العدد : ١٧٤٩٠ - الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٠ - الثلاثاء ١٠ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ شعبان ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

وسقطت عني تهمة مدمرة* (4)

سردت‭ ‬عليكم‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬الأيام‭ ‬الثلاثة‭ ‬الماضية،‭ ‬تفاصيل‭ ‬طعن‭ ‬طبيب‭ ‬وثقت‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬شرفي،‭ ‬بأن‭ ‬أخضعني‭ ‬للتصوير‭ ‬الاشعاعي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬لأن‭ ‬تكيُّسا‭ ‬صغير‭ ‬الحجم‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬صدري،‭ ‬ثم‭ ‬قرر‭ ‬سحب‭ ‬عينة‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬التكيس‭ ‬وأرسالها‭ ‬الى‭ ‬الفحص‭ ‬في‭ ‬المختبر،‭ ‬وما‭ ‬سبب‭ ‬لي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التوتر،‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬قيل‭ ‬لي‭ ‬إن‭ ‬نتيجة‭ ‬فحص‭ ‬العينة‭ ‬قد‭ ‬يستغرق‭ ‬5‭ ‬أيام،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬المؤشرات‭ ‬مطمئنة‭ ‬ومبشرة،‭ ‬و7‭ ‬إيام‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬‮«‬إنّ‮»‬،‭ ‬و«إنّ‮»‬‭ ‬هذه‭ ‬تعني‭ ‬وجود‭ ‬أمر‭ ‬خبيث‭. ‬ومر‭ ‬اليوم‭ ‬الخامس‭ ‬ولم‭ ‬تظهر‭ ‬النتيجة،‭ ‬فقلت‭: ‬الدوام‭ ‬لله‭ ‬يا‭ ‬أبو‭ ‬الجعافر،‭ ‬ستدخل‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬العلاج‭ ‬الكيمائي‭ ‬وربما‭ ‬الإشعاعي،‭ ‬وستفقد‭ ‬شعرك‭ ‬الفضي،‭ ‬ويمكن‭ ‬‮«‬تروح‭ ‬فيها‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬ينتهي‭ ‬عقد‭ ‬حياتك‭ ‬بقدوم‭ ‬هادم‭ ‬اللذات‭ ‬مفرِّق‭ ‬الجماعات،‭ ‬و«إنا‭ ‬لله‭ ‬وإنا‭ ‬اليه‭ ‬راجعون‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬كانت‭ ‬منيّته‭ ‬بأرضٍ‭/ ‬فلا‭ ‬يموت‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬سِواها،‭ ‬وفكرت‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬قائمة‭ ‬بمحاسني،‭ ‬لتسهيل‭ ‬المهمة‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬قد‭ ‬يحاولون‭ ‬ان‭ ‬يتذكّروها‭.‬

قلت‭ ‬إن‭ ‬الأمر‭ ‬سبب‭ ‬لي‭ ‬بعض‭ ‬أو‭ ‬كثير‭ ‬التوتر،‭ ‬وان‭ ‬احتمال‭ ‬‮«‬الموت‮»‬‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬ذهني،‭ ‬ولكن‭ ‬وبكل‭ ‬صدق،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أخاف‭ ‬من‭ ‬الموت،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬خوفي‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬‮«‬البهدلة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تسبق‭ ‬الموت،‭ ‬فجميع‭ ‬أبناء‭ ‬آدم‭ ‬وحواء‭ ‬يعرفون‭ ‬أنهم‭ ‬إلى‭ ‬موت،‭ ‬والموت‭ ‬يؤلم‭ ‬الأحياء‭ ‬القريبين‭ ‬من‭ ‬الميت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬إيلامه‭ ‬للميت‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أنني‭ ‬صنديد‭ ‬و«أحب‮»‬‭ ‬الموت،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬أنني‭ ‬مدرك‭ ‬لحتميته،‭ ‬أما‭ ‬خوفي‭ ‬الأكبر‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬العجز‭. ‬فلا‭ ‬أتمنى‭ ‬قط‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬يوما‭ ‬ما‭ ‬عبئا‭ ‬على‭ ‬أحد،‭ ‬ويحضرني‭ ‬دائما‭ ‬قول‭ ‬الحبيب‭ ‬الراحل‭ ‬غازي‭ ‬القصيبي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭:‬

أخاف‭ ‬المنيّة‭ ‬لكنني‭ ‬–‭ ‬أخاف‭ ‬من‭ ‬العجز‭ ‬أكثر

عشت‭ ‬عمري‭ ‬كله‭ ‬وأنا‭ ‬شديد‭ ‬العزوف‭ ‬عن‭ ‬إيكال‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬غيري،‭ ‬وعن‭ ‬إصدار‭ ‬الأوامر‭ ‬للآخرين‭. ‬ولا‭ ‬أمارس‭ ‬سلطاتي‭ ‬كأب،‭ ‬أو‭ ‬كزوج‭ ‬ذكوري‭ ‬وأطلب‭ ‬من‭ ‬عيالي‭ ‬أو‭ ‬أمهم،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬–‭ ‬ومن‭ ‬محاسن‭ ‬الصدف‭ ‬–‭ ‬زوجتي‭: ‬هاتوا‭ ‬مويه‭ (‬ماء‭)/ ‬شاي‭/ ‬النظارة‭/ ‬قلامة‭ ‬الأظافر،‭ ‬إلخ‭. ‬وقلت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬مقالاتي‭ ‬إن‭ ‬التراث‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬سائدا‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬بالأندلس،‭ ‬والتي‭ ‬صارت‭ ‬إسبانيا،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الإسبان‭ ‬هم‭ ‬الوحيدون‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الذين‭ ‬يتفشى‭ ‬بينهم‭ ‬وباء‭ ‬نوم‭ ‬القيلولة‭ (‬ويسمونها‭ ‬سيستا‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬يؤكد‭ ‬ضعف‭ ‬جيناتي‭ ‬العربية‭ ‬والإفريقية،‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أتمدد‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬إلا‭ ‬ليلا،‭ ‬استعدادا‭ ‬للنوم،‭ ‬ما‭ ‬جعلني‭ ‬أميل‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أنني‭ ‬سويدي،‭ ‬وأن‭ ‬الأمور‭ ‬اختلطت‭ ‬على‭ ‬القابلة‭ ‬التي‭ ‬سحبت‭ ‬رجلي،‭ ‬وسجلتني‭ ‬في‭ ‬دفتر‭ ‬المواليد‭ ‬سودانيا‭.‬

أعود‭ ‬إلى‭ ‬موضوع‭ ‬ارسال‭ ‬عينة‭ ‬تم‭ ‬شفطها‭ ‬من‭ ‬التكيس‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬صدري‭ ‬وإرسالها‭ ‬إلى‭ ‬المختبر،‭ ‬لإصدار‭ ‬حكم‭ ‬بالإدانة‭ ‬أو‭ ‬البراءة،‭ ‬وبعد‭ ‬تلكؤ‭ ‬دام‭ ‬أسبوعا‭ ‬جاء‭ ‬تقرير‭ ‬المختبر،‭ ‬بأنني‭ ‬بريء‭ ‬من‭ ‬الداء‭ ‬الذي‭ ‬يوصف‭ ‬بالخبث،‭ ‬وأن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بشيء‭ ‬اسمه‭ ‬غاينيكوماستيا،‭ ‬أي‭ ‬تضخم‭ ‬في‭ ‬أنسجة‭ ‬الصدر،‭ ‬واي‭ ‬مصطلح‭ ‬طبي‭ ‬يبدأ‭ ‬بـ‮«‬غايني‮»‬،‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬يتعلق‭ ‬بـ«النساء‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬ان‭ ‬النتيجة‭ ‬طعنت‭ ‬في‭ ‬شرفي‭ ‬وتفيد‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬خللا‭ ‬عندي‭ ‬في‭ ‬توازن‭ ‬هرمونات‭ ‬الذكورة‭ ‬التستوستيرون،‭ ‬والأنوثة‭ ‬الأستروجين‭ ‬والبروجسترون،‭ ‬ولكنني‭ ‬لم‭ ‬أتضايق‭ ‬من‭ ‬جنس‭ ‬هذا‭ ‬الطعن،‭ ‬فالمهم‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬نجوت‭ ‬من‭ ‬الأذى‭ ‬الجسيم،‭ ‬وبعدها‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬سأكترث‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬قالوا‭ ‬لي‭: ‬برئت‭ ‬من‭ ‬المرض‭ ‬الخبيث،‭ ‬ولكن‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬احتجازك‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬معزولة‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬أمراض‭ ‬النساء،‭ ‬فالهرمونات‭ ‬الجنسية‭ ‬والتناسلية‭ ‬أي‭ ‬‮ ‬التستوستيرون‭ ‬والاستروجين‭ ‬موجودات‭ ‬لدى‭ ‬الجنسين،‭ ‬وما‭ ‬يهمني‭ ‬من‭ ‬الأمر‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬اختلال‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬الهرمونات‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬وجود‭ ‬مرض‭ ‬عضال‭ ‬والحمد‭ ‬لله‭ ‬الذي‭ ‬أذهب‭ ‬عني‭ ‬أذى‭ ‬المرض‭ ‬الخبيث،‭ ‬وأعفاني‭ ‬منه‭ *‬نحن‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬التشخيص‭ ‬الطبي‭ ‬على‭ ‬انها‭ ‬اتهام،‭ ‬ونقول‭: ‬الدكتور‭ ‬اتهمني‭ ‬بزائدة‭/ ‬قرحة‭/ ‬جيوب‭ ‬أنفية‭....).‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا