يُقال إن الرئيس الأمريكي ترامب يؤمن بقول فيلسوف الحرب الصيني «سن تزوSun Tzu »: «إنه لكي تنتصر وتُخضع الخصم دون قتال يجب أن تكون مهاجما»، وترجمته في هذه الحالة هي التحكم في السماوات عن طريق الجو، وأن تدفع إيران إلى الاستسلام غير المشروط في اتجاه تسليمها عن إمكانية امتلاك السلاح النووي. شيء من هذا حدث أثناء حرب الاثني عشر يوما التي بدأت قبل موعدها بكثير عندما نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في الاختراق الكامل للجبهة الداخلية الإيرانية، والتمهيد للحرب من خلال شبكة اغتيالات محورية للقيادات العسكرية وعلماء الطاقة النووية؛ وبعد ذلك جاءت الضربات المدمرة للمواقع النووية وحيث توجد عملية تخصيب اليورانيوم.
كان الحلم الأمريكي الذي ساد الظن أنه قابل للتحقيق هو قيام ثورة شعبية على حكم «نظام الملالي» ورجال الدين، وعلى رأسهم المرشد الأعلى «علي خامنئي». ما حدث فعليا كان أن الشعب الإيراني لم يكن يرغب في دور المطية للحكم الأجنبي، ولكنه بالتأكيد استقر على أن النظام الإيراني لم يعد قابلا للبقاء بحكم ما ذاع عن الانكشاف الواقع على الدولة الإيرانية.
عدة عوامل لعبت دورا إلى التغير في اتجاه الثورة على الحكم القائم، كان أولها: إن الحكم لم يكن مستعدا للاعتراف بالهزيمة والانكشاف الناتج عن خروق في الدولة الإيرانية. وثانيها، وعلى العكس، ادعى الحكم تحقيق انتصار في الحرب نتيجة وصول عدد من الصواريخ الإيرانية إلى إسرائيل. وثالثها: إن النظام الإيراني المستند إلى «الحرس الثوري» في طريقه إلى سد فجوات الاختراقات الاستخبارية الإسرائيلية والأمريكية، مما أثار الكثير من الرعب والتهديد للمواطنين بتهمة الجاسوسية والعمالة في محاكمات سريعة وصورية قادت إلى إعدام قرابة 2000 مواطن.
ورابعها: إنه مع تأثيرات الحرب وتفاقم العقوبات الأمريكية والغربية، فإن الأوضاع الاقتصادية ترَدَّت في إيران إلى الدرجة التي شجعت المواطنين من «جيل زدZ » على الخروج على السلطة الدينية والسياسية.
وخامسها: إن المرشد «خامنئي»، الذي تجاوز سنه 86 عاما، وبقي في الحكم منذ 1989، وكان في طليعة القائلين بالنصر، ظل مصمما على بقاء الأوضاع الإيرانية على ما هي عليه داخليا، حيث انهارت العملة الإيرانية (التومان)؛ وخارجيا حيث عاودت السلطة مدها للمليشيات العربية في العراق ولبنان واليمن بالسلاح والمال، مما سبب أزمة اقتصادية عنيفة.
كل هذه الأسباب أعادت إلى الذهن ذكريات الثورة الإيرانية عندما تصدر «البازار» مواكب الثورة ضد الشاه محمد رضا بهلوي؛ وهذه المرة أيضا خرج البازار الساخط على انهيار العملة والأزمة الاقتصادية في عمومها مطالبا بالتغيير، وتبعتها طوائف كثيرة في جميع المناطق الإيرانية.
إن الجماهير التي كانت تردد هتاف «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل» أصبحت اليوم تطالب بتغيير النظام والسلطة القائمة. والحقيقة هي أن الثورة على هذا النحو قامت على أكتاف تحركات جماهيرية كثيفة اختلفت مصادرها وتنوعت أهدافها. وهذه المرة ظهرت الخبرات المتراكمة مضافة إلى واقع الهزيمة، وقادت إلى مواجهة شرسة من النظام نتج عنها مقتل 5 آلاف شخص ادعت السلطة الإيرانية أنها نتيجة تدخلات استخباراتية إسرائيلية وأمريكية. لقد كان ترامب بالفعل جزءا من المثابرة الإيرانية في الثورة الجماهيرية، وهو الذي حث الجماهير على الاستمرار بوعد «المساعدة الأمريكية» القادمة، وبعد قطع الاتصالات القائمة مع السلطة الإيرانية، مطالبا إياهم بالبحث عن أسماء المعتدين عليهم حتى يمكن محاكمتهم بعد ذلك بتهمة القتل الجماعي.
ما بين العدوان الأمريكي بالقول أو بالفعل، والثورة الإيرانية التي لا تزال جذوتها قائمة؛ فإن مستقبل إيران بات واقعا تحت حزمة من السيناريوهات. كان «كريم سجاد بور»، الباحث في مؤسسة «كارنيجي» الأمريكية، قد كتب مقالا في دورية «الشؤون الخارجية»، تحت عنوان «خريف آيات الله»، وضع فيه ستة سيناريوهات للمستقبل الإيراني. أولها: الروسي الذي يقوم على زوال الزخم الثوري الذي عاشه الاتحاد السوفيتي منذ 1917 حتى 1989 والدور الذي لعبه «جورباتشوف» في تليين العظام السوفيتية ووضع نهاية للثورة. وثانيها: السيناريو الصيني الذي تأخذ فيه الثورة مسارا معاكسا تحافظ على الدولة القائمة، ولكنها تفتح أبوابها ونوافذها للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي فتصير في عداد البلدان المتقدمة.
وثالثها: السيناريو المعاكس لذلك الصيني، حيث يسود نموذج «كوريا الشمالية»، حيث تتجمد وتتيبس الحالة الثورية في دولة رعب جامدة في كل شيء ما عدا التسلح النووي تجاه الخارج والرعب القاتل في الداخل. السيناريو الرابع: صورته باكستانية حيث المؤسسة العسكرية تلعب دور المنقذ من الفوضى والمستعين بتقاليد الدولة القومية؛ وهنا فإن «الحرس الثوري الإيراني» يكون مرشحا لإعادة الأمور الجارية إلي نصابها مع التقليل من دور رجال الدين وقيام «حراس الثورة» بدورهم المهم في الحفاظ على إيران.
السيناريو الخامس: يأخذ الشكل التركي حيث لتركيا الدولة الإسلامية زعامتها القائدة للتغيير والتقدم، متمثلة في الرئيس رجب طيب أردوغان. السيناريو السادس: هو أكثرها سوءا ويقوم على النموذج اليوغسلافي الذي انقسم ليس إلى شيع سياسية وإنما إلى دول سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا والبوسنة والهرسك وصربيا والجبل الأسود وكوسوفو. والأوضاع في داخل إيران لديها من تركيبة الأقاليم العرقية ما يماثل الحالة. .فأي من هذه السيناريوهات سوف ينتظر المستقبل الإيراني؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك