وبحبحة في العطل العامة، ومن بينها عطلة شم النسيم والكريسماس، ثم تذكروا بعد سنوات أنها أعياد نصارى وقاموا بإلغائها
في دول الاتحاد الأوربي هناك 11 عطلة عامة ثابتة خلال السنة، ما أصاب البريطانيين بعقدة «التخلف» لأن عدد عطلهم العامة السنوية ثمانية فقط، ومن ثم تم تكليف لجنة حكومية لتحديد التوقيت المناسب لعطلة تاسعة على ان تكون ما بين أغسطس وديسمبر لأن الناس يعملون زهاء 111 يوما متصلة (مساكين) ما بين آخر عطلة عامة في أغسطس وعطلة الكريسماس في الأسبوع الأخير من ديسمبر. يعني واحدة من أكثر بلدان العالم رفاها وبحبحة وإنتاجية ترى أنه لا يجوز حمل إنسان على العمل لأكثر من شهرين متصلين، وبالمقابل فإن معظم الدول العربية لا تعرف سوى عطلة عيدي الفطر والأضحى، و.... ربما اليوم الوطني (الاستقلال)، وفي البلدان المحكومة بأنظمة انقلابية «عيد الثورة». يعني الفضل في تمتع معظم المواطنين العرب بيوم عطلة في غير العيدين يعود الى الاستعمار، فلولا أنه حكم بلداننا، ثم تركها، لما صار يوم الاستقلال عطلة عامة.
في جميع دول العالم المتقدمة اقتصاديا، يحترمون حقوق العاملين ويفتعلون المناسبات ويجعلون من وقائع عامة ووطنية «حجة» لمنح الناس بضعة أيام من الراحة مدفوعة الأجر.
والمسألة لا تتعلق فقط بأن الإجازات تجدد النشاط وتكسر رتابة الحياة العملية، بل بأن الناس بحاجة الى وقت فراغ يكرسونه لتعزيز وتمتين الحياة العائلية. وفي زماننا هذا صار هناك عدد كبير من الناس لا يتسنى لهم قط تناول وجبة مع بقية أفراد العائلة إلا في عطلة نهاية الأسبوع، وحتى هذه العطلة قد لا تسمح للكثيرين بالاندماج في برنامج منزلي عائلي لأن هناك مجاملات «واجبة» تستنزفها: فتقديم العزاء لفلان الذي توفي أباه يوم الثلاثاء، وزيارة علان في المستشفى الذي دخله قبل خمسة أيام وفحص السيارة لدى الميكانيكي، إلخ. كلها يجب ان تتم (عندنا) ما بين مسائي الخميس ويومي الجمعة والسبت.
وأرباب العمل والحكومات عندنا يعتقدون ان الإجازات «دلع فاضي» ومضيعة للوقت والإنتاج!! أي إنتاج وأي بطيخ الله يهديكم؟ أذكر نتائج مسح ميداني في السعودية قبل سنوات قلائل أفادت خلاصته بأن متوسط ساعات العمل اليومي الفعلية للموظف لا تتجاوز الساعتين. وهذا الرقم غير دقيق لأنه يحسب بنفس الطريقة التي يحسب بها متوسط دخل الفرد، فإذا قالوا ان متوسط دخل الفرد في بلد عربي ما 3 آلاف دولار في السنة فإن هذا لا ينفي ان دخل الفرد الفعلي لأكثر من نصف سكان ذلك البلد لا يزيد على 300 دولار في السنة، بينما هناك بضعة آلاف في نفس البلد يبلغ دخلهم الشهري أكثر من 300000 دولار، وفي بيئات العمل هناك عشرة أشخاص بين كل مائة يعملون بجد نحو ست ساعات يوميا، بينما التسعون الآخرون موظفو ترانزيت يدخلون ويخرجون من دون «إقامة» في مكان العمل. وعند حساب المتوسط نجمع جهد المجتهدين مع «جهد» الخاملين ونوزعه عليهم بالتساوي!
وأقول بكل ثقة: إن خفض ساعات العمل من 8 الى 6 ساعات يوميا قد يؤدي الى زيادة الإنتاجية وخاصة في القطاع الحكومي. فتطويل ساعات العمل يغري بالتسيب، وتأجيل عمل السابعة من صباح يوم الإثنين إلى الثانية من بعد ظهر يوم الثلاثاء المقبل!
وقد يعتبر البعض شططا في قولي: ان منح العاملين عطلا عامة عديدة خلال السنة حق أساسي من حقوق العمل التي هي من حقوق الإنسان.. ولكنني متأكد من أن ممارسة هذا الحق لا يهدد الأمن العام أو الوحدة الوطنية، ولن يؤخر استقلال فلسطين، فلماذا تحرموننا منه؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك