زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
طبيب بشريط وآخر بشريطين
لست ممن يعتقدون ان الطب في الدول الغربية أكثر تقدما منه في الدول العربية، فبعض الدول العربية فيها خدمات طبية لا يحلم بها المواطن الأوروبي أو الأمريكي. وقد عشت حينا من الدهر في دول غربية وزرت الكثير منها، وأعلن بضمير مستريح أن ثقتي بالطبيب العربي أعلى من ثقتي بالطبيب الغربي. وبعد هذه المقدمة أتناول اليوم أمرا ظل يشغل المجلس الطبي في بريطانيا منذ سنوات، وقد يبدو هذا الأمر ثانويا، في حين أنها في تقديري على قدر كبير من الأهمية، ولا شك أن للأطباء مكانة خاصة في قلوب كل الناس، وهناك من يحب الأطباء وهناك من يكره المستشفيات والعيادات نفورا من المرض وليس من الأطباء، فالجميع يدركون أنهم لا يستطيعون الاستغناء عن الأطباء. تستطيع ان تعيش عمرا طويلا من دون التعامل مع مهندس أو نجار أو بحار أو محاسب أو مدرس أو حتى حلاق، وهناك مهارات كثيرة يستطيع الناس اكتسابها من دون تعليم أو تدريب نظامي، وهناك كثيرون لا يستعينون بالسباك أو الكهربائي أو الميكانيكي او النجار، بل هناك آباء وأمهات عقلاء لديهم عيال واستغنوا تماما عن المدرسين والمدارس بأن تولوا تدريس عيالهم بأنفسهم، ولكن ابن آدم المعاصر صار يتعامل مع الطبيب قبل ان يكمل ساعة من العمر، أو شهرا على أبعد تقدير!! المجلس الطبي البريطاني يناقش توفير أزياء جديدة للأطباء تشبه الأزياء العسكرية في كونها تعكس «رُتبة» الطبيب، أي ما إذا كان ممارسا عاما او اختصاصيا أو استشاريا، بل تحدد رتبة الطبيب الاستشاري بين بقية الاستشاريين، بمعنى ان الاستشاري محمد قد يحمل على كتفيه شريطا حريريا واحدا بينما زميله الاستشاري حسنين يحمل شريطين، والأهم من كل ذلك ان الاقتراح يستوجب على كل طبيب أن يرتدي شارة تحمل اسمه وتخصصه، لأن المريض كثيرا ما يتلقى علاجا لدى طبيب معين، وقد تسوء حالته فيعجز عن تحديد اسم الطبيب الذي عالجه ليواصل معه العلاج، أو «يشتمه» في الصحف!!
في عاصمة خليجية عشت فيها عدة سنوات، وكان لي وقتها من العيال واحد فقط، لم أكن أعرف موقع المستشفيات الحكومية، بل كنا ثلاثتنا نتلقى العلاج في العيادات الخاصة، ذات مرة طلبت عرض زوجتي على اختصاصية باطنية وصدر، وقد كان، وبعدها بفترة طويلة ذهبنا الى مركز طبي خاص لعرض ولدي على اختصاصي أمراض أطفال، وقد كان، وكانت نفس الطبيبة التي تقمصت دور اختصاصي الباطنية والصدر في ذلك المركز الطبي. وكانت شابة. يعني لو كانت أكبر سنا لقلنا إنها تخصصت في أكثر من مجال، كما يفعل الأطباء الطموحون الذين ينوعون مهاراتهم وقدراتهم، او يكتشفون ان المجال الذي تخصصوا فيه أولا «غير مقنع» ويختارون تخصصا جديدا. واجهتها بكل جلافة: ما هو مجال تخصصك على وجه التحديد؟ فقالت: أطفال وباطنية وصدر وجراحة عامة، فقلت لها: أخشى أن أذهب بقطة الى عيادة بيطرية وأجدك هناك اختصاصية أمراض جلدية وتناسلية!! طبعا كانت تلك الطبيبة ممارسة عامة، غير متخصصة في مجال طبي معين، والممارس العام هو عماد وركيزة الخدمات الطبية لأنه يحمل العبء الأكبر في علاج المرضى، وعليه تقع مسؤولية تحديد نوع المرض وما إذا كان يستوجب عرض المصاب به على شخص أعلى تأهيلا، ولكن بعض البقالات الطبية تضفي ألقابا وهمية على الأطباء العاملين بها، مستغلين ان المرضى لا يعرفون -مثلا- الفرق بين اختصاصي الأمراض الباطنية، واختصاصي أمراض الجهاز الهضمي. في إيطاليا وحدها يوجد نحو أربعين ألف طبيب أسنان مستهبل، أي بلا مؤهلات، تلك ايطاليا بأجهزتها الأمنية والمافيا وصوفيا لورين، فكيف يكون الحال عندنا حيث تسير الأمور «بالبركة» (لماذا نستخدم كلمة البركة بما يوحي أنها تعني السبهللية؟) أعتقد ان استخدام زي مميز لكل فئة وشريحة من الأطباء في مصلحة المرضى، خاصة أن تعدد الأزياء في المستشفيات الكبيرة يجعلنا لا نستطيع أن نميز بين فني الأشعة والمختبر والطبيب والممرض المتمرس.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك