زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
من يستدين مدان ومدين
عندما بلغ أمي -رحمها الله- أنني اشتريت سيارة تويوتا كريسيدا جديدة، أرسلت لي شريط كاسيت مشحونا بالزغاريد، ثم طلبت مني أن أرسل كمية من الدولارات لشراء عجل احتفالا بهذا الإنجاز، فقلت لها إن وضعي المالي لا يسمح بأكثر من دجاجة، وإنني اشتريت السيارة بـ«الدين» أي بقرض مالي. فعاتبتني لأنني نسيت نصيحتها لي بأن الشخص الخالي من الدين «غني».
قرأت تقريرا لبيت خبرة عالمي متخصص في الشؤون المالية والاستثمارية يفيد بأن حجم الديون الخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي بلغت قبل خمسة أعوام أكثر من ملياري دولار أمريكي. وبالعربي الفصيح، فإن هذه المليارين هي القروض التي حصل عليها الأفراد من البنوك. وبحكم العيش دهرا طويلا في منطقة الخليج فإنني أعرف العديد من هؤلاء المليارديرات، لأنني ألتقي بهم في المطاعم التي تبيع فطائر الجبن بالتبن وأكشاك الشاي «الكرك»، بمعنى أن هؤلاء المليارديرات أناس مثلي مثلك، لا تجد في سيماهم ولا مظهرهم أثرا للنعمة «الزائدة»، لسبب بديهي وهو أن لقب ملياردير ينطبق عليهم كـ«مجموعة» أما كأفراد فإن معظمهم يعيشون على الفول الذي قال عنه غازي القصيبي -رحمه الله- إنه قوت المفلسين، والبنوك صارت تفضل تقديم القروض للأفراد العاديين لأن معظمهم يحرص على سدادها ليحصل على المزيد منها، ولأنهم يرغمونهم على تقديم ضمانات تجعل استرداد الديون منهم ميسورا الى حدٍ ما. وحقيقة الأمر هي ان الاقتراض شديد الإغراء: يكون في جيبك عشرة ريالات وتدخل أحد البنوك وتخرج منه وقد ضاق جيبك بالنقود واضطررت إلى حمل بعضه في كيس. والسداد على مدى سنتين أو ثلاث أو أربع، و... عيش يا حمار.. يمكن تفرج إذا أمطرت السماء ذهبا، «ويمكن أموت قبل انقضاء مدة السداد وأهلي ما راح يقصرون، وحتى إذا عجزوا عن السداد، فعلى البنك أن يركب أعلى ما في خيله»!!
ماذا فعل الناس بتلك المليارات؟ أستطيع أن أخمن: بعضها استخدم في شراء سيارات، ففيروس الإنفاق التفاخري يجعل من لا تسمح له إمكانياته بشراء دراجة هوائية نقدا، باقتناء بي ام دبليو أو لكزس او سيارة ذات دفع سباعي. وهناك الإجازات، حيث بات الكثيرون يعتقدون أن السفر إلى الخارج في الصيف «سنة مؤكدة»، (بينما قد لا يحفلون بـ«الفروض» التي لا جدال حولها).. وفي الخارج لا بد أن يتصرف الإنسان العربي بما يليق بسمعته كشخص غني «يلعب بالفلوس»، ويقول للجرسون: خلي الباقي معك.. حتى لو كان الباقي يساوي ربع راتب دافع البقشيش. والمحزن أن مبلغا لا يستهان به من تلك القروض قد يروح لإنعاش اقتصادات دول معينة في آسيا مجرد زيارتها مدعاة للشكوك. وهناك من يقترض كي يتزوج، ويلجأ الشباب للاقتراض في سبيل الزواج، ليس بالضرورة لغلاء المهور ولكن لأن أهلهم يصرون ان تكون الزيجة حديث المجالس، فيرهقون كاهل أبنائهم بنفقات مالية تتبخر خلال 48 ساعة: مجوهرات بالشنطة وحفلات في أفخر القاعات يتم فيها توفير طعام لمئات أو آلاف الأشخاص، ويتزوج اثنان بقرض مصرفي ويبقيان «مرهونين» لدى البنك، فتكون حياتهما الزوجية من بدايتها توترا وكرا وفرا.. وقد عانيت في بداية حياتي العملية من ذل الاقتراض المصرفي، ولم أذق طعم النوم الهانئ إلا بعد أن أقسمت، عملا بنصيحة أمي، ألا اقترض فلسا من أي مصرف، وتعلمت أن أمد رجلي على «قدر» لحافي، مع السعي لتطويل اللحاف تدريجيا، بل صرت أرفض بكل وقاحة أن أضمن شخصا ينوي الاقتراض من مصرف، بعد أن لسعت من ذلك الجحر مرتين. وإذا كانت مواردك المالية محدودة، فإني أنصحك بان تلقي ببطاقة الائتمان البلاستيكية في أقرب حفرة مجاري لأنها فخ للديون يقع فيه الناس وهم لا يشعرون. ولكن المصيبة هي أن الهاتف الذكي صار يقوم مقام تلك البطاقة، وما من عاقل في هذا الزمان يستغني عنه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك