العدد : ١٧٤٨٥ - الخميس ٠٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨٥ - الخميس ٠٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

حرب روسيا وأوكرانيا وإبادة إسرائيل للفلسطينيين... شـاهـدان على ازدواجـيـة الـمـعـايير الغربية

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الخميس ٠٥ فبراير ٢٠٢٦ - 02:08

تُظهر‭ ‬الأزمات‭ ‬الدولية‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬إلى‭ ‬الإبادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬مدى‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعايير‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬انتهاكات‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭. ‬فبينما‭ ‬تحركت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬بسرعة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬لمعاقبة‭ ‬موسكو‭ ‬بعد‭ ‬غزوها‭ ‬لأوكرانيا،‭ ‬جاء‭ ‬موقفهما‭ ‬متراخيًا‭ ‬ومتواطئًا‭ ‬أمام‭ ‬الجرائم‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬رغم‭ ‬الأدلة‭ ‬الموثقة‭ ‬التي‭ ‬أكدت‭ ‬ارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬وإبادة‭ ‬جماعية‭ ‬بحق‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬هذه‭ ‬المفارقة‭ ‬تطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬عميقة‭ ‬حول‭ ‬مصداقية‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬العدالة‭ ‬الدولية،‭ ‬ومدى‭ ‬توافق‭ ‬سياساته‭ ‬مع‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬يدّعي‭ ‬تبنيها‭.‬

لاقى‭ ‬قرار‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025‭ ‬بفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬على‭ ‬شركات‭ ‬النفط‭ ‬الروسية‭ ‬ترحيبًا‭ ‬واسعًا‭ ‬من‭ ‬حلفاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأوروبيين‭ ‬الذين‭ ‬فرضوا‭ ‬سابقًا‭ ‬عقوبات‭ ‬شاملة‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭ ‬بعد‭ ‬اجتياحها‭ ‬اللأراضي‭ ‬الأوكرانية‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2022‭. ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬تعاون‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬وحكومات‭ ‬بريطانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وألمانيا‭ ‬وبقية‭ ‬الغرب‭ ‬لشل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الروسي‭ ‬بهدف‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الرئيس‭ ‬بوتين‭ ‬إما‭ ‬لسحب‭ ‬قواته‭ ‬أو‭ ‬التفاوض‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬موقف‭ ‬ضعيف‭.‬

‮ ‬وأشارت‭ ‬راشيل‭ ‬زيمبا،‭ ‬من‭ ‬مركز‭ ‬الأمن‭ ‬الأمريكي‭ ‬الجديد،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التهديد‭ ‬بفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬على‭ ‬مشتري‭ ‬النفط‭ ‬الروسي،‭ ‬مثل‭ ‬روسيا‭ ‬والصين،‭ ‬سيؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬انخفاض‭ ‬عائدات‭ ‬روسيا‭ ‬ويزعزع‭ ‬استقرار‭ ‬اقتصادها‭ ‬المحلي‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تصعيد‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬لفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬على‭ ‬روسيا‭ ‬ردًا‭ ‬على‭ ‬انتهاكها‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وتوجيه‭ ‬هجماتها‭ ‬ضد‭ ‬المدنيين‭ ‬الأوكرانيين،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬هذه‭ ‬الحكومات‭ ‬مترددًا‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬فعالة‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬بعد‭ ‬قصفها‭ ‬الشامل‭ ‬وغزوها‭ ‬البري‭ ‬لغزة‭ ‬الذي‭ ‬استمر‭ ‬عامين،‭ ‬والذي‭ ‬أقرّت‭ ‬لجنة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بأنه‭ ‬يعد‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭. ‬

كما‭ ‬تجاهلت‭ ‬هذه‭ ‬الحكومات‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬مؤسسات‭ ‬العدالة‭ ‬العالمية‭ ‬مثل‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية،‭ ‬التي‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬طريقة‭ ‬محاسبة‭ ‬الغرب‭ ‬لروسيا‭ ‬وإسرائيل‭.‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬بينما‭ ‬طالبت‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬بتعويضات‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬سلام،‭ ‬وأعلنت‭ ‬خططا‭ ‬لاستخدام‭ ‬الأصول‭ ‬الروسية‭ ‬المجمدة‭ ‬لإعادة‭ ‬إعمار‭ ‬الأضرار،‭ ‬فإن‭ ‬بدء‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬وفق‭ ‬خطة‭ ‬ترامب،‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬20‭ ‬نقطة،‭ ‬شهد‭ ‬تراجعًا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬العقوبات‭ ‬المحدودة‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وذلك‭ ‬استجابة‭ ‬للاحتجاجات‭ ‬العامة‭ ‬المتزايدة‭ ‬ضد‭ ‬الانتهاكات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬وهذا‭ ‬يعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬المعايير‭ ‬المزدوجة‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬العقوبات‭ ‬الغربية‭ ‬وانعدام‭ ‬مصداقية‭ ‬حكوماتها‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

ورغم‭ ‬دعم‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬المتواصل‭ ‬لحملة‭ ‬القصف‭ ‬والغزو‭ ‬التي‭ ‬قادتها‭ ‬حكومة‭ ‬نتنياهو‭ ‬مدة‭ ‬عامين،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تغييرًا‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬السياسية‭ ‬بدأ‭ ‬بعد‭ ‬تحول‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬أظهرت‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬تراجعًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬شعبية‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬ما‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬معارضة‭ ‬سياسية‭ ‬متزايدة‭ ‬واحتجاجات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬الغرب‭. ‬في‭ ‬إيطاليا،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬شهدت‭ ‬المدن‭ ‬تظاهرات‭ ‬ضخمة‭ ‬ضد‭ ‬سياسات‭ ‬حكومة‭ ‬جورجيا‭ ‬ميلوني‭ ‬اليمينية‭.‬

لم‭ ‬تتحرك‭ ‬حكومات‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أعلنت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬حدوث‭ ‬مجاعة‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬مع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬640‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬بسبب‭ ‬الحصار‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬وفي‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬متأخر،‭ ‬اقترحت‭ ‬أورسولا‭ ‬فون‭ ‬دير‭ ‬لاين،‭ ‬رئيسة‭ ‬المفوضية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬تعليق‭ ‬اتفاقية‭ ‬الشراكة‭ ‬بين‭ ‬الاتحاد‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬تبادلًا‭ ‬تجاريًا‭ ‬بقيمة‭ ‬56‭ ‬مليار‭ ‬جنيه‭ ‬إسترليني‭.‬

‮ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬عبّرت‭ ‬إيف‭ ‬غيدي،‭ ‬مديرة‭ ‬منظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬عن‭ ‬أسفها‭ ‬لأن‭ ‬الإجراءات‭ ‬الأوروبية‭ ‬جاءت‭ ‬‮«‬متأخرة‭ ‬بشكل‭ ‬مأساوي‮»‬‭ ‬أمام‭ ‬استمرار‭ ‬انتهاكات‭ ‬إسرائيل‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬وارتكابها‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭.‬

وإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تفاقم‭ ‬الوضع‭ ‬بسبب‭ ‬الانقسامات‭ ‬داخل‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬حيث‭ ‬هاجمت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬مثل‭ ‬إسبانيا‭ ‬وإيرلندا‭ ‬والنرويج‭ ‬تصرفات‭ ‬إسرائيل‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الصراع،‭ ‬بينما‭ ‬ظلت‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬المجر‭ ‬وجمهورية‭ ‬التشيك‭ ‬وألمانيا،‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬نتنياهو‭. ‬

هذا‭ ‬التباين‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬أحبط‭ ‬محاولات‭ ‬استبعاد‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬برنامج‭ ‬‮«‬هورايزون‭ ‬أوروبا‮»‬‭ ‬للأبحاث‭ ‬والابتكار‭ ‬في‭ ‬بروكسل،‭ ‬رغم‭ ‬تلقي‭ ‬إسرائيل‭ ‬منحًا‭ ‬كبيرة‭ ‬بقيمة‭ ‬تتجاوز‭ ‬830‭ ‬مليون‭ ‬يورو‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2021‭. ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025،‭ ‬اعترف‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬بما‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«مؤشرات‮»‬‭ ‬على‭ ‬انتهاك‭ ‬إسرائيل‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬بموجب‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭.‬

وأخيرًا،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تطبيق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬معايير‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب،‭ ‬التي‭ ‬دعمتها‭ ‬معظم‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية،‭ ‬حاول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬العقوبات‭ ‬المحدودة‭ ‬التي‭ ‬فرضها‭. ‬بعد‭ ‬اجتماع‭ ‬وزراء‭ ‬خارجية‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬بروكسل‭ ‬في‭ ‬20‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬أعلنت‭ ‬كايا‭ ‬كالاس،‭ ‬مسؤولة‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬بالاتحاد،‭ ‬أنه‭ ‬سيكون‭ ‬هناك‭ ‬تعليق‭ ‬مؤقت‭ ‬للتجارة‭ ‬التفضيلية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬على‭ ‬المسؤولين‭ ‬عن‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

رغم‭ ‬أن‭ ‬رئيسة‭ ‬وزراء‭ ‬إستونيا‭ ‬السابقة،‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬ناقدة‭ ‬شرسة‭ ‬لروسيا‭ ‬وداعمة‭ ‬قوية‭ ‬لتوريد‭ ‬الأسلحة‭ ‬إلى‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تهديد‭ ‬العقوبات‮»‬‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬‮«‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قائماً‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬‮«‬تغيير‭ ‬حقيقي‭ ‬ومستدام‭ ‬على‭ ‬الأرض‮»‬،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬الكبرى‭ ‬لم‭ ‬تصدر‭ ‬أي‭ ‬بيانات‭ ‬بخصوص‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬عقابية‭ ‬ضد‭ ‬حكومة‭ ‬نتنياهو‭ ‬التي‭ ‬تواصل‭ ‬خرق‭ ‬شروط‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬وتستمر‭ ‬في‭ ‬قصف‭ ‬غزة‭ ‬منذ‭ ‬دخوله‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬في‭ ‬10‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025‭.‬

وفي‭ ‬انتقاد‭ ‬لهذا‭ ‬التراجع،‭ ‬قال‭ ‬كلاوديو‭ ‬فرانكافيلا،‭ ‬مدير‭ ‬الشؤون‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬‮«‬هيومن‭ ‬رايتس‭ ‬ووتش‮»‬،‭ ‬إن‭ ‬‮«‬ما‭ ‬تغير‭ ‬هو‭ ‬حجم‭ ‬وشدة‭ ‬جرائم‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬لكن‭ ‬الاحتلال‭ ‬غير‭ ‬القانوني‭ ‬وجرائم‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري،‭ ‬والنقل‭ ‬القسري،‭ ‬والتعذيب،‭ ‬والقمع‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مستمراً‮»‬‭. ‬من‭ ‬جهته،‭ ‬شدد‭ ‬سفين‭ ‬كوهن‭ ‬فون‭ ‬بورغسدورف،‭ ‬الممثل‭ ‬السابق‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬العقوبات‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬طرف‭ ‬ثالث‭ ‬لتغيير‭ ‬سلوكه،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬للتصدي‭ ‬لانتهاكات‭ ‬القانون‭ ‬الأوروبي‭ ‬والدولي‮»‬‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬فإنه‭ ‬يجب‭ ‬التنويه‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬تعليق‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬البريطاني‭ ‬آنذاك،‭ ‬ديفيد‭ ‬لامي،‭ ‬المفاوضات‭ ‬حول‭ ‬اتفاقية‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2025‭ ‬بسبب‭ ‬الحظر‭ ‬المفروض‭ ‬على‭ ‬وصول‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية‭ ‬إلى‭ ‬غزة،‭ ‬زار‭ ‬المبعوث‭ ‬التجاري‭ ‬البريطاني،‭ ‬اللورد‭ ‬أوستين،‭ ‬حيفا‭ ‬للاجتماع‭ ‬مع‭ ‬المسؤولين‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬توصية‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية،‭ ‬التي‭ ‬اعتبرت‭ ‬أن‭ ‬إلغاء‭ ‬الاجتماعات‭ ‬سيسبب‭ ‬‮«‬إشارة‭ ‬سيئة‮»‬‭ ‬للشركات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬رافائيل‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬أسلحة‭ ‬استخدمت‭ ‬في‭ ‬الهجمات‭ ‬على‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬غزة‭.‬

إن‭ ‬رفض‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬اتخاذ‭ ‬أي‭ ‬إجراءات‭ ‬عقابية‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬بسبب‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬ارتكبتها‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬الإجراءات‭ ‬الصارمة‭ ‬التي‭ ‬اتخذتها‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭. ‬ففي‭ ‬أعقاب‭ ‬غزو‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬تحركت‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬فوراً‭ ‬لقطع‭ ‬الروابط‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬مع‭ ‬موسكو،‭ ‬ومنذ‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬اعتمد‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬19‭ ‬حزمة‭ ‬عقوبات‭ ‬ضد‭ ‬الكرملين‭. ‬تشمل‭ ‬أحدث‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات‭ ‬وقف‭ ‬استيراد‭ ‬الغاز‭ ‬الروسي‭ ‬بحلول‭ ‬2027،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬سفينة‭ ‬يُعتقد‭ ‬أنها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬‮«‬أسطول‭ ‬الظل‮»‬‭ ‬للكرملين‭ ‬من‭ ‬الناقلات‭ ‬التي‭ ‬تتجنب‭ ‬الرقابة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬مما‭ ‬رفع‭ ‬العدد‭ ‬الإجمالي‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬560‭ ‬سفينة‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬رغم‭ ‬العقوبات‭ ‬الغربية‭ ‬ضد‭ ‬روسيا،‭ ‬لم‭ ‬تُتخذ‭ ‬أي‭ ‬إجراءات‭ ‬مماثلة‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل،‭ ‬التي‭ ‬واصلت‭ ‬تدمير‭ ‬غزة‭ ‬بدعم‭ ‬غربي‭ ‬عسكري‭ ‬ومالي‭. ‬هذه‭ ‬المعايير‭ ‬المزدوجة‭ ‬تتجلى‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية،‭ ‬حيث‭ ‬تدعم‭ ‬بروكسل‭ ‬التحقيقات‭ ‬في‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬وتقديم‭ ‬مساعدات‭ ‬مالية‭ ‬مباشرة،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬الأوروبية‭ ‬تجاه‭ ‬مذكرات‭ ‬توقيف‭ ‬نتنياهو‭ ‬ووزير‭ ‬دفاعه‭ ‬السابق‭ ‬يوآف‭ ‬غالانت‭ ‬هي‭ ‬إعلان‭ ‬مناعة‭ ‬الزعيم‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ضد‭ ‬الملاحقة‭ ‬القضائية‭. ‬كما‭ ‬تجاهلت‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬الموضوع‭ ‬تماماً،‭ ‬ودعا‭ ‬المستشار‭ ‬الألماني،‭ ‬فريدريش‭ ‬ميرتس،‭ ‬نتنياهو‭ ‬إلى‭ ‬زيارة‭ ‬بلاده،‭ ‬واعداً‭ ‬بتجنب‭ ‬تسليمه‭ ‬للمحكمة‭.‬

وعندما‭ ‬اقترن‭ ‬ذلك‭ ‬بتغيير‭ ‬ترامب‭ ‬المفاجئ‭ ‬لفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬على‭ ‬اثنين‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬شركات‭ ‬النفط‭ ‬الروسية‭ ‬بسبب‭ ‬رفض‭ ‬بوتين‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب،‭ ‬وصفت‭ ‬فون‭ ‬دير‭ ‬لاين‭ ‬العقوبات‭ ‬الغربية‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬من‭ ‬الجانبين‭ ‬عبر‭ ‬الأطلسي‭ ‬بأننا‭ ‬سنواصل‭ ‬الضغط‭ ‬الجماعي‭ ‬على‭ ‬المعتدي‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قوله‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تدمير‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إسرائيل‭ ‬–‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تحميها‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬دبلوماسياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬زودتها‭ ‬أيضاً‭ ‬بالأسلحة‭ ‬ومولتها‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات‭.‬

هذه‭ ‬المعايير‭ ‬المزدوجة‭ ‬الواضحة‭ ‬في‭ ‬المحاسبة‭ ‬الدولية‭ ‬بين‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬تتضح‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬تجاه‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭. ‬حيث‭ ‬يكتب‭ ‬الموقع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬للمفوضية‭ ‬الأوروبية‭ ‬عن‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وجرائم‭ ‬الحرب،‭ ‬والإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬وجريمة‭ ‬العدوان‮»‬‭ ‬هي‭ ‬‮«‬أخطر‭ ‬انتهاكات‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‮»‬،‭ ‬وبخصوص‭ ‬التحقيق‭ ‬الذي‭ ‬تجريه‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬مزاعم‭ ‬ارتكاب‭ ‬روسيا‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬فإن‭ ‬بروكسل‭ ‬لم‭ ‬تدعم‭ ‬ذلك‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬قدمت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬يورو‭ ‬كمساعدات‭ ‬مباشرة‭.‬

وصفت‭ ‬ناتالي‭ ‬توتشي،‭ ‬مديرة‭ ‬معهد‭ ‬الشؤون‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬روما،‭ ‬وصفت‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬الأوروبي‭ ‬على‭ ‬تدمير‭ ‬غزة‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬أسوأ‭ ‬من‭ ‬الصمت‮»‬،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬الأوروبية‭ ‬أظهرت‭ ‬تواطؤاً‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬عبر‭ ‬عدم‭ ‬اتخاذ‭ ‬أي‭ ‬إجراء‭ ‬ضد‭ ‬الجناة،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬استمرار‭ ‬التعاون‭ ‬العسكري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬معهم‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مفاجئا‭ ‬أن‭ ‬تتخذ‭ ‬قيادة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬أول‭ ‬فرصة‭ ‬متاحة‭ ‬لعكس‭ ‬العقوبات‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بينما‭ ‬تروج‭ ‬لالتزامها‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي‭ ‬والمحاسبة‭ ‬على‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬روسيا‭.‬

وأضافت‭ ‬توتشي‭ ‬أن‭ ‬‮«‬التردد‮»‬‭ ‬في‭ ‬محاسبة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬جرائمها‭ ‬‮«‬أفقد‭ ‬أوروبا‭ ‬مصداقيتها‮»‬،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬كوسطاء‭ ‬دوليين‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬من‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬تهيمن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬سيشرف‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬بما‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬أهداف‭ ‬إسرائيل‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬مما‭ ‬يعمق‭ ‬الأزمة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ويمنع‭ ‬تحقيق‭ ‬أي‭ ‬استقرار‭ ‬أو‭ ‬أمن‭ ‬للفلسطينيين‭.‬

تُبرز‭ ‬المقارنة‭ ‬بين‭ ‬الموقف‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬والإبادة‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعايير‭ ‬الغربية‭ ‬كأحد‭ ‬أخطر‭ ‬مظاهر‭ ‬الانهيار‭ ‬الأخلاقي‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الحديث‭. ‬فبينما‭ ‬تُرفع‭ ‬شعارات‭ ‬‮«‬الحرية‮»‬‭ ‬و«الدفاع‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‮»‬‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬روسيا،‭ ‬تُمارس‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬سياسة‭ ‬الصمت‭ ‬والتواطؤ‭ ‬أمام‭ ‬جرائم‭ ‬إسرائيل‭ ‬بحق‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الانحياز‭ ‬الفاضح‭ ‬لا‭ ‬يضعف‭ ‬فقط‭ ‬شرعية‭ ‬الخطاب‭ ‬الغربي‭ ‬حول‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬يكرّس‭ ‬واقعًا‭ ‬عالميًا‭ ‬جديدًا‭ ‬عنوانه‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقائية،‭ ‬حيث‭ ‬تُقاس‭ ‬القيم‭ ‬بميزان‭ ‬المصالح‭ ‬لا‭ ‬المبادئ‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا