في أحد اللقاءات الاجتماعية على مائدة غداء دافئة، كنا مجموعة من السيدات نجلس حول طاولة أعدَّت صاحبتها الطعام بعناية ومحبة. نتذوَّق الأطباق، نتبادل الملاحظات عن النكهات، عن البهارات، وعن رائحة الطبخ التي تسبق الطعم وتكمله. حديث بسيط يشبه هذه الجلسات التي نخرج منها عادة بشعور خفيف ومطمئن.
إلى أن قالت إحدى الجالسات، بهدوء غير متوقّع: «لا أستطيع مشاركتكن هذا الشعور.. أنا لا أشم ولا أتذوق».
ساد صمت قصير المكان، ليس صمت مجاملة، وإنما ارتباك حقيقي. قالت بعدها إنها فقدت حاستي الشم والتذوق منذ نحو عامين بسبب مشكلة صحية، ثم وصفت حالتها اليوم بكلمات موجعة حيث قالت «الدنيا صارت مظلمة. حياتي تعيسة».
لم تطلب تعاطفًا. قالتها كمن يصف يومه العادي. في تلك اللحظة، لم أجد ما أقول. حاولت أن أعلِّق بشيء. ولم أستطع.
غادرتُ ذلك اللقاء وأنا أفكر في كم التفاصيل التي نعدَّها من المسلَّمات. حاسة الشم، مثلًا، نعيش معها دون وعي؛ ترافق يومنا بصمت، ومع ذلك نادرًا ما نتوقف عندها. وهي من أكثر الحواس التصاقًا بالذاكرة والمشاعر.
رائحة بيت الطفولة، عبق الأم، بخور المناسبات، القهوة في الصباح، رائحة البحر.. لحظات تدخلنا من دون استئذان، وتستقر في أماكن لا نعرف كيف نصفها.
بقي حديثها عالقًا في ذهني، فبحثت عن هذه الحالة بهدوء، محاولة فهم ما يعنيه أن يفقد الإنسان حاستي الشم والتذوق.
ومع البحث، بدا واضحًا أن فقدان الشم والتذوق ليس أمرًا جسديًا فقط. فحاسة الشم مرتبطة مباشرة بمراكز المشاعر في الدماغ، ولهذا حين تغيب، يتغيّر إحساس الإنسان بالأشياء من حوله. الطعام يفقد جزءًا من معناه، والأماكن تخسر شيئًا من حضورها، وحتى الذكريات تصبح أبعد.
ما شدّني في حديثها أيضًا هو أثر هذا الفقد في علاقتها بالآخرين. قالت إنها لم تعد تشارك من حولها حماسهم للطعام أو للأماكن أو حتى للأحاديث المرتبطة بالروائح. كأن لغة خفية كانت تجمعها بالعالم انقطعت فجأة.
هذا النوع من الفقد لا يلفت الانتباه بسهولة. لا يُقاس بالأرقام، لكنه يظهر في التفاصيل الصغيرة، وفي شعور الإنسان بأنه حاضر في المكان. وغائب عن لحظته.
ومع الوقت، أدركت أن الأمر لا يتوقف عند المشاعر والذكريات فقط. فقدان الشم يعني أيضًا فقدان إشارات أمان نألفها دون انتباه: رائحة الغاز، احتراق الطعام، دخان بسيط قد ينبهنا إلى خطر. أشياء صغيرة تحمينا كل يوم من دون أن نشعر. حين تغيب هذه الحاسة، يصبح العالم أقل وضوحًا، ويضطر الإنسان إلى الاعتماد على الآخرين أو على أجهزة تنبيه ليطمئن داخل بيته.
هذا الجانب الصامت من الفقد لا يُحكى كثيرًا، لكنه يضيف طبقة أخرى من القلق إلى حياة من يعيشون بهذه الحالة، ويجعل تفاصيل بسيطة - كتحضير وجبة أو إغلاق الموقد - محمَّلة بحذر إضافي.
وجدتني أتذكر رواية «العطر: قصة قاتل» للكاتب الألماني باتريك زوسكيند، وهي تحكي عن رجل يرى العالم عبر حاسة الشم وحدها، فتتشكل حياته ووعيه بالكامل حول الروائح. وكأن الرواية تقول لنا بطريقة مختلفة: إن فقدان حاسة واحدة لا يعني فقط غياب معلومة، وإنما غياب طريقة كاملة في الوجود والشعور بالحياة.
لم أكتب هذا الكلام بدافع الشفقة، ولا من باب المعرفة الطبية، لأن ما قالته صاحبة التجربة أعادني إلى نعم نعيش معها كل يوم. نعم صغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها، تستحق الحمد قبل أي شيء.
وقد نمرّ يوميًا بأشخاص فقدوا جزءًا من تجربتهم الحسية. قد لا نملك ما يعيد الحواس، لكننا نستطيع أن نصغي بقلوبنا، وأن نكون أكثر انتباهًا لمن يجلسون معنا على الطاولة نفسها، وأن نقول: الحمد لله على ما نملك، وأن نسأل الله لطفًا بمن فقدوا. وهذا وحده فرق كبير.
وربما هذا ما تبقّى لي من تلك الجلسة: أن أغادر الطاولة وأنا أكثر شكرًا لما أملكه، وأكثر رفقًا بمن فقدوا، وأن أحتفظ في قلبي بدعاء صامت لكل من تغيّرت علاقتهم بالحياة بسبب حاسة غابت.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك