العدد : ١٧٤٨٦ - الجمعة ٠٦ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨٦ - الجمعة ٠٦ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ شعبان ١٤٤٧هـ

مقالات

امتنانٌ لحاسةٍ تصنع الذاكرة

بقلم: نبيلة رجب

الجمعة ٠٦ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬أحد‭ ‬اللقاءات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬غداء‭ ‬دافئة،‭ ‬كنا‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬السيدات‭ ‬نجلس‭ ‬حول‭ ‬طاولة‭ ‬أعدَّت‭ ‬صاحبتها‭ ‬الطعام‭ ‬بعناية‭ ‬ومحبة‭. ‬نتذوَّق‭ ‬الأطباق،‭ ‬نتبادل‭ ‬الملاحظات‭ ‬عن‭ ‬النكهات،‭ ‬عن‭ ‬البهارات،‭ ‬وعن‭ ‬رائحة‭ ‬الطبخ‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬الطعم‭ ‬وتكمله‭. ‬حديث‭ ‬بسيط‭ ‬يشبه‭ ‬هذه‭ ‬الجلسات‭ ‬التي‭ ‬نخرج‭ ‬منها‭ ‬عادة‭ ‬بشعور‭ ‬خفيف‭ ‬ومطمئن‭.‬

إلى‭ ‬أن‭ ‬قالت‭ ‬إحدى‭ ‬الجالسات،‭ ‬بهدوء‭ ‬غير‭ ‬متوقّع‭: ‬‮«‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬مشاركتكن‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭.. ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أشم‭ ‬ولا‭ ‬أتذوق‮»‬‭.‬

ساد‭ ‬صمت‭ ‬قصير‭ ‬المكان،‭ ‬ليس‭ ‬صمت‭ ‬مجاملة،‭ ‬وإنما‭ ‬ارتباك‭ ‬حقيقي‭. ‬قالت‭ ‬بعدها‭ ‬إنها‭ ‬فقدت‭ ‬حاستي‭ ‬الشم‭ ‬والتذوق‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬عامين‭ ‬بسبب‭ ‬مشكلة‭ ‬صحية،‭ ‬ثم‭ ‬وصفت‭ ‬حالتها‭ ‬اليوم‭ ‬بكلمات‭ ‬موجعة‭ ‬حيث‭ ‬قالت‭ ‬‮«‬الدنيا‭ ‬صارت‭ ‬مظلمة‭. ‬حياتي‭ ‬تعيسة‮»‬‭.‬

لم‭ ‬تطلب‭ ‬تعاطفًا‭. ‬قالتها‭ ‬كمن‭ ‬يصف‭ ‬يومه‭ ‬العادي‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬ما‭ ‬أقول‭. ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬أعلِّق‭ ‬بشيء‭. ‬ولم‭ ‬أستطع‭.‬

غادرتُ‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬وأنا‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬كم‭ ‬التفاصيل‭ ‬التي‭ ‬نعدَّها‭ ‬من‭ ‬المسلَّمات‭. ‬حاسة‭ ‬الشم،‭ ‬مثلًا،‭ ‬نعيش‭ ‬معها‭ ‬دون‭ ‬وعي؛‭ ‬ترافق‭ ‬يومنا‭ ‬بصمت،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬نتوقف‭ ‬عندها‭. ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الحواس‭ ‬التصاقًا‭ ‬بالذاكرة‭ ‬والمشاعر‭.‬

رائحة‭ ‬بيت‭ ‬الطفولة،‭ ‬عبق‭ ‬الأم،‭ ‬بخور‭ ‬المناسبات،‭ ‬القهوة‭ ‬في‭ ‬الصباح،‭ ‬رائحة‭ ‬البحر‭.. ‬لحظات‭ ‬تدخلنا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استئذان،‭ ‬وتستقر‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬كيف‭ ‬نصفها‭.‬

بقي‭ ‬حديثها‭ ‬عالقًا‭ ‬في‭ ‬ذهني،‭ ‬فبحثت‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬بهدوء،‭ ‬محاولة‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬الإنسان‭ ‬حاستي‭ ‬الشم‭ ‬والتذوق‭.‬

ومع‭ ‬البحث،‭ ‬بدا‭ ‬واضحًا‭ ‬أن‭ ‬فقدان‭ ‬الشم‭ ‬والتذوق‭ ‬ليس‭ ‬أمرًا‭ ‬جسديًا‭ ‬فقط‭. ‬فحاسة‭ ‬الشم‭ ‬مرتبطة‭ ‬مباشرة‭ ‬بمراكز‭ ‬المشاعر‭ ‬في‭ ‬الدماغ،‭ ‬ولهذا‭ ‬حين‭ ‬تغيب،‭ ‬يتغيّر‭ ‬إحساس‭ ‬الإنسان‭ ‬بالأشياء‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬الطعام‭ ‬يفقد‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬معناه،‭ ‬والأماكن‭ ‬تخسر‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬حضورها،‭ ‬وحتى‭ ‬الذكريات‭ ‬تصبح‭ ‬أبعد‭.‬

ما‭ ‬شدّني‭ ‬في‭ ‬حديثها‭ ‬أيضًا‭ ‬هو‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬الفقد‭ ‬في‭ ‬علاقتها‭ ‬بالآخرين‭. ‬قالت‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تشارك‭ ‬من‭ ‬حولها‭ ‬حماسهم‭ ‬للطعام‭ ‬أو‭ ‬للأماكن‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬للأحاديث‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالروائح‭. ‬كأن‭ ‬لغة‭ ‬خفية‭ ‬كانت‭ ‬تجمعها‭ ‬بالعالم‭ ‬انقطعت‭ ‬فجأة‭.‬

هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الفقد‭ ‬لا‭ ‬يلفت‭ ‬الانتباه‭ ‬بسهولة‭. ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بالأرقام،‭ ‬لكنه‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة،‭ ‬وفي‭ ‬شعور‭ ‬الإنسان‭ ‬بأنه‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬المكان‭. ‬وغائب‭ ‬عن‭ ‬لحظته‭.‬

ومع‭ ‬الوقت،‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬المشاعر‭ ‬والذكريات‭ ‬فقط‭. ‬فقدان‭ ‬الشم‭ ‬يعني‭ ‬أيضًا‭ ‬فقدان‭ ‬إشارات‭ ‬أمان‭ ‬نألفها‭ ‬دون‭ ‬انتباه‭: ‬رائحة‭ ‬الغاز،‭ ‬احتراق‭ ‬الطعام،‭ ‬دخان‭ ‬بسيط‭ ‬قد‭ ‬ينبهنا‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭. ‬أشياء‭ ‬صغيرة‭ ‬تحمينا‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭. ‬حين‭ ‬تغيب‭ ‬هذه‭ ‬الحاسة،‭ ‬يصبح‭ ‬العالم‭ ‬أقل‭ ‬وضوحًا،‭ ‬ويضطر‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬أجهزة‭ ‬تنبيه‭ ‬ليطمئن‭ ‬داخل‭ ‬بيته‭. ‬

هذا‭ ‬الجانب‭ ‬الصامت‭ ‬من‭ ‬الفقد‭ ‬لا‭ ‬يُحكى‭ ‬كثيرًا،‭ ‬لكنه‭ ‬يضيف‭ ‬طبقة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬من‭ ‬يعيشون‭ ‬بهذه‭ ‬الحالة،‭ ‬ويجعل‭ ‬تفاصيل‭ ‬بسيطة‭ - ‬كتحضير‭ ‬وجبة‭ ‬أو‭ ‬إغلاق‭ ‬الموقد‭ - ‬محمَّلة‭ ‬بحذر‭ ‬إضافي‭.‬

وجدتني‭ ‬أتذكر‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬العطر‭: ‬قصة‭ ‬قاتل‮»‬‭ ‬للكاتب‭ ‬الألماني‭ ‬باتريك‭ ‬زوسكيند،‭ ‬وهي‭ ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬رجل‭ ‬يرى‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬حاسة‭ ‬الشم‭ ‬وحدها،‭ ‬فتتشكل‭ ‬حياته‭ ‬ووعيه‭ ‬بالكامل‭ ‬حول‭ ‬الروائح‭. ‬وكأن‭ ‬الرواية‭ ‬تقول‭ ‬لنا‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭: ‬إن‭ ‬فقدان‭ ‬حاسة‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬غياب‭ ‬معلومة،‭ ‬وإنما‭ ‬غياب‭ ‬طريقة‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬والشعور‭ ‬بالحياة‭.‬

لم‭ ‬أكتب‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬بدافع‭ ‬الشفقة،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المعرفة‭ ‬الطبية،‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬قالته‭ ‬صاحبة‭ ‬التجربة‭ ‬أعادني‭ ‬إلى‭ ‬نعم‭ ‬نعيش‭ ‬معها‭ ‬كل‭ ‬يوم‭. ‬نعم‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬ظاهرها،‭ ‬عظيمة‭ ‬في‭ ‬أثرها،‭ ‬تستحق‭ ‬الحمد‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭.‬

وقد‭ ‬نمرّ‭ ‬يوميًا‭ ‬بأشخاص‭ ‬فقدوا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬تجربتهم‭ ‬الحسية‭. ‬قد‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬الحواس،‭ ‬لكننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نصغي‭ ‬بقلوبنا،‭ ‬وأن‭ ‬نكون‭ ‬أكثر‭ ‬انتباهًا‭ ‬لمن‭ ‬يجلسون‭ ‬معنا‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬نفسها،‭ ‬وأن‭ ‬نقول‭: ‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬نملك،‭ ‬وأن‭ ‬نسأل‭ ‬الله‭ ‬لطفًا‭ ‬بمن‭ ‬فقدوا‭. ‬وهذا‭ ‬وحده‭ ‬فرق‭ ‬كبير‭.‬

وربما‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الجلسة‭: ‬أن‭ ‬أغادر‭ ‬الطاولة‭ ‬وأنا‭ ‬أكثر‭ ‬شكرًا‭ ‬لما‭ ‬أملكه،‭ ‬وأكثر‭ ‬رفقًا‭ ‬بمن‭ ‬فقدوا،‭ ‬وأن‭ ‬أحتفظ‭ ‬في‭ ‬قلبي‭ ‬بدعاء‭ ‬صامت‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬تغيّرت‭ ‬علاقتهم‭ ‬بالحياة‭ ‬بسبب‭ ‬حاسة‭ ‬غابت‭.‬

 

rajabnabeela@gmail‭.‬com‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا