العدد : ١٧٤٩٣ - الجمعة ١٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٣ - الجمعة ١٣ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ شعبان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عطلونا يرحمكم الله

قبل‭ ‬عصر‭ ‬الخلافة‭ ‬‮«‬الراشدة‮»‬‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬والتي‭ ‬بدأت‭ ‬باستيلاء‭ ‬الجبهة‭ ‬الإسلامية‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬عام‭ ‬1989،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬بحبحة‭ ‬نسبية‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬العيش‭ ‬والتعليم‭ ‬والصحة،‭ ‬وبحبحة‭ ‬في‭ ‬العطل‭ ‬العامة،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬عطلة‭ ‬شم‭ ‬النسيم‭ ‬والكريسماس،‭ ‬ثم‭ ‬تذكروا‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬أنها‭ ‬أعياد‭ ‬نصارى‭ ‬وقاموا‭ ‬بإلغائها‭ ‬

في‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوربي‭ ‬هناك‭ ‬11‭ ‬عطلة‭ ‬عامة‭ ‬ثابتة‭ ‬خلال‭ ‬السنة،‭ ‬ما‭ ‬أصاب‭ ‬البريطانيين‭ ‬بعقدة‭ ‬‮«‬التخلف‮»‬‭ ‬لأن‭ ‬عدد‭ ‬عطلهم‭ ‬العامة‭ ‬السنوية‭ ‬ثمانية‭ ‬فقط،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تم‭ ‬تكليف‭ ‬لجنة‭ ‬حكومية‭ ‬لتحديد‭ ‬التوقيت‭ ‬المناسب‭ ‬لعطلة‭ ‬تاسعة‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬أغسطس‭ ‬وديسمبر‭ ‬لأن‭ ‬الناس‭ ‬يعملون‭ ‬زهاء‭ ‬111‭ ‬يوما‭ ‬متصلة‭ (‬مساكين‭) ‬ما‭ ‬بين‭ ‬آخر‭ ‬عطلة‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬وعطلة‭ ‬الكريسماس‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬ديسمبر‭. ‬يعني‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬رفاها‭ ‬وبحبحة‭ ‬وإنتاجية‭ ‬ترى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬حمل‭ ‬إنسان‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬شهرين‭ ‬متصلين،‭ ‬وبالمقابل‭ ‬فإن‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬سوى‭ ‬عطلة‭ ‬عيدي‭ ‬الفطر‭ ‬والأضحى،‭ ‬و‭.... ‬ربما‭ ‬اليوم‭ ‬الوطني‭ (‬الاستقلال‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬البلدان‭ ‬المحكومة‭ ‬بأنظمة‭ ‬انقلابية‭ ‬‮«‬عيد‭ ‬الثورة‮»‬‭. ‬يعني‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬تمتع‭ ‬معظم‭ ‬المواطنين‭ ‬العرب‭ ‬بيوم‭ ‬عطلة‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬العيدين‭ ‬يعود‭ ‬الى‭ ‬الاستعمار،‭ ‬فلولا‭ ‬أنه‭ ‬حكم‭ ‬بلداننا،‭ ‬ثم‭ ‬تركها،‭ ‬لما‭ ‬صار‭ ‬يوم‭ ‬الاستقلال‭ ‬عطلة‭ ‬عامة‭.‬

في‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬المتقدمة‭ ‬اقتصاديا،‭ ‬يحترمون‭ ‬حقوق‭ ‬العاملين‭ ‬ويفتعلون‭ ‬المناسبات‭ ‬ويجعلون‭ ‬من‭ ‬وقائع‭ ‬عامة‭ ‬ووطنية‭ ‬‮«‬حجة‮»‬‭ ‬لمنح‭ ‬الناس‭ ‬بضعة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬الراحة‭ ‬مدفوعة‭ ‬الأجر‭. ‬

والمسألة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بأن‭ ‬الإجازات‭ ‬تجدد‭ ‬النشاط‭ ‬وتكسر‭ ‬رتابة‭ ‬الحياة‭ ‬العملية،‭ ‬بل‭ ‬بأن‭ ‬الناس‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬وقت‭ ‬فراغ‭ ‬يكرسونه‭ ‬لتعزيز‭ ‬وتمتين‭ ‬الحياة‭ ‬العائلية‭. ‬وفي‭ ‬زماننا‭ ‬هذا‭ ‬صار‭ ‬هناك‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يتسنى‭ ‬لهم‭ ‬قط‭ ‬تناول‭ ‬وجبة‭ ‬مع‭ ‬بقية‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬عطلة‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع،‭ ‬وحتى‭ ‬هذه‭ ‬العطلة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬للكثيرين‭ ‬بالاندماج‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬منزلي‭ ‬عائلي‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬مجاملات‭ ‬‮«‬واجبة‮»‬‭ ‬تستنزفها‭: ‬فتقديم‭ ‬العزاء‭ ‬لفلان‭ ‬الذي‭ ‬توفي‭ ‬أباه‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء،‭ ‬وزيارة‭ ‬علان‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬الذي‭ ‬دخله‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬أيام‭ ‬وفحص‭ ‬السيارة‭ ‬لدى‭ ‬الميكانيكي،‭ ‬إلخ‭. ‬كلها‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تتم‭ (‬عندنا‭) ‬ما‭ ‬بين‭ ‬مسائي‭ ‬الخميس‭ ‬ويومي‭ ‬الجمعة‭ ‬والسبت‭. ‬

وأرباب‭ ‬العمل‭ ‬والحكومات‭ ‬عندنا‭ ‬يعتقدون‭ ‬ان‭ ‬الإجازات‭ ‬‮«‬دلع‭ ‬فاضي‮»‬‭ ‬ومضيعة‭ ‬للوقت‭ ‬والإنتاج‭!! ‬أي‭ ‬إنتاج‭ ‬وأي‭ ‬بطيخ‭ ‬الله‭ ‬يهديكم؟‭ ‬أذكر‭ ‬نتائج‭ ‬مسح‭ ‬ميداني‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قلائل‭ ‬أفادت‭ ‬خلاصته‭ ‬بأن‭ ‬متوسط‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬اليومي‭ ‬الفعلية‭ ‬للموظف‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬الساعتين‭. ‬وهذا‭ ‬الرقم‭ ‬غير‭ ‬دقيق‭ ‬لأنه‭ ‬يحسب‭ ‬بنفس‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬يحسب‭ ‬بها‭ ‬متوسط‭ ‬دخل‭ ‬الفرد،‭ ‬فإذا‭ ‬قالوا‭ ‬ان‭ ‬متوسط‭ ‬دخل‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬عربي‭ ‬ما‭ ‬3‭ ‬آلاف‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬ان‭ ‬دخل‭ ‬الفرد‭ ‬الفعلي‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬سكان‭ ‬ذلك‭ ‬البلد‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬300‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬السنة،‭ ‬بينما‭ ‬هناك‭ ‬بضعة‭ ‬آلاف‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬البلد‭ ‬يبلغ‭ ‬دخلهم‭ ‬الشهري‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬300000‭ ‬دولار،‭ ‬وفي‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬هناك‭ ‬عشرة‭ ‬أشخاص‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬مائة‭ ‬يعملون‭ ‬بجد‭ ‬نحو‭ ‬ست‭ ‬ساعات‭ ‬يوميا،‭ ‬بينما‭ ‬التسعون‭ ‬الآخرون‭ ‬موظفو‭ ‬ترانزيت‭ ‬يدخلون‭ ‬ويخرجون‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬‮«‬إقامة‮»‬‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬العمل‭. ‬وعند‭ ‬حساب‭ ‬المتوسط‭ ‬نجمع‭ ‬جهد‭ ‬المجتهدين‭ ‬مع‭ ‬‮«‬جهد‮»‬‭ ‬الخاملين‭ ‬ونوزعه‭ ‬عليهم‭ ‬بالتساوي‭! ‬

وأقول‭ ‬بكل‭ ‬ثقة‭: ‬إن‭ ‬خفض‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬8‭ ‬الى‭ ‬6‭ ‬ساعات‭ ‬يوميا‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الحكومي‭. ‬فتطويل‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬يغري‭ ‬بالتسيب،‭ ‬وتأجيل‭ ‬عمل‭ ‬السابعة‭ ‬من‭ ‬صباح‭ ‬يوم‭ ‬الإثنين‭ ‬إلى‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬بعد‭ ‬ظهر‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬المقبل‭!‬

وقد‭ ‬يعتبر‭ ‬البعض‭ ‬شططا‭ ‬في‭ ‬قولي‭: ‬ان‭ ‬منح‭ ‬العاملين‭ ‬عطلا‭ ‬عامة‭ ‬عديدة‭ ‬خلال‭ ‬السنة‭ ‬حق‭ ‬أساسي‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.. ‬ولكنني‭ ‬متأكد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ممارسة‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬لا‭ ‬يهدد‭ ‬الأمن‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ولن‭ ‬يؤخر‭ ‬استقلال‭ ‬فلسطين،‭ ‬فلماذا‭ ‬تحرموننا‭ ‬منه؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا