العدد : ١٧٦١٨ - الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٨ - الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ محرّم ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وسقطت عني تهمة مدمرة* (1)

كان‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬6‭ ‬يناير‭ ‬المنصرم،‭ ‬يوما‭ ‬مشهودا‭ ‬في‭ ‬حياتي‭! ‬يوما‭ ‬اشتهيته‭ ‬وتمنيته،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬‮«‬حدِّ‭ ‬ذاته‮»‬‭ ‬كيوم،‭ ‬وليس‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬أتوقع‭ ‬فيه‭ ‬بما‭ ‬يشبه‭ ‬اليقين‭ ‬أمرا‭ ‬مفرحا،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يوم‭ ‬‮«‬النتيجة‮»‬‭.‬

تبدأ‭ ‬الحكاية‭ - ‬وتفاصيلها‭ ‬واقع‭ ‬عشته‭ ‬بالفعل‭ - ‬قبل‭ ‬شهور‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬ثمانية‭ ‬او‭ ‬عشرة،‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬عندما‭ ‬أحسست‭ ‬أثناء‭ ‬الاستحمام‭ ‬بوجود‭ ‬كتلة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬صدري،‭ ‬وكعربي‭-‬إفريقي،‭ ‬‮«‬بتاع‭ ‬كُلّه‮»‬‭ ‬أي‭ ‬يفهم‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬الفضاء‭ ‬والبيطرة‭ ‬والذرة‭ ‬والطب‭ ‬والمحاسبة‭ ‬والبورصات،‭ ‬فقد‭ ‬قمت‭ ‬بالتشخيص‭ ‬الفوري‭ ‬وأصدرت‭ ‬حكمي‭ ‬بأن‭ ‬تلك‭ ‬الكتلة‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يسميها‭ ‬الأطباء‭ ‬بلغة‭ ‬الفرنجة‭ ‬‮«‬سِيست‮»‬‭ ‬وتعني‭ ‬‮«‬كيس‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬جيب‭ ‬أو‭ ‬تجويف‭ ‬مغلق‭ ‬ذي‭ ‬غشاء‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬الأنسجة‭ ‬أو‭ ‬الأعضاء،‭ ‬وقد‭ ‬يحوي‭ ‬سوائل،‭ ‬صديدا،‭ ‬هواء،‭ ‬أو‭ ‬مواد‭ ‬أخرى‭ ‬شبه‭ ‬صلبة‭. ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬الأكياس‭ ‬حميدة‭ (‬ليست‭ ‬سرطانية‭) ‬وتتكون‭ ‬نتيجة‭ ‬انسداد‭ ‬غدد‭ ‬أو‭ ‬عدوى،‭ ‬وقد‭ ‬تتلاشى‭ ‬تلقائيًا‭ ‬أو‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تدخل‭ ‬جراحي‭ ‬بسيط‭ ‬جدا،‭ ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التشخيص‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬بحر‭ ‬العلوم‭ ‬جعفر‭ ‬عباس‭ ‬المحصّن‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬ضد‭ ‬ما‭ ‬يوسوس‭ ‬في‭ ‬صدور‭ ‬الناس،‭ ‬‮«‬طَنّشت‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬الكيس‭ ‬أي‭ ‬نسيت‭ ‬أمره‭.‬

ثم‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬يريد‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬ضمه‭ ‬الى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬ليست‭ ‬غزة‭ ‬ولا‭ ‬جزيرة‭ ‬غرينلاند،‭ ‬بل‭ ‬بلد‭ ‬مساحته‭ ‬قرابة‭ ‬عشرة‭ ‬ملايين‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع‭- ‬كندا،‭ ‬عندما‭ ‬أحسست‭ ‬بأن‭ ‬ذلك‭ ‬الكيس‭ ‬تضخم‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭ ‬وصار‭ ‬له‭ ‬‮«‬رأس‮»‬،‭ ‬واللجوء‭ ‬الى‭ ‬الأطباء‭ ‬في‭ ‬كندا‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬لجوء‭ ‬سوداني‭ ‬الى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حكومة‭ ‬ترامب‭: ‬التصوير‭ ‬بالأشعة‭ ‬السينية‭ (‬إكس‭) ‬فيه‭ ‬انتظار‭ ‬شهر،‭ ‬وبالموجات‭ ‬الصوتية‭ ‬4‭-‬6‭ ‬شهور‭ ‬وبالأشعة‭ ‬المقطعية‭ ‬9‭-‬12‭ ‬شهرا،‭ ‬أما‭ ‬بالرنين‭ ‬المغناطيسي‭ ‬فلن‭ ‬تفوز‭ ‬بموعد‭ ‬بل‭ ‬يقال‭ ‬لك‭ ‬‮«‬روح‭ ‬بيتك‭ ‬ونحن‭ ‬نتصل‭ ‬بك‭ ‬بعد‭ ‬سنة‭- ‬سنتين‭ ‬إذا‭ ‬مدّ‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬أيامك‮»‬‭. ‬وعن‭ ‬تجربة‭ ‬أقول‭ ‬ان‭ ‬حال‭ ‬الخدمات‭ ‬الطبية‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬سيم‭ ‬سيم‭ ‬كندا،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الوقوف‭ ‬في‭ ‬طابور‭ ‬التصوير‭ ‬الإشعاعي‭ ‬والمختبرات‭ ‬يطول،‭ ‬بل‭ ‬ساءت‭ ‬الخدمات‭ ‬الطبية‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬حينا‭ ‬من‭ ‬الدهر،‭ ‬كانوا‭ ‬فيه‭ ‬يرسلون‭ ‬مرضى‭ ‬القلب‭ ‬الى‭ ‬اليونان،‭ ‬ثم‭ ‬تناسوا‭ ‬ان‭ ‬كوبا‭ ‬دولة‭ ‬شيوعية‭ ‬واستقدموا‭ ‬المشرفين‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬خدمات‭ ‬الطب‭ ‬والصحة‭ ‬ليضعوا‭ ‬لهم‭ ‬خططا‭ ‬لتسريع‭ ‬العمليات‭ ‬‮«‬المساعدة‭ ‬والتكميلية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الطب،‭ ‬لأنها‭ ‬تقديمها‭ ‬في‭ ‬كوبا‭ ‬لا‭ ‬يستغرق‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أسبوع‭ ‬واحد‭.‬

ومن‭ ‬ثم‭ ‬نسيت‭ ‬أمر‭ ‬الكيس‭/ ‬الكتلة‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬صدري،‭ ‬وعدت‭ ‬الى‭ ‬قواعدي‭ ‬في‭ ‬قطر،‭ ‬وحدثت‭ ‬أم‭ ‬الجعافر‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬أم‭ ‬عيالي‭ ‬وزوجتي‭ ‬عرضا‭ ‬بالأمر،‭ ‬فهاجت‭ ‬وماجت،‭ ‬ومسحت‭ ‬بي‭ ‬الأرض‭: ‬انت‭ ‬مستهتر‭.. ‬مسوي‭ ‬حالك‭ ‬فهمان‭ ‬بينما‭ ‬ترامب‭ ‬يفهم‭ ‬أحسن‭ ‬منك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وسحبتني‭ ‬من‭ ‬أُذني‭ ‬الى‭ ‬العيادة‭ ‬الطبية،‭ ‬واخترت‭ ‬جراحا‭ ‬‮«‬زول‮»‬‭ ‬أي‭ ‬سودانيا،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬حنين‮»‬‭ ‬ويصدر‭ ‬قرارا‭ ‬ببراءتي‭ ‬من‭ ‬شبهة‭ ‬الاستهتار‭ ‬بصحتي،‭ ‬ويثبت‭ ‬أنني‭ ‬بالفعل‭ ‬بحر‭ ‬علوم،‭ ‬ويقول‭ ‬إن‭ ‬الكيس‭ ‬بريء‭ ‬من‭ ‬الشبهات‭ ‬وإنه‭ ‬سيزول‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬نفسه‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬ولو‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬فلا‭ ‬ضرر‭ ‬ولا‭ ‬ضرار‭.‬

ولكن‭: ‬ما‭ ‬أكثر‭ ‬الإخوان‭ ‬حين‭ ‬تعدّهم

ولكنهم‭ ‬في‭ ‬النائبات‭ ‬قليل

يعني‭ ‬الطبيب‭ ‬الزول‭ ‬‮«‬فشّلني‮»‬‭ ‬وخذلني،‭ ‬فقد‭ ‬نظر‭ ‬الى‭ ‬الكيس‭ ‬المزعوم‭ ‬وفحصه‭ ‬بأطراف‭ ‬أصابعه‭ ‬وهو‭ ‬يستخدم‭ ‬مصباحا‭ ‬صغيرا‭ ‬تصدر‭ ‬عنه‭ ‬إضاءة‭ ‬قوية،‭ ‬ثم‭ ‬قال‭: ‬لازم‭ ‬نعمل‭ ‬تصوير‭ ‬بالموجات‭ ‬الصوتية‭ ‬فورا‭!! ‬الله‭ ‬أكبر‭. ‬لماذا‭ ‬فورا؟‭ ‬والعجلة‭ ‬من‭ ‬الشيطان‭ ‬والشيطان‭ ‬في‭ ‬التفاصيل؟‭ ‬لعب‭ ‬الفأر‭ ‬في‭ ‬عبّي‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬المصريون‭ ‬عند‭ ‬التشكك‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬ما‭. ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬مما‭ ‬ليس‭ ‬منه‭ ‬بُدٌّ،‭ ‬وهكذا‭ ‬توجهت‭ ‬الى‭ ‬قسم‭ ‬التصوير‭ ‬وخلال‭ ‬دقائق‭ ‬كانوا‭ ‬قد‭ ‬استدعوني‭ ‬للاستلقاء‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬أبيض‭. ‬هذه‭ ‬السرعة‭ ‬في‭ ‬الإجراء‭ ‬زادت‭ ‬عدد‭ ‬الفئران‭ ‬في‭ ‬عبِّي،‭ ‬ورغم‭ ‬برودة‭ ‬الغرفة‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬ممددا‭ ‬فيها‭ ‬نشطت‭ ‬غددي‭ ‬الإفريقية،‭ ‬وأفرزت‭ ‬عرقا‭ ‬بكميات‭ ‬تجارية‭. ‬واكتملت‭ ‬عملية‭ ‬التصوير،‭ ‬ونظرت‭ ‬الى‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬بإجرائها‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬النطق‭ ‬بالحكم،‭ ‬ولكنه‭ ‬قال‭: ‬ان‭ ‬إعداد‭ ‬التقرير‭ ‬يستغرق‭ ‬بضع‭ ‬ساعات

وانصرفت‭ ‬الى‭ ‬البيت‭ ‬مهيض‭ ‬الجناح‭ ‬وكسير‭ ‬الخاطر‭.‬

‭*‬نحن‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬التشخيص‭ ‬الطبي‭ ‬على‭ ‬انه‭ ‬اتهام،‭ ‬ونقول‭: ‬الدكتور‭ ‬اتهمني‭ ‬بزائدة‭/ ‬قرحة‭/ ‬جيوب‭ ‬أنفية‭....).‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا