زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
جعلوني مثقفا
توجد تعريفات للثقافة بعدد بحار وأنهار الأرض، وتبعا لذلك لا يوجد تعريف حاسم ومتفق عليه لـ«المثقف»: متى وكيف يستحق انسان أن يحوز ذلك المسمى؟ ومن هو أصلا الذي يملك صلاحية ان يقول عن هذا انه مثقف وعن ذاك انه مسطح أو جهلول أو بهلول.
شخصيا، لم أكن أعرف أنني «مثقف» إلا بعد ان تجاوزت الثلاثين، وكان ذلك بعد دخولي الحياة العملية بأعوام، وصار من حقي ان أجالس من هم أكبر مني سنا، ومن حسبت أنهم أكثر مني، أي أنني وبشهادة من آخرين سمعت منهم كلاما من نوع «أنت كمثقف عليك أن...»، أو «نحن كمثقفين يجب ان نقوم بكذا وكذا...»، وبعد ان ترددت هذه العبارات مرارا على ألسنة أشخاص جالستهم، أدركت انني انتميت الى قبيلة المثقفين، ثم أدركت لاحقا ان هذا الانتماء ليس مدعاة للتفاخر والتباهي، لأن تلك القبيلة ملاذ لمن يدعون عراقة النسب الثقافي، وللمنبوذين والمستهبلين. بالطبع ليس كل من انتسب الى هذه القبيلة من هذه الشاكلة ففيها «عيال قبيلة» أصليون ومتمكنون من أدواتهم، خاصة بعد تخفيف شروط الانتماء اليها، فقبل نحو 40 سنة تقريبا، كان الشرط الأساسي للانتماء الى قبيلة المثقفين هو الحصول على الشهادة الجامعية، وشيئا فشيئا اكتشف الناس ان هناك من يستحقون عضوية القبيلة رغم انهم لا يحملون شهادات «مبروزة»، ثم صارت شروط العضوية أكثر مرونة بعد ان صارت الجامعات تنتج أميين بمرتبة الشرف، بينما برز أناس لم يكن حظهم من التعليم النظامي كبيرا، ولكنهم علموا وثقفوا أنفسهم بالمثابرة والمكابدة وطلب المعارف في مظانها، فكان حظ هذه الفئة من الثقافة عظيما لأنهم أفلتوا من الببغاوية التي تغرسها المناهج المدرسية!
وبصراحة فإنني لا أعرف كيف ومتى يحق للإنسان أن ينال لقب مثقف، ولا ما هي الجهة المخولة بمنح هذا اللقب الفخم، وإذا اعتبرني البعض مثقفا فـ«بارك الله فيهم»، ولكنني وبصفة عامة لم أعد أكثرت للانتماء القبلي بالمعنى العريض للعبارة، بل لم تكن مجالسة «المثقفين» تستهويني على نحو خاص، لأنني نشأت في بيئة كان معظم أفرادها من الأميين أو الذين نالوا قدرا بسيطا من التعليم ومع هذا لم تضعف صلتي بهم على مر السنين، ذلك لأنهم يتمتعون بأصالة لم أجدها عند «المثقفين»، ويحترمون الإنسان لكونه إنسانا وليس لأنه صاحب لقب أو منصب أو ديوان شعر او كتاب، وهم يتكلمون على سجياتهم فتخرج من أفواههم حكم السنين والتجارب، وكنت في بداية حياتي العملية أتخذ من دكان ترزي أي خياط كان صديقا لي مقرا ثابتا في الأمسيات. نجلس أمام الدكان نتسامر الى ساعات متأخرة ثم ننصرف الى بيوتنا، وكان من بين أفراد شلة الدكان بائع ثلج (وهو بالمناسبة صاحب المحل الذي كتبت عنه مرارا وكان يحمل اسم «ثلاجة البشرية للثلج البارد»)، وثلاثة من فنيي صناعة الأحذية الذين كانوا زملاء دراسة في المرحلة الثانوية ثم اختاروا التخصص في مجال الأحذية (أصبحوا لاحقا من ملاك مصانع ومحلات بيع الأحذية ويلعبون بالفلوس)، وكان زملائي المثقفون يعجبون بل ويتضايقون لأنني أخالط أشخاصا «دون مستواي». وكان ذلك يغضبني لأنهم كانوا يقصدون ان أصدقائي أولئك «دون مستواهم» هم.. وخلال الترتيبات لزواجي كان اصدقائي المثقفون يجلسون معي لممارسة التنظير حول قضية الجنوب وسيرة غيفارا، بينما كان اصدقائي الذين كانوا «دون مستواهم» يتولون شراء مستلزمات حفل الزواج، وصنع أصدقائي الجزمجية لعروسي حذاء توارثته عشرات العرائس لجماله وإتقان صنعه، وأهداني صديقي الخياط عدة جلابيب (لأن العريس في السودان لا بد ان يرتدي الجلابيب خلال طقوس معينة يتم خلالها طمره بالزيوت العطرية والحناء)، أما صاحب محل الثلج الذي لم يستمع الى نصائحنا بان اسم محله «ثلاجة البشرية للثلج البارد»، يطفش الزبائن لأنهم سيعتقدون أنه ثلاجة لحفظ الموتى، فقد تبرع بأطنان من الثلج للمدعوين الذين تناولوا العشاء على حسابي وأبادوا مدخراتي خلال ساعتين!!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك