زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
حبل الغش قصير
شكا لي صديق وهو مغتم من فصل ابنه من جامعة أمريكية لعام دراسي كامل بعد ضبطه وهو يغش في الامتحانات بطريقة «بلدية»، تتمثل في أنه دخل قاعة الامتحان وهو يحمل هاتفه الأكثر ذكاء منه، رغم أنه كان مطالبا بتركه عند مدخل القاعة، وعكف ينقل منه الأجوبة عن الأسئلة، ولكنه كان قد نسي ان يكتم أنفاسه حتى لا يرن، فإذا به يولول، ولسوء حظه كان المراقب قريبا منه، وصادر الهاتف ووجد على شاشته المادة التي كان يقوم بنسخها.
وتذكرت حكاية كتبت عنها هنا من قبل وتدور وقائعها في بلدة العند في اليمن وبالتحديد في مدرسة اسمها دار السلام. فخلال أحد مواسم الامتحانات، جلس رئيس مركز الامتحانات ومساعدوه من المراقبين يشربون الشاي قبل ان يقرع الجرس إيذانا ببدء الامتحانات.. ثم توزعوا على قاعات الامتحانات، ليراقبوا الطلاب وهم يجيبون عن الأسئلة في ضوء الضوابط المتعارف عليها، ولكنهم بدأوا يشعرون بالنعاس والاسترخاء، بل منهم من أعطاها نومة مصحوبة بزفير وشخير. وانتبه رئيس المركز الى ان طالبين شربا الشاي مع المراقبين من نفس الإناء (الدلة) أصيبا أيضا بالنعاس، فجرجر أقدامه وأبلغ مدير مكتب التربية بالمحافظة بحالة النوم والنعاس الوبائي الذي اجتاح المدرسة فتحركت الشرطة، وصادرت إبريق الشاي المشتبه فيه، وتم فحص محتوياته في مختبر طبي، واتضح انها تحوي حبوبا مأخوذة من شجرة تسمى محليا «البنج»، لكونها ذات خواص تخديرية تماثل البنج المستخدم في العمليات الجراحية. وتولت الشرطة القضية بعد ان اتضح ان مجموعة من الطلاب عمدت الى تخدير مراقبي الامتحانات حتى يكونوا في «وادٍ» والطلاب في وادٍ آخر.
وخلال سنوات عملي بالتدريس في المرحلة الثانوية في السودان، لم يكن الغش ظاهرة مقلقة، بل كان في معظمه يقتصر على مد العنق لرؤية ما يكتبه المتفوقون. وفي موسم امتحانات ذات عام أبلغنا حارس المدرسة ان طالبين يأتيان بانتظام الى المدرسة في الأمسيات ثم يتسللان الى دورة مياه معينة بالتناوب. توجهنا الى دورة المياه تلك أنا وزملاء لي من هيئة التدريس ووجدنا عليها قفلا (طبلة) رخيصا من النوع الذي يمكن فتحه بعطسة قوية. وأدركنا ان المسألة فيها «إنَّ». نجحنا في فتح القفل بسهولة، وفوجئنا بدورة مياه تشرح الصدر. جدرانها مطلية بكفاءة واحتراف ومغطاة بالخرائط والقصائد ومعادلات الكيمياء والرياضيات. يعني تحول الحمام الى برشام أثري تتوارثه الأجيال كما النقوش التي في المباني التاريخية.. واستنتجنا ما كان يرمي إليه الطالبان (يفوت على الطلاب الذين يمارسون الغش أن المدرسين الذين يراقبونهم كانوا طلابا يوما ما وحتى لو لم يمارسوا الغش وهم على مقاعد الدراسة، فإنهم يعرفون أساليب الغش التي كان يمارسها زملاؤهم في المدرسة) المهم، بدأت الامتحانات وعيوننا على الطالبين اللذين حولا دورة المياه الى موسوعة أكاديمية. وبعد نحو نصف ساعة من بداية الامتحان الأول طلب أحدهما الإذن للذهاب الى الحمام، وبكل براءة قلنا له: تفضل، وكما جرت العادة أمرنا أحد الفراشين بمتابعته حتى باب الحمام. كنت انظر اليه من بعيد.. أخرج المفتاح وفتح القفل ثم خرج مسرعا، ثم دخل وخرج من كل الحمامات وهو يتصبب عرقا.. وعاد الى قاعة الامتحانات، ووجهه يلعن قفاه، وبعدها بدقائق طلب زميله الإذن بالذهاب الى الحمام فكان له ما أراد، فدخل وخرج من عدة حمامات وهو مصاب بالذهول. وما حدث هو أننا وقبل بدء الامتحانات بساعات قليلة قمنا بإعادة طلاء الحمام «المثقف» حتى ارتدّت جدرانه الى الأمية، أي أننا مسحنا كل ما عليها من معلومات ورسومات بطلاء جديد. وبعد الامتحان حدثناهما بـ«الحكاية».. فشعرا بالخجل.. والغريب في الأمر ان كليهما نجح في الامتحان لأن الجهد الذي بذلاه في تسجيل المعلومات في المرحاض أسفر عن ترسب بعض المعلومات في رأسيهما.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك