زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
وسقطت عني تهمة مدمرة* (1)
كان يوم الثلاثاء 6 يناير المنصرم، يوما مشهودا في حياتي! يوما اشتهيته وتمنيته، ليس في «حدِّ ذاته» كيوم، وليس لأنني كنت أتوقع فيه بما يشبه اليقين أمرا مفرحا، بل لأنه كان يوم «النتيجة».
تبدأ الحكاية - وتفاصيلها واقع عشته بالفعل - قبل شهور ربما كانت ثمانية او عشرة، وربما أكثر عندما أحسست أثناء الاستحمام بوجود كتلة من نوع ما في صدري، وكعربي-إفريقي، «بتاع كُلّه» أي يفهم في علوم الفضاء والبيطرة والذرة والطب والمحاسبة والبورصات، فقد قمت بالتشخيص الفوري وأصدرت حكمي بأن تلك الكتلة هي ما يسميها الأطباء بلغة الفرنجة «سِيست» وتعني «كيس»، وهو عبارة عن جيب أو تجويف مغلق ذي غشاء يظهر في الأنسجة أو الأعضاء، وقد يحوي سوائل، صديدا، هواء، أو مواد أخرى شبه صلبة. وغالبًا ما تكون الأكياس حميدة (ليست سرطانية) وتتكون نتيجة انسداد غدد أو عدوى، وقد تتلاشى تلقائيًا أو تحتاج إلى تدخل جراحي بسيط جدا، وبناء على هذا التشخيص الصادر عن بحر العلوم جعفر عباس المحصّن الى حد كبير ضد ما يوسوس في صدور الناس، «طَنّشت» هذا الكيس أي نسيت أمره.
ثم كنت في بلد يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمه الى الولايات المتحدة. ليست غزة ولا جزيرة غرينلاند، بل بلد مساحته قرابة عشرة ملايين كيلومتر مربع- كندا، عندما أحسست بأن ذلك الكيس تضخم بعض الشيء وصار له «رأس»، واللجوء الى الأطباء في كندا أكثر تعقيدا من إجراءات لجوء سوداني الى الولايات المتحدة في ظل حكومة ترامب: التصوير بالأشعة السينية (إكس) فيه انتظار شهر، وبالموجات الصوتية 4-6 شهور وبالأشعة المقطعية 9-12 شهرا، أما بالرنين المغناطيسي فلن تفوز بموعد بل يقال لك «روح بيتك ونحن نتصل بك بعد سنة- سنتين إذا مدّ الله في أيامك». وعن تجربة أقول ان حال الخدمات الطبية في بريطانيا سيم سيم كندا، أي أن الوقوف في طابور التصوير الإشعاعي والمختبرات يطول، بل ساءت الخدمات الطبية في بريطانيا حينا من الدهر، كانوا فيه يرسلون مرضى القلب الى اليونان، ثم تناسوا ان كوبا دولة شيوعية واستقدموا المشرفين فيها على خدمات الطب والصحة ليضعوا لهم خططا لتسريع العمليات «المساعدة والتكميلية» في الطب، لأنها تقديمها في كوبا لا يستغرق أكثر من أسبوع واحد.
ومن ثم نسيت أمر الكيس/ الكتلة التي في صدري، وعدت الى قواعدي في قطر، وحدثت أم الجعافر التي هي أم عيالي وزوجتي عرضا بالأمر، فهاجت وماجت، ومسحت بي الأرض: انت مستهتر.. مسوي حالك فهمان بينما ترامب يفهم أحسن منك في كل شيء، وسحبتني من أُذني الى العيادة الطبية، واخترت جراحا «زول» أي سودانيا، على أمل أن يكون «حنين» ويصدر قرارا ببراءتي من شبهة الاستهتار بصحتي، ويثبت أنني بالفعل بحر علوم، ويقول إن الكيس بريء من الشبهات وإنه سيزول من تلقاء نفسه بل وحتى ولو بقي في مكانه فلا ضرر ولا ضرار.
ولكن: ما أكثر الإخوان حين تعدّهم
ولكنهم في النائبات قليل
يعني الطبيب الزول «فشّلني» وخذلني، فقد نظر الى الكيس المزعوم وفحصه بأطراف أصابعه وهو يستخدم مصباحا صغيرا تصدر عنه إضاءة قوية، ثم قال: لازم نعمل تصوير بالموجات الصوتية فورا!! الله أكبر. لماذا فورا؟ والعجلة من الشيطان والشيطان في التفاصيل؟ لعب الفأر في عبّي كما يقول المصريون عند التشكك في أمر ما. ولكن كان لابد مما ليس منه بُدٌّ، وهكذا توجهت الى قسم التصوير وخلال دقائق كانوا قد استدعوني للاستلقاء على سرير أبيض. هذه السرعة في الإجراء زادت عدد الفئران في عبِّي، ورغم برودة الغرفة التي كنت ممددا فيها نشطت غددي الإفريقية، وأفرزت عرقا بكميات تجارية. واكتملت عملية التصوير، ونظرت الى الرجل الذي قام بإجرائها في انتظار النطق بالحكم، ولكنه قال: ان إعداد التقرير يستغرق بضع ساعات
وانصرفت الى البيت مهيض الجناح وكسير الخاطر.
*نحن نتعامل مع التشخيص الطبي على انه اتهام، ونقول: الدكتور اتهمني بزائدة/ قرحة/ جيوب أنفية....).

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك