العدد : ١٧٤٩١ - الأربعاء ١١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩١ - الأربعاء ١١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ شعبان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

من يستدين مدان ومدين

عندما‭ ‬بلغ‭ ‬أمي‭ -‬رحمها‭ ‬الله‭- ‬أنني‭ ‬اشتريت‭ ‬سيارة‭ ‬تويوتا‭ ‬كريسيدا‭ ‬جديدة،‭ ‬أرسلت‭ ‬لي‭ ‬شريط‭ ‬كاسيت‭ ‬مشحونا‭ ‬بالزغاريد،‭ ‬ثم‭ ‬طلبت‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬أرسل‭ ‬كمية‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬لشراء‭ ‬عجل‭ ‬احتفالا‭ ‬بهذا‭ ‬الإنجاز،‭ ‬فقلت‭ ‬لها‭ ‬إن‭ ‬وضعي‭ ‬المالي‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬دجاجة،‭ ‬وإنني‭ ‬اشتريت‭ ‬السيارة‭ ‬بـ‮«‬الدين‮»‬‭ ‬أي‭ ‬بقرض‭ ‬مالي‭. ‬فعاتبتني‭ ‬لأنني‭ ‬نسيت‭ ‬نصيحتها‭ ‬لي‭ ‬بأن‭ ‬الشخص‭ ‬الخالي‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬‮«‬غني‮»‬‭.‬

قرأت‭ ‬تقريرا‭ ‬لبيت‭ ‬خبرة‭ ‬عالمي‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬المالية‭ ‬والاستثمارية‭ ‬يفيد‭ ‬بأن‭ ‬حجم‭ ‬الديون‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬بلغت‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬أعوام‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ملياري‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي‭. ‬وبالعربي‭ ‬الفصيح،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬المليارين‭ ‬هي‭ ‬القروض‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬عليها‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬البنوك‭. ‬وبحكم‭ ‬العيش‭ ‬دهرا‭ ‬طويلا‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬فإنني‭ ‬أعرف‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬المليارديرات،‭ ‬لأنني‭ ‬ألتقي‭ ‬بهم‭ ‬في‭ ‬المطاعم‭ ‬التي‭ ‬تبيع‭ ‬فطائر‭ ‬الجبن‭ ‬بالتبن‭ ‬وأكشاك‭ ‬الشاي‭ ‬‮«‬الكرك‮»‬،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬المليارديرات‭ ‬أناس‭ ‬مثلي‭ ‬مثلك،‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬سيماهم‭ ‬ولا‭ ‬مظهرهم‭ ‬أثرا‭ ‬للنعمة‭ ‬‮«‬الزائدة‮»‬،‭ ‬لسبب‭ ‬بديهي‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬لقب‭ ‬ملياردير‭ ‬ينطبق‭ ‬عليهم‭ ‬كـ«مجموعة‮»‬‭ ‬أما‭ ‬كأفراد‭ ‬فإن‭ ‬معظمهم‭ ‬يعيشون‭ ‬على‭ ‬الفول‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬عنه‭ ‬غازي‭ ‬القصيبي‭ -‬رحمه‭ ‬الله‭- ‬إنه‭ ‬قوت‭ ‬المفلسين،‭ ‬والبنوك‭ ‬صارت‭ ‬تفضل‭ ‬تقديم‭ ‬القروض‭ ‬للأفراد‭ ‬العاديين‭ ‬لأن‭ ‬معظمهم‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬سدادها‭ ‬ليحصل‭ ‬على‭ ‬المزيد‭ ‬منها،‭ ‬ولأنهم‭ ‬يرغمونهم‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬تجعل‭ ‬استرداد‭ ‬الديون‭ ‬منهم‭ ‬ميسورا‭ ‬الى‭ ‬حدٍ‭ ‬ما‭. ‬وحقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬هي‭ ‬ان‭ ‬الاقتراض‭ ‬شديد‭ ‬الإغراء‭: ‬يكون‭ ‬في‭ ‬جيبك‭ ‬عشرة‭ ‬ريالات‭ ‬وتدخل‭ ‬أحد‭ ‬البنوك‭ ‬وتخرج‭ ‬منه‭ ‬وقد‭ ‬ضاق‭ ‬جيبك‭ ‬بالنقود‭ ‬واضطررت‭ ‬إلى‭ ‬حمل‭ ‬بعضه‭ ‬في‭ ‬كيس‭. ‬والسداد‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنتين‭ ‬أو‭ ‬ثلاث‭ ‬أو‭ ‬أربع،‭ ‬و‭... ‬عيش‭ ‬يا‭ ‬حمار‭.. ‬يمكن‭ ‬تفرج‭ ‬إذا‭ ‬أمطرت‭ ‬السماء‭ ‬ذهبا،‭ ‬‮«‬ويمكن‭ ‬أموت‭ ‬قبل‭ ‬انقضاء‭ ‬مدة‭ ‬السداد‭ ‬وأهلي‭ ‬ما‭ ‬راح‭ ‬يقصرون،‭ ‬وحتى‭ ‬إذا‭ ‬عجزوا‭ ‬عن‭ ‬السداد،‭ ‬فعلى‭ ‬البنك‭ ‬أن‭ ‬يركب‭ ‬أعلى‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬خيله‮»‬‭!!‬

ماذا‭ ‬فعل‭ ‬الناس‭ ‬بتلك‭ ‬المليارات؟‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أخمن‭: ‬بعضها‭ ‬استخدم‭ ‬في‭ ‬شراء‭ ‬سيارات،‭ ‬ففيروس‭ ‬الإنفاق‭ ‬التفاخري‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬إمكانياته‭ ‬بشراء‭ ‬دراجة‭ ‬هوائية‭ ‬نقدا،‭ ‬باقتناء‭ ‬بي‭ ‬ام‭ ‬دبليو‭ ‬أو‭ ‬لكزس‭ ‬او‭ ‬سيارة‭ ‬ذات‭ ‬دفع‭ ‬سباعي‭. ‬وهناك‭ ‬الإجازات،‭ ‬حيث‭ ‬بات‭ ‬الكثيرون‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬السفر‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬في‭ ‬الصيف‭ ‬‮«‬سنة‭ ‬مؤكدة‮»‬،‭ (‬بينما‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يحفلون‭ ‬بـ«الفروض‮»‬‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬جدال‭ ‬حولها‭).. ‬وفي‭ ‬الخارج‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يتصرف‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬بما‭ ‬يليق‭ ‬بسمعته‭ ‬كشخص‭ ‬غني‭ ‬‮«‬يلعب‭ ‬بالفلوس‮»‬،‭ ‬ويقول‭ ‬للجرسون‭: ‬خلي‭ ‬الباقي‭ ‬معك‭.. ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬الباقي‭ ‬يساوي‭ ‬ربع‭ ‬راتب‭ ‬دافع‭ ‬البقشيش‭. ‬والمحزن‭ ‬أن‭ ‬مبلغا‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬القروض‭ ‬قد‭ ‬يروح‭ ‬لإنعاش‭ ‬اقتصادات‭ ‬دول‭ ‬معينة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬مجرد‭ ‬زيارتها‭ ‬مدعاة‭ ‬للشكوك‭. ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يقترض‭ ‬كي‭ ‬يتزوج،‭ ‬ويلجأ‭ ‬الشباب‭ ‬للاقتراض‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الزواج،‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬لغلاء‭ ‬المهور‭ ‬ولكن‭ ‬لأن‭ ‬أهلهم‭ ‬يصرون‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬الزيجة‭ ‬حديث‭ ‬المجالس،‭ ‬فيرهقون‭ ‬كاهل‭ ‬أبنائهم‭ ‬بنفقات‭ ‬مالية‭ ‬تتبخر‭ ‬خلال‭ ‬48‭ ‬ساعة‭: ‬مجوهرات‭ ‬بالشنطة‭ ‬وحفلات‭ ‬في‭ ‬أفخر‭ ‬القاعات‭ ‬يتم‭ ‬فيها‭ ‬توفير‭ ‬طعام‭ ‬لمئات‭ ‬أو‭ ‬آلاف‭ ‬الأشخاص،‭ ‬ويتزوج‭ ‬اثنان‭ ‬بقرض‭ ‬مصرفي‭ ‬ويبقيان‭ ‬‮«‬مرهونين‮»‬‭ ‬لدى‭ ‬البنك،‭ ‬فتكون‭ ‬حياتهما‭ ‬الزوجية‭ ‬من‭ ‬بدايتها‭ ‬توترا‭ ‬وكرا‭ ‬وفرا‭.. ‬وقد‭ ‬عانيت‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬حياتي‭ ‬العملية‭ ‬من‭ ‬ذل‭ ‬الاقتراض‭ ‬المصرفي،‭ ‬ولم‭ ‬أذق‭ ‬طعم‭ ‬النوم‭ ‬الهانئ‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أقسمت،‭ ‬عملا‭ ‬بنصيحة‭ ‬أمي،‭ ‬ألا‭ ‬اقترض‭ ‬فلسا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مصرف،‭ ‬وتعلمت‭ ‬أن‭ ‬أمد‭ ‬رجلي‭ ‬على‭ ‬‮«‬قدر‮»‬‭ ‬لحافي،‭ ‬مع‭ ‬السعي‭ ‬لتطويل‭ ‬اللحاف‭ ‬تدريجيا،‭ ‬بل‭ ‬صرت‭ ‬أرفض‭ ‬بكل‭ ‬وقاحة‭ ‬أن‭ ‬أضمن‭ ‬شخصا‭ ‬ينوي‭ ‬الاقتراض‭ ‬من‭ ‬مصرف،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬لسعت‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الجحر‭ ‬مرتين‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬مواردك‭ ‬المالية‭ ‬محدودة،‭ ‬فإني‭ ‬أنصحك‭ ‬بان‭ ‬تلقي‭ ‬ببطاقة‭ ‬الائتمان‭ ‬البلاستيكية‭ ‬في‭ ‬أقرب‭ ‬حفرة‭ ‬مجاري‭ ‬لأنها‭ ‬فخ‭ ‬للديون‭ ‬يقع‭ ‬فيه‭ ‬الناس‭ ‬وهم‭ ‬لا‭ ‬يشعرون‭. ‬ولكن‭ ‬المصيبة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الهاتف‭ ‬الذكي‭ ‬صار‭ ‬يقوم‭ ‬مقام‭ ‬تلك‭ ‬البطاقة،‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬عاقل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمان‭ ‬يستغني‭ ‬عنه‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا