العدد : ١٧٤٧٦ - الثلاثاء ٢٧ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٦ - الثلاثاء ٢٧ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ شعبان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

طبيب بشريط وآخر بشريطين

لست‭ ‬ممن‭ ‬يعتقدون‭ ‬ان‭ ‬الطب‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬أكثر‭ ‬تقدما‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬فبعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬فيها‭ ‬خدمات‭ ‬طبية‭ ‬لا‭ ‬يحلم‭ ‬بها‭ ‬المواطن‭ ‬الأوروبي‭ ‬أو‭ ‬الأمريكي‭. ‬وقد‭ ‬عشت‭ ‬حينا‭ ‬من‭ ‬الدهر‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬غربية‭ ‬وزرت‭ ‬الكثير‭ ‬منها،‭ ‬وأعلن‭ ‬بضمير‭ ‬مستريح‭ ‬أن‭ ‬ثقتي‭ ‬بالطبيب‭ ‬العربي‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬ثقتي‭ ‬بالطبيب‭ ‬الغربي‭. ‬وبعد‭ ‬هذه‭ ‬المقدمة‭ ‬أتناول‭ ‬اليوم‭ ‬أمرا‭ ‬ظل‭ ‬يشغل‭ ‬المجلس‭ ‬الطبي‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬وقد‭ ‬يبدو‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬ثانويا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأهمية،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬للأطباء‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬كل‭ ‬الناس،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يحب‭ ‬الأطباء‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يكره‭ ‬المستشفيات‭ ‬والعيادات‭ ‬نفورا‭ ‬من‭ ‬المرض‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬الأطباء،‭ ‬فالجميع‭ ‬يدركون‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬الأطباء‭. ‬تستطيع‭ ‬ان‭ ‬تعيش‭ ‬عمرا‭ ‬طويلا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬مهندس‭ ‬أو‭ ‬نجار‭ ‬أو‭ ‬بحار‭ ‬أو‭ ‬محاسب‭ ‬أو‭ ‬مدرس‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬حلاق،‭ ‬وهناك‭ ‬مهارات‭ ‬كثيرة‭ ‬يستطيع‭ ‬الناس‭ ‬اكتسابها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تعليم‭ ‬أو‭ ‬تدريب‭ ‬نظامي،‭ ‬وهناك‭ ‬كثيرون‭ ‬لا‭ ‬يستعينون‭ ‬بالسباك‭ ‬أو‭ ‬الكهربائي‭ ‬أو‭ ‬الميكانيكي‭ ‬او‭ ‬النجار،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬آباء‭ ‬وأمهات‭ ‬عقلاء‭ ‬لديهم‭ ‬عيال‭ ‬واستغنوا‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬المدرسين‭ ‬والمدارس‭ ‬بأن‭ ‬تولوا‭ ‬تدريس‭ ‬عيالهم‭ ‬بأنفسهم،‭ ‬ولكن‭ ‬ابن‭ ‬آدم‭ ‬المعاصر‭ ‬صار‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬الطبيب‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يكمل‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬أو‭ ‬شهرا‭ ‬على‭ ‬أبعد‭ ‬تقدير‭!! ‬المجلس‭ ‬الطبي‭ ‬البريطاني‭ ‬يناقش‭ ‬توفير‭ ‬أزياء‭ ‬جديدة‭ ‬للأطباء‭ ‬تشبه‭ ‬الأزياء‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬تعكس‭ ‬‮«‬رُتبة‮»‬‭ ‬الطبيب،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ممارسا‭ ‬عاما‭ ‬او‭ ‬اختصاصيا‭ ‬أو‭ ‬استشاريا،‭ ‬بل‭ ‬تحدد‭ ‬رتبة‭ ‬الطبيب‭ ‬الاستشاري‭ ‬بين‭ ‬بقية‭ ‬الاستشاريين،‭ ‬بمعنى‭ ‬ان‭ ‬الاستشاري‭ ‬محمد‭ ‬قد‭ ‬يحمل‭ ‬على‭ ‬كتفيه‭ ‬شريطا‭ ‬حريريا‭ ‬واحدا‭ ‬بينما‭ ‬زميله‭ ‬الاستشاري‭ ‬حسنين‭ ‬يحمل‭ ‬شريطين،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬ان‭ ‬الاقتراح‭ ‬يستوجب‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬طبيب‭ ‬أن‭ ‬يرتدي‭ ‬شارة‭ ‬تحمل‭ ‬اسمه‭ ‬وتخصصه،‭ ‬لأن‭ ‬المريض‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يتلقى‭ ‬علاجا‭ ‬لدى‭ ‬طبيب‭ ‬معين،‭ ‬وقد‭ ‬تسوء‭ ‬حالته‭ ‬فيعجز‭ ‬عن‭ ‬تحديد‭ ‬اسم‭ ‬الطبيب‭ ‬الذي‭ ‬عالجه‭ ‬ليواصل‭ ‬معه‭ ‬العلاج،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬يشتمه‮»‬‭ ‬في‭ ‬الصحف‭!!‬

في‭ ‬عاصمة‭ ‬خليجية‭ ‬عشت‭ ‬فيها‭ ‬عدة‭ ‬سنوات،‭ ‬وكان‭ ‬لي‭ ‬وقتها‭ ‬من‭ ‬العيال‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬موقع‭ ‬المستشفيات‭ ‬الحكومية،‭ ‬بل‭ ‬كنا‭ ‬ثلاثتنا‭ ‬نتلقى‭ ‬العلاج‭ ‬في‭ ‬العيادات‭ ‬الخاصة،‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬طلبت‭ ‬عرض‭ ‬زوجتي‭ ‬على‭ ‬اختصاصية‭ ‬باطنية‭ ‬وصدر،‭ ‬وقد‭ ‬كان،‭ ‬وبعدها‭ ‬بفترة‭ ‬طويلة‭ ‬ذهبنا‭ ‬الى‭ ‬مركز‭ ‬طبي‭ ‬خاص‭ ‬لعرض‭ ‬ولدي‭ ‬على‭ ‬اختصاصي‭ ‬أمراض‭ ‬أطفال،‭ ‬وقد‭ ‬كان،‭ ‬وكانت‭ ‬نفس‭ ‬الطبيبة‭ ‬التي‭ ‬تقمصت‭ ‬دور‭ ‬اختصاصي‭ ‬الباطنية‭ ‬والصدر‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المركز‭ ‬الطبي‭. ‬وكانت‭ ‬شابة‭. ‬يعني‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬أكبر‭ ‬سنا‭ ‬لقلنا‭ ‬إنها‭ ‬تخصصت‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجال،‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬الأطباء‭ ‬الطموحون‭ ‬الذين‭ ‬ينوعون‭ ‬مهاراتهم‭ ‬وقدراتهم،‭ ‬او‭ ‬يكتشفون‭ ‬ان‭ ‬المجال‭ ‬الذي‭ ‬تخصصوا‭ ‬فيه‭ ‬أولا‭ ‬‮«‬غير‭ ‬مقنع‮»‬‭ ‬ويختارون‭ ‬تخصصا‭ ‬جديدا‭. ‬واجهتها‭ ‬بكل‭ ‬جلافة‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مجال‭ ‬تخصصك‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد؟‭ ‬فقالت‭: ‬أطفال‭ ‬وباطنية‭ ‬وصدر‭ ‬وجراحة‭ ‬عامة،‭ ‬فقلت‭ ‬لها‭: ‬أخشى‭ ‬أن‭ ‬أذهب‭ ‬بقطة‭ ‬الى‭ ‬عيادة‭ ‬بيطرية‭ ‬وأجدك‭ ‬هناك‭ ‬اختصاصية‭ ‬أمراض‭ ‬جلدية‭ ‬وتناسلية‭!! ‬طبعا‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الطبيبة‭ ‬ممارسة‭ ‬عامة،‭ ‬غير‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬طبي‭ ‬معين،‭ ‬والممارس‭ ‬العام‭ ‬هو‭ ‬عماد‭ ‬وركيزة‭ ‬الخدمات‭ ‬الطبية‭ ‬لأنه‭ ‬يحمل‭ ‬العبء‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬علاج‭ ‬المرضى،‭ ‬وعليه‭ ‬تقع‭ ‬مسؤولية‭ ‬تحديد‭ ‬نوع‭ ‬المرض‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬يستوجب‭ ‬عرض‭ ‬المصاب‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬شخص‭ ‬أعلى‭ ‬تأهيلا،‭ ‬ولكن‭ ‬بعض‭ ‬البقالات‭ ‬الطبية‭ ‬تضفي‭ ‬ألقابا‭ ‬وهمية‭ ‬على‭ ‬الأطباء‭ ‬العاملين‭ ‬بها،‭ ‬مستغلين‭ ‬ان‭ ‬المرضى‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ -‬مثلا‭- ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬اختصاصي‭ ‬الأمراض‭ ‬الباطنية،‭ ‬واختصاصي‭ ‬أمراض‭ ‬الجهاز‭ ‬الهضمي‭. ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬وحدها‭ ‬يوجد‭ ‬نحو‭ ‬أربعين‭ ‬ألف‭ ‬طبيب‭ ‬أسنان‭ ‬مستهبل،‭ ‬أي‭ ‬بلا‭ ‬مؤهلات،‭ ‬تلك‭ ‬ايطاليا‭ ‬بأجهزتها‭ ‬الأمنية‭ ‬والمافيا‭ ‬وصوفيا‭ ‬لورين،‭ ‬فكيف‭ ‬يكون‭ ‬الحال‭ ‬عندنا‭ ‬حيث‭ ‬تسير‭ ‬الأمور‭ ‬‮«‬بالبركة‮»‬‭ (‬لماذا‭ ‬نستخدم‭ ‬كلمة‭ ‬البركة‭ ‬بما‭ ‬يوحي‭ ‬أنها‭ ‬تعني‭ ‬السبهللية؟‭) ‬أعتقد‭ ‬ان‭ ‬استخدام‭ ‬زي‭ ‬مميز‭ ‬لكل‭ ‬فئة‭ ‬وشريحة‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬المرضى،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬تعدد‭ ‬الأزياء‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭ ‬الكبيرة‭ ‬يجعلنا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نميز‭ ‬بين‭ ‬فني‭ ‬الأشعة‭ ‬والمختبر‭ ‬والطبيب‭ ‬والممرض‭ ‬المتمرس‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا