زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
وسقطت عني تهمة مدمرة* (4)
سردت عليكم على مدى الأيام الثلاثة الماضية، تفاصيل طعن طبيب وثقت به في شرفي، بأن أخضعني للتصوير الاشعاعي أكثر من مرة، لأن تكيُّسا صغير الحجم ظهر في صدري، ثم قرر سحب عينة من ذلك التكيس وأرسالها الى الفحص في المختبر، وما سبب لي الكثير من التوتر، هو أنه قيل لي إن نتيجة فحص العينة قد يستغرق 5 أيام، إذا كانت المؤشرات مطمئنة ومبشرة، و7 إيام إذا كان في الحكاية «إنّ»، و«إنّ» هذه تعني وجود أمر خبيث. ومر اليوم الخامس ولم تظهر النتيجة، فقلت: الدوام لله يا أبو الجعافر، ستدخل في دوامة العلاج الكيمائي وربما الإشعاعي، وستفقد شعرك الفضي، ويمكن «تروح فيها»، أي ينتهي عقد حياتك بقدوم هادم اللذات مفرِّق الجماعات، و«إنا لله وإنا اليه راجعون»، ومن كانت منيّته بأرضٍ/ فلا يموت في أرض سِواها، وفكرت في إعداد قائمة بمحاسني، لتسهيل المهمة على من قد يحاولون ان يتذكّروها.
قلت إن الأمر سبب لي بعض أو كثير التوتر، وان احتمال «الموت» ورد في ذهني، ولكن وبكل صدق، لم أكن أخاف من الموت، بل كان خوفي الأكبر من «البهدلة» التي قد تسبق الموت، فجميع أبناء آدم وحواء يعرفون أنهم إلى موت، والموت يؤلم الأحياء القريبين من الميت أكثر من إيلامه للميت. ولا يعني ذلك أنني صنديد و«أحب» الموت، بل يعني فقط أنني مدرك لحتميته، أما خوفي الأكبر فهو من العجز. فلا أتمنى قط أن أكون يوما ما عبئا على أحد، ويحضرني دائما قول الحبيب الراحل غازي القصيبي رحمه الله:
أخاف المنيّة لكنني – أخاف من العجز أكثر
عشت عمري كله وأنا شديد العزوف عن إيكال الأمور إلى غيري، وعن إصدار الأوامر للآخرين. ولا أمارس سلطاتي كأب، أو كزوج ذكوري وأطلب من عيالي أو أمهم، والتي هي – ومن محاسن الصدف – زوجتي: هاتوا مويه (ماء)/ شاي/ النظارة/ قلامة الأظافر، إلخ. وقلت أكثر من مرة في مقالاتي إن التراث العربي الذي ما زال سائدا فيما كان يعرف بالأندلس، والتي صارت إسبانيا، هو أن الإسبان هم الوحيدون في أوروبا الذين يتفشى بينهم وباء نوم القيلولة (ويسمونها سيستا)، وما يؤكد ضعف جيناتي العربية والإفريقية، هو أنني لا أتمدد على سرير إلا ليلا، استعدادا للنوم، ما جعلني أميل إلى أنه من المرجح أنني سويدي، وأن الأمور اختلطت على القابلة التي سحبت رجلي، وسجلتني في دفتر المواليد سودانيا.
أعود إلى موضوع ارسال عينة تم شفطها من التكيس الذي في صدري وإرسالها إلى المختبر، لإصدار حكم بالإدانة أو البراءة، وبعد تلكؤ دام أسبوعا جاء تقرير المختبر، بأنني بريء من الداء الذي يوصف بالخبث، وأن الأمر يتعلق بشيء اسمه غاينيكوماستيا، أي تضخم في أنسجة الصدر، واي مصطلح طبي يبدأ بـ«غايني»، يعني أنه يتعلق بـ«النساء»، أي ان النتيجة طعنت في شرفي وتفيد بأن هناك خللا عندي في توازن هرمونات الذكورة التستوستيرون، والأنوثة الأستروجين والبروجسترون، ولكنني لم أتضايق من جنس هذا الطعن، فالمهم هو أنني نجوت من الأذى الجسيم، وبعدها ما كنت سأكترث حتى لو قالوا لي: برئت من المرض الخبيث، ولكن لابد من احتجازك في غرفة معزولة في مستشفى أمراض النساء، فالهرمونات الجنسية والتناسلية أي التستوستيرون والاستروجين موجودات لدى الجنسين، وما يهمني من الأمر هو أن اختلال توازن القوى الهرمونات لا يعني وجود مرض عضال والحمد لله الذي أذهب عني أذى المرض الخبيث، وأعفاني منه *نحن نتعامل مع التشخيص الطبي على انها اتهام، ونقول: الدكتور اتهمني بزائدة/ قرحة/ جيوب أنفية....).

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك