نظم معهد دول الخليج العربي ندوة بعنوان «توقعات 2026: آفاق وأولويات العلاقات الأمريكية الخليجية في عام 2026»، عقدت يوم 8 يناير 2026، جمع خلالها نخبة من الخبراء، وشهدت مناقشات معمقة حول التحديات والفرص التي تواجه دول الخليج في العام الجديد (2026)، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية الخليجية والصراعات الجيوسياسية المحتملة.
ركزت الندوة على تأثير السياسة الأمريكية، خاصة في ظل الإدارة الحالية بقيادة الرئيس «دونالد ترامب»، في الاستقرار الإقليمي والأمن القومي لدول مجلس التعاون الخليجي. كما تناول المشاركون الدور المتزايد لدول الخليج العربي في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا، وسبل تعزيز العلاقات مع القوى العالمية الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين.
وفي تقييمه لشراكة دول مجلس التعاون الخليجي مع الإدارة الأمريكية في ظل رئاسة ترامب، أشار فيليب دينستبير، مدير البرنامج الإقليمي لدول الخليج في مؤسسة كونراد أديناور، إلى أن الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي للمنطقة في مايو 2025 أسفرت عن توقيع اتفاقيات مهمة، ولكن أعقبها اضطراب واضح تمثل في «تصعيدات عسكرية» واختلافات في الأولويات الاستراتيجية، مما أثار تساؤلات حول مدى قوة العلاقات بين الطرفين.
ورأت مديرة تشاتام هاوس برونوين مادوكس، إلى جانب كبير الباحثين الدكتور كريستيان ساباتيني، أن التحديات الجيوسياسية التي ستواجه دول الخليج في عام 2026 قد تتشكل بشكل كبير بفعل عوامل خارجية، متسائلين عما إذا كان الاختطاف الذي نفذته الولايات المتحدة ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يمثل بداية لما أسمياه «عهد القوة المطلقة» ومدى تأثير ذلك التطور الخطير على العالم.
وتطرق المشاركون إلى الاضطرابات الداخلية في إيران، والتي تزيد من احتمالات اندلاع مواجهة جديدة بين طهران وإسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة، في وقت لا تزال تداعيات الهجوم الإيراني على قاعدة العديد في قطر في يونيو، والضربة الإسرائيلية التي استهدفت الدوحة بعد ثلاثة أشهر، حاضرة في الأذهان. مما يعزز خطر اندلاع صراع إقليمي قد يهدد الأمن الخليجي.
وتمثل هذه القضايا أحد المحاور الرئيسية التي ناقشها خبراء معهد دول الخليج العربي خلال الندوة، بمشاركة رئيس المعهد دوغلاس أ. سيليمان، ونائب الرئيس التنفيذي ويليام روبوك، وكبار الباحثين حسين إبيش وكريستين سميث ديوان، إضافة إلى الباحث الزائر تيم كالين.
وقد شددت كريستين سميث ديوان على أن دول الخليج، بعد سنوات من استثمارات منسقة في قطاعات تتجاوز النفط، أصبحت فاعلًا مؤثرًا عالميًا في مجالات الترفيه والرياضة والثقافة والتكنولوجيا، ما منحها حضورًا دوليًا متزايدًا.
وفي السياق ذاته، أشار تيم كالين إلى أن أسعار النفط ستكون «إحدى القضايا المحورية» التي ستواجه دول الخليج في 2026، مع تسليط الضوء على قرب إتمام «رؤية السعودية 2030»، مشيرًا إلى القرارات المرتقبة في الرياض التي ستؤثر بشكل كبير في المنطقة. كما أشار مايكل راتني، المستشار الأول لبرنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حقق «مكاسب كبيرة» في الاتفاقات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية خلال زيارته لواشنطن في نوفمبر 2025.
وفي المقابل، طرح نيت هودسون، الشريك المساعد في شركة «أولبرايت ستونبريدج غروب»، تساؤلاً حول «ما يمكن تنفيذه فعليًا» من الإعلانات الكبرى في 2026، مشيرًا إلى أن التحدي يكمن في التوصل إلى اتفاقات تفصيلية تدريجية، حيث إن كل بند قابل للتفاوض ويحتاج إلى تركيز واستمرارية من الجانبين.
من جانبه، رأى كريستيان كوتس أولريشسن، زميل شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر بجامعة رايس، أن التحدي الأكبر أمام دول الخليج يكمن في تحقيق توازن بين مطالب إدارة ترامب بضخ استثمارات خليجية في الولايات المتحدة وأجندة «أمريكا أولًا» التي تتبناها واشنطن.
في هذا السياق، أشار حمزة الجود، المحلل الجيوسياسي لشؤون الشرق الأوسط في شركة «تي إس لومبارد»، إلى أن دول الخليج تتطلع إلى تعزيز التعاون التكنولوجي، مع تسليط الضوء على موافقة وزارة التجارة الأمريكية على بيع 35 ألف شريحة أشباه موصلات لشركتي «هيمين» السعودية و«جي 42» الإماراتية. كما رفع الجود سقف التوقعات بإعلانات من شركات كبرى مثل مايكروسوفت وأوبن إيه آي في مجالات البرمجة والتخزين السحابي لمراكز البيانات.
وفيما يتعلق بالتأثير الجيوسياسي لدول الخليج في الولايات المتحدة، وصف حسين إبيش سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر 2024 بأنه «نقطة تحول مفصلية» في الدور الإقليمي لدول الخليج. بينما اعتبر ويليام روبوك أنه «من غير المعقول» أن تستمر إدارة ترامب في التعامل مع الحكم الجديد في سوريا دون تأثير من دول الخليج. ويبقى التساؤل قائمًا حول تأثير هذا التأثير على السياسات الأمريكية تجاه باقي دول المنطقة، خاصة في ظل معاناة الشعب الفلسطيني.
ومن المتوقع أن تواصل دول الخليج السعي للحفاظ على توازن دقيق وسط المنافسة المتزايدة بين القوى الكبرى. وقد أظهرت مؤسسة آسيا هاوس أن حجم التبادل التجاري بين دول الخليج والصين تجاوز حجم التبادل مع نصف الكرة الغربي في 2024، مع توقعات باتساع الفجوة إلى 75 مليار دولار بحلول عام 2028. وفي هذا الإطار، توقع باتريك ثيروس، المستشار الاستراتيجي في منتدى الخليج الدولي، أن تواصل دول الخليج بحثها عن الرقائق الإلكترونية وخدمات الحوسبة السحابية، مع سعيها لتحقيق توازن بين الضمانات الأمنية الأمريكية والعروض الصينية.
كما أشار دوغلاس سيليمان إلى أن الصين ستستمر في تزويد دول الخليج بتقنيات لا يقدمها الغرب، بينما حلل الدكتور جون كالابريس، من معهد الشرق الأوسط، التوقعات المتعلقة بتعميق العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية عبر القمم الخليجية-الصينية المرتقبة. رغم ذلك، أكد أن هذه العلاقات ستظل مقيدة بعلاقة المنطقة مع الولايات المتحدة في المجال الأمني. وفي هذا السياق، أشار إبيش إلى أن روسيا لن تسعى إلى دور فعال في الخليج في ظل انشغالها في حرب أوكرانيا.
ويجب أن تأخذ العلاقات الأمريكية - الخليجية في الحسبان مخاطر العدوان الإسرائيلي المستمر، كما تجلى في الهجوم على الدوحة في سبتمبر 2025. وقد شكّل هذا الهجوم صدمة لدول الخليج، ما دفع سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط في تشاتام هاوس، إلى القول إن إسرائيل «حلّت محل إيران» كأكبر تهديد أمني لدول الخليج. في ظل دعم إدارة ترامب المستمر لها، وأشارت الدكتورة بنافشه كينوش، العضو المنتسب في معهد نوتردام، إلى أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 توفر إطارًا يسمح لترامب بالموافقة على «حرب ثانية ضد إيران في 2026».
وكان ترامب قد وجه تهديدات مباشرة بالتدخل العسكري ضد طهران، ما يعزز التوقعات بتصعيد محتمل في المنطقة. ورغم أن واشنطن قالت سابقًا إنها تسعى إلى كبح التصعيد، أظهرت التجربة أن هذه الاعتبارات لم تمنعها من تنفيذ هجمات على منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025. وفي حال انهيار النظام الإيراني، يشير مايكل روبين إلى أن المنطقة قد «يُعاد تشكيلها».
وخلال الندوة، أشار إبيش إلى أن دول الخليج لا تزال تسعى إلى استكشاف شكل الواقع الإقليمي بعد 7 أكتوبر، مؤكداً أن آفاق دول الخليج في الإقليم تعتمد بدرجة كبيرة على عوامل خارجية، بما في ذلك الانتخابات الإسرائيلية التي قد تؤثر في مسار العدوان الإسرائيلي في المستقبل. وفيما يتعلق بالأمن الإقليمي، كتب جيمس جيفري وإليزابيث دينت من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن دول الخليج، والشرق الأوسط بشكل عام، «لا تمتلك ببساطة بديلًا عمليًا» لجهود الأمن الإقليمي التي تقودها الولايات المتحدة في المستقبل.
وفي الختام، شدد الخبراء على ضرورة التعاون المستقبلي بين دول الخليج والقوى العالمية لتحقيق توازن بين المصالح الاقتصادية والأمنية، مع تأكيد الدور المحوري لدول الخليج في تشكيل مستقبل المنطقة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك