العدد : ١٧٤٧٠ - الأربعاء ٢١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٠ - الأربعاء ٢١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ شعبان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

كتابة من الباطن

ربطتني‭ ‬بالكاتب‭ ‬الصحفي‭ ‬السعودي‭ ‬الراحل‭ ‬أحمد‭ ‬المهندس،‭ ‬أواصر‭ ‬ود‭ ‬عميقة‭ ‬وقوية،‭ ‬وكنت‭ ‬كلما‭ ‬حللت‭ ‬بمدينة‭ ‬جدة،‭ ‬أقضي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬معه،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬متعدد‭ ‬المعارف‭ ‬والمشارب،‭ ‬يكتب‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬ويكتب‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬والرياضة،‭ ‬وكان‭ ‬لي‭ ‬شرف‭ ‬كتابة‭ ‬مقدمة‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬عنتر‭ ‬زمانه‮»‬‭ ‬وفيه‭ ‬تجلت‭ ‬قدرات‭ ‬المهندس‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭ ‬الساخرة‭.‬

كتب‭ ‬المهندس‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬عكاظ‭ ‬السعودية‭ ‬مقالا‭ ‬لاذعا‭ ‬عن‭ ‬صحفي‭ ‬عربي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬الستينيات‭ ‬درج‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬مقالات‭ ‬ونشرها‭ ‬باسم‭ ‬زوجته‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تحسن‭ ‬حتى‭ ‬كتابة‭ ‬قائمة‭ ‬المواد‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬اللازمة‭ ‬لشؤون‭ ‬الطعام‭ ‬والنظافة‭ (‬لا‭ ‬أكره‭ ‬عطلة‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬إلا‭ ‬بسبب‭ ‬تلك‭ ‬القائمة‭ ‬التي‭ ‬تجهزها‭ ‬زوجتي‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عدة‭ ‬أيام،‭ ‬ولأنها‭ ‬لا‭ ‬تثق‭ ‬في‭ ‬ذوقي‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الأشياء‭ ‬فإنها‭ ‬أحيانا‭ ‬تكتب‭ ‬تفاصيل‭ ‬فيها‭ ‬استخفافا‭ ‬بي‭: ‬دريم‭ ‬ويب‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الأبيض‭.. ‬ما‭ ‬تجيب‭ ‬اللي‭ ‬بنكهة‭ ‬الفراولة‭.. ‬وكنت‭ ‬في‭ ‬بادئ‭ ‬الأمر‭ ‬احسب‭ ‬ان‭ ‬الدريم‭ ‬ويب‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الأقراص‭ ‬المنومة،‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬دريم‮»‬‭ ‬تعني‭ ‬الحلم‭ ‬والمنام،‭ ‬والمهم‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الشيء‭ - ‬لعلم‭ ‬الرجال‭ ‬الحمشين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬شيئا‭ ‬عن‭ ‬لوازم‭ ‬الطبخ‭ - ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬بودرة‭ ‬بيضاء‭ ‬عديمة‭ ‬الفائدة‭ ‬تصنع‭ ‬منها‭ ‬النساء‭ ‬شيئا‭ ‬يشبه‭ ‬الرغوة‭ ‬يضعنه‭ ‬في‭ ‬الحلويات‭ ‬المنزلية‭). ‬أعود‭ ‬لأقول‭ ‬إن‭ ‬مقالات‭ ‬المرأة‭ ‬الشبح‭ ‬نالت‭ ‬استحسان‭ ‬الأوساط‭ ‬النسائية‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬وسعت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجمعيات‭ ‬والروابط‭ ‬النسائية‭ ‬الى‭ ‬التواصل‭ ‬معها‭ ‬ودعوتها‭ ‬الى‭ ‬إلقاء‭ ‬محاضرات‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬ندوات‭. ‬وبالطبع‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬أعقل‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬ترتكب‭ ‬حماقة‭ ‬الظهور‭ ‬أمام‭ ‬حشود‭ ‬نسائية‭ ‬غالبيتها‭ ‬متعلمة‭ ‬ومستنيرة،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬ستكتشف‭ ‬ان‭ ‬مخها‭ ‬مثل‭ ‬الدريم‭ ‬ويب،‭ ‬أي‭ ‬مجرد‭ ‬رغوة‭ ‬عديمة‭ ‬الجدوى،‭ ‬ومع‭ ‬تكاثر‭ ‬الدعوات‭ ‬والاعتذارات‭ ‬استنتجت‭ ‬تلك‭ ‬الجمعيات‭ ‬ان‭ ‬الأستاذة‭ ‬الكاتبة‭ ‬الكبيرة‭ ‬‮«‬متكبرة‭ ‬ومتغطرسة‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬سيدة‭ ‬بعينها‭ ‬ظلت‭ ‬لحوحة‭ ‬ولم‭ ‬تيأس‭ ‬ووسطت‭ ‬شخصية‭ ‬كبيرة‭ ‬ومتنفذة‭ ‬لإقناع‭ ‬الأستاذة‭ ‬بتقديم‭ ‬محاضرة‭ ‬في‭ ‬جمعية‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬تتولى‭ ‬رئاستها،‭ ‬وقامت‭ ‬الشخصية‭ ‬الكبيرة‭ ‬بالاتصال‭ ‬بالصحفي‭ ‬وطلبت‭ ‬منه‭ ‬السماح‭ ‬لزوجته‭ ‬بتقديم‭ ‬المحاضرة‭ ‬المطلوبة،‭(‬يعني‭ ‬‮«‬أمرت‮»‬‭ ‬لأن‭ ‬الشخصية‭ ‬الكبيرة‭ ‬لا‭ ‬تطلب‭ ‬بل‭ ‬طلباتها‭ ‬أوامر‭)  ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬امام‭ ‬الرجل‭ ‬من‭ ‬سبيل‭ ‬سوى‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬زوجته‭ ‬ماهرة‭ ‬في‭ ‬فن‭ ‬‮«‬القوالة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬القيل‭ ‬والقال،‭ ‬وفاشلة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬المقالة،‭ ‬وبأنه‭ ‬يكتب‭ ‬باسمها‭ ‬حتى‭ ‬يرفع‭ ‬معنوياتها‭!! ‬

مسكينة‭ ‬ام‭ ‬الجعافر‭ ‬فقد‭ ‬تعرضت‭ ‬لمواقف‭ ‬مشابة‭ ‬ولكن‭ ‬بالمقلوب،‭ ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬تغتنم‭ ‬الفرصة‭ ‬وتدخل‭ ‬دائرة‭ ‬الضوء‭ ‬أثبتت‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬متخلفة‮»‬‭ ‬بجدارة،‭ ‬فقد‭ ‬رفضت‭ ‬ان‭ ‬تحاورنا‭ ‬محطات‭ ‬تلفزيونية‭ ‬كـ«عائلة‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬مفهوما‭ ‬لأنني‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬سأقبل‭ ‬الفكرة‭ ‬أصلا،‭ ‬وتركت‭ ‬لها‭ ‬أمر‭ ‬ردع‭ ‬التلفزيونجية‭. ‬وذات‭ ‬مرة‭ ‬اتصلت‭ ‬بها‭ ‬مقدمة‭ ‬برامج‭ ‬إذاعية،‭ ‬وتلقت‭ ‬المكالمة‭ ‬بنتي‭ ‬مروة‭ ‬فأبلغتها‭ ‬المذيعة‭ ‬أنها‭ ‬تريد‭ ‬من‭ ‬زوجتي‭ ‬الاشتراك‭ ‬في‭ ‬فقرة‭ ‬قصيرة‭ ‬عبر‭ ‬الهاتف‭ ‬لتتكلم‭ ‬عن‭ ‬زوجها‭ (‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أنا‭) ‬وحياتنا‭ ‬العائلية،‭ ‬فقالت‭ ‬مروة‭ ‬بلا‭ ‬تردد‭ ‬ان‭ ‬أمها‭ ‬ستكون‭ ‬سعيدة‭ ‬بذلك‭ ‬ووعدت‭ ‬المذيعة‭ ‬بأن‭ ‬ماما‭ ‬ستتصل‭ ‬بها‭ ‬لاحقا‭ ‬للاتفاق‭ ‬حول‭ ‬تفاصيل‭ ‬مشاركتها،‭ ‬وعندما‭ ‬خاطبت‭ ‬مروة‭ ‬أمها‭ ‬في‭ ‬أمر‭ ‬ذلك‭ ‬البرنامج‭ ‬الإذاعي‭ ‬قالت‭ ‬أمها‭ ‬انها‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬لنفسها‭ ‬ان‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬فقط‭ ‬لأنها‭ ‬زوجة‭ ‬جعفر‭ ‬عباس‭ (‬تستعر‭ ‬مني؟؟؟‭)‬،‭ ‬وإنه‭ ‬ليس‭ ‬لديها‭ ‬ما‭ ‬تقوله‭ ‬وحياتها‭ ‬العائلية‭ ‬لا‭ ‬تخص‭ ‬أحدا‭!! ‬فقالت‭ ‬مروة‭: ‬طيب‭ ‬خليني‭ ‬أشارك‭ ‬وأعمل‭ ‬نفسي‭ ‬زوجة‭ ‬جعفر،‭ ‬وسأقول‭ ‬للمستمعين‭ ‬إنه‭ ‬مفتري‭ ‬وبخيل‭ ‬ولا‭ ‬يشتري‭ ‬لنا‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬نشتهيها،‭ ‬وسأفضحه‭ ‬وأقول‭ ‬إنني‭ ‬لا‭ ‬أملك‭ ‬سوى‭ ‬فستانين‭ ‬وجزمة‭ ‬واحدة‭. ‬بل‭ ‬الفردة‭ ‬اليمين‭ ‬فقط‭.‬

‭ ‬وأعرف‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كاتب‭ ‬يكتبون‭ ‬المقالات‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬زوجاتهم‭ ‬كي‭ ‬ينلن‭ ‬مكافآت‭ ‬تجعل‭ ‬أوضاع‭ ‬العائلة‭ ‬أكثر‭ ‬بحبحة‭. ‬هذه‭ ‬مقبولة‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬مقارنة‭ ‬برجال‭ ‬ونساء‭ ‬يستأجرون‭ ‬بالشيء‭ ‬الفلاني‭ ‬أقلاما‭ ‬ليضعوا‭ ‬أسماءهم‭ ‬أسفل‭ ‬مقالات‭ ‬وقصائد،‭ ‬ولا‭ ‬يفتضح‭ ‬أمرهم‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬يجالسهم‭ ‬المرء‭ ‬ليكتشف‭ ‬ان‭ ‬أمخاخهم‭ ‬زلط‭ ‬عليه‭ ‬دريم‭ ‬ويب‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا