زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
وسقطت عني تهمة مدمِّرة (3)
سردت عليكم على مدى اليومين الماضيين بعض تفاصيل تجربة واقعية، عشتها بضعة أشهر، بدأت باكتشافي وجود كتلة / كيس في الشق الأيسر من صدري، ثم إهمالي أمرها تماما إلى أن جاءت «السيرة» عرضا وأنا أتحدث مع زوجتي، فأصدرت قرارها بأن أقابل الطبيب الجراح، ولأنه لا صوت يعلو فوق صوت أم المعارك، فقد قابلت الجراح الذي أخضعني للتصوير بالموجات الصوتية، ثم طعن في شرفي وأمرني بالخضوع للتصوير الإشعاعي المسمى ماموغرام وهو نوع من التصوير الذي تخضع له النساء لتقصي وجود او عدم وجود ورم حميد أو خبيث في الثدي. وهكذا جعفر بن المعلم عباس انهزم يا رجالة بالماموغرام، وهو الذي عاش العمر كله وهو خائف من «الغرام».
سألت الطبيب: لماذا تشُك في رجولتي؟ ولسوء حظي كان الطبيب «زول» أي سودانيا، ولكنه تبرطن (أي صار بريطانيا، بحكم انه درس وتخصص في الجراحة ومارسها في بريطانيا)، وهذه النوعية من الأطباء تعطيك حقائق المرض من دون تغليفها وتخفيفها، فصدمني بالحقائق التالية التي أرجو من كل الرجال الوقوف عندها طويلا: تشمل مؤشرات سرطان الثدي وأعراضه لدى الذكور، ظهور كتلة غير مؤلمة أو زيادة سُمك الجلد في الصدر. وتغيرات في جلد الصدر، مثل وجود ترصُّع أو تجعدات أو تقشر أو تغيرات في لون والجلد. أو/ وتغيرات في الحلمات مثل تغيرات لون الجلد أو التقشُّر أو اتجاه إحدى الحلمات إلى الداخل. وربما الإفرازات أو النزف من الحلمة. ولكن سرطان الثدي عند الرجال مرض نادر (أقل من 1% من الحالات) يحدث عادةً فوق سن الستين نتيجة نمو غير طبيعي للخلايا في أنسجة الثدي إلخ، إلخ.
1% فقط من الرجال قد يصابون بسرطان الثدي، معقول أنا أكون من تلك الـ1%؟ ثم ان ذلك يحدث للرجال فوق سن الستين، وأنا ولله الحمد واقف في سن الـ39 منذ سنين وسنين. فهل أنا قليل الحظ الذي قيل إن الكلب «يعُضّه في المولد». والمولد هنا يا رعاك الله وحفظك، في مصر والسودان هو الساحة التي يجتمع فيها عشرات الآلاف من بني البشر مساء للاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يتسرب كلب غبي وسط هذا الخلق ثم يختارك انت ليعضك، لهو دليل على أنك نحس تعيس الحظ.
ولم يقف التشكيك في عافيتي ورجولتي عند حد تصوير الماموغرام، بل وبمجرد صدور تقرير التصوير قرر الجراح أن أخضع لعملية سحب عينة من صدري لإرسالها للمختبر! سألته: لماذا نفعل ذلك؟ قال: عشان اطمئن!! نعم؟ تطمئن أنت وأعيش أنا في قلق مدمر؟ ابتسم وقال: عشان نطمئن أنا وأنت على صحتك. وهكذا أصبحت تهمة إصابتي بورم «ما» مجهول الهوية ثابتة، مع ترجيح ان هويته غير حميدة. وكانت تجربة إعطاء العينة المطلوبة مخيفة، لأنها تتم والصدر يخضع للتصوير بالموجات الصوتية، والطبيب مسلح بإبرة، يعطيك بها مخدرا موضعيا ثم يشرع في التنقيب، ومن حوله ممرضتان.
أقسى ما كان في تلك التجربة ان نتائج التحليل المختبري تصدر بعد خمسة إلى سبعة أيام، عشت خلالها في حال توجس وترقب. وتخيلت نفسي وقد نسف العلاج الكيميائي ما تبقى من شعر رأسي، فلا أخرج من البيت الا وعلى رأسي قبعة «بيسبول»، مرسوم عليها قلب مع حرفي «إن و «واي» NY، ومؤداها أنني «أحب نيويورك»، ويعلم الله انني لا أحبها ولا أحب ترامب ولا جورج بوش او كلينتون أو مايكل جاكسون، بل أسأل الله ان يرسل عليهم ريحا صرصرا عاتية، ويسخرها عليهم سبع سنوات وثمانية أشهر حسوما فيصبحون صرعى كأعجاز نخل خاوية ولا نرى لهم من باقية، فيرتاح بقية أهل الأرض ويعيشون في أمان وسلام.
وغدا بحول الله نكمل بقية قصتي مع تهمة إصابتي بورم مريب في صدري
نحن نتعامل مع التشخيص الطبي على انه اتهام، ونقول: الدكتور اتهمني بزائدة/ قرحة/ جيوب أنفية....).

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك