تُظهر الأزمات الدولية المتعاقبة، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى الإبادة الإسرائيلية في غزة، مدى ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع انتهاكات القانون الدولي وحقوق الإنسان. فبينما تحركت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسرعة غير مسبوقة لمعاقبة موسكو بعد غزوها لأوكرانيا، جاء موقفهما متراخيًا ومتواطئًا أمام الجرائم الإسرائيلية في فلسطين، رغم الأدلة الموثقة التي أكدت ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية بحق المدنيين في غزة. هذه المفارقة تطرح تساؤلات عميقة حول مصداقية الغرب في الدفاع عن العدالة الدولية، ومدى توافق سياساته مع المبادئ التي يدّعي تبنيها.
لاقى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أواخر أكتوبر 2025 بفرض عقوبات على شركات النفط الروسية ترحيبًا واسعًا من حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين الذين فرضوا سابقًا عقوبات شاملة ضد روسيا بعد اجتياحها اللأراضي الأوكرانية في فبراير 2022. منذ ذلك الحين، تعاون الاتحاد الأوروبي وحكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبقية الغرب لشل الاقتصاد الروسي بهدف الضغط على الرئيس بوتين إما لسحب قواته أو التفاوض لإنهاء الحرب من موقف ضعيف.
وأشارت راشيل زيمبا، من مركز الأمن الأمريكي الجديد، إلى أن التهديد بفرض عقوبات على مشتري النفط الروسي، مثل روسيا والصين، سيؤثر بشكل كبير في انخفاض عائدات روسيا ويزعزع استقرار اقتصادها المحلي.
في المقابل، وعلى الرغم من تصعيد الدول الأوروبية لفرض عقوبات على روسيا ردًا على انتهاكها للقانون الدولي، وتوجيه هجماتها ضد المدنيين الأوكرانيين، فقد كان رد فعل هذه الحكومات مترددًا في فرض عقوبات فعالة على إسرائيل بعد قصفها الشامل وغزوها البري لغزة الذي استمر عامين، والذي أقرّت لجنة الأمم المتحدة بأنه يعد إبادة جماعية.
كما تجاهلت هذه الحكومات التعاون مع مؤسسات العدالة العالمية مثل المحكمة الجنائية الدولية، التي سعت إلى تحقيق العدالة في جرائم الحرب التي ارتكبها كبار المسؤولين الإسرائيليين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ما يعكس التناقض بين طريقة محاسبة الغرب لروسيا وإسرائيل.
علاوة على ذلك، بينما طالبت الدول الأوروبية بتعويضات لأوكرانيا في أي اتفاق سلام، وأعلنت خططا لاستخدام الأصول الروسية المجمدة لإعادة إعمار الأضرار، فإن بدء وقف إطلاق النار في غزة وفق خطة ترامب، التي تضم 20 نقطة، شهد تراجعًا من الاتحاد الأوروبي في بعض العقوبات المحدودة ضد إسرائيل، وذلك استجابة للاحتجاجات العامة المتزايدة ضد الانتهاكات الإسرائيلية في غزة. وهذا يعكس بوضوح المعايير المزدوجة في سياسة العقوبات الغربية وانعدام مصداقية حكوماتها في دعم القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان.
ورغم دعم الحكومات الغربية المتواصل لحملة القصف والغزو التي قادتها حكومة نتنياهو مدة عامين، إلا أن تغييرًا في المواقف السياسية بدأ بعد تحول كبير في الرأي العام ضد إسرائيل. ففي عام 2025، أظهرت استطلاعات الرأي تراجعًا ملحوظًا في شعبية إسرائيل في أوروبا، ما أسفر عن معارضة سياسية متزايدة واحتجاجات في مختلف أنحاء الغرب. في إيطاليا، على سبيل المثال، شهدت المدن تظاهرات ضخمة ضد سياسات حكومة جورجيا ميلوني اليمينية.
لم تتحرك حكومات الاتحاد الأوروبي إلا بعد أن أعلنت الأمم المتحدة حدوث مجاعة في غزة، مع أكثر من 640 ألف شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي بسبب الحصار الإسرائيلي. وفي رد فعل متأخر، اقترحت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل، التي تدعم تبادلًا تجاريًا بقيمة 56 مليار جنيه إسترليني.
وفي هذا السياق، عبّرت إيف غيدي، مديرة منظمة العفو الدولية في أوروبا، عن أسفها لأن الإجراءات الأوروبية جاءت «متأخرة بشكل مأساوي» أمام استمرار انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي وارتكابها جرائم حرب.
وإضافة إلى ذلك، تفاقم الوضع بسبب الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، حيث هاجمت بعض الدول مثل إسبانيا وإيرلندا والنرويج تصرفات إسرائيل منذ بداية الصراع، بينما ظلت دول أخرى، مثل المجر وجمهورية التشيك وألمانيا، تدافع عن نتنياهو.
هذا التباين في المواقف أحبط محاولات استبعاد إسرائيل من برنامج «هورايزون أوروبا» للأبحاث والابتكار في بروكسل، رغم تلقي إسرائيل منحًا كبيرة بقيمة تتجاوز 830 مليون يورو منذ عام 2021. في يونيو 2025، اعترف الاتحاد الأوروبي لأول مرة بما وصفه بـ«مؤشرات» على انتهاك إسرائيل لحقوق الإنسان بموجب القانون الدولي.
وأخيرًا، في ظل تطبيق وقف إطلاق النار في غزة بناءً على معايير إدارة ترامب، التي دعمتها معظم الحكومات الغربية، حاول الاتحاد الأوروبي التراجع عن بعض العقوبات المحدودة التي فرضها. بعد اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل في 20 أكتوبر 2025، أعلنت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد، أنه سيكون هناك تعليق مؤقت للتجارة التفضيلية مع إسرائيل، بالإضافة إلى فرض عقوبات على المسؤولين عن جرائم الحرب ضد الفلسطينيين.
رغم أن رئيسة وزراء إستونيا السابقة، التي تعد ناقدة شرسة لروسيا وداعمة قوية لتوريد الأسلحة إلى أوكرانيا، أكدت أن «تهديد العقوبات» ضد إسرائيل «لا يزال قائماً» إذا لم يحدث «تغيير حقيقي ومستدام على الأرض»، إلا أنه من اللافت أن الحكومات الغربية الكبرى لم تصدر أي بيانات بخصوص اتخاذ إجراءات عقابية ضد حكومة نتنياهو التي تواصل خرق شروط وقف إطلاق النار وتستمر في قصف غزة منذ دخوله حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025.
وفي انتقاد لهذا التراجع، قال كلاوديو فرانكافيلا، مدير الشؤون الأوروبية في «هيومن رايتس ووتش»، إن «ما تغير هو حجم وشدة جرائم إسرائيل في غزة، لكن الاحتلال غير القانوني وجرائم الفصل العنصري، والنقل القسري، والتعذيب، والقمع ضد الفلسطينيين لا يزال مستمراً». من جهته، شدد سفين كوهن فون بورغسدورف، الممثل السابق للاتحاد الأوروبي في فلسطين، على أن «العقوبات ضد إسرائيل ليست مجرد أداة للضغط على طرف ثالث لتغيير سلوكه، بل هي جزء من أدوات الاتحاد الأوروبي للتصدي لانتهاكات القانون الأوروبي والدولي».
أما في حالة المملكة المتحدة، فإنه يجب التنويه إلى أنه بعد أيام من تعليق وزير الخارجية البريطاني آنذاك، ديفيد لامي، المفاوضات حول اتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل في مايو 2025 بسبب الحظر المفروض على وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، زار المبعوث التجاري البريطاني، اللورد أوستين، حيفا للاجتماع مع المسؤولين الإسرائيليين بناءً على توصية وزارة الخارجية، التي اعتبرت أن إلغاء الاجتماعات سيسبب «إشارة سيئة» للشركات الإسرائيلية مثل «رافائيل»، التي تنتج أسلحة استخدمت في الهجمات على المدنيين في غزة.
إن رفض الحكومات الغربية اتخاذ أي إجراءات عقابية ضد إسرائيل بسبب جرائم الحرب التي ارتكبتها يتناقض مع الإجراءات الصارمة التي اتخذتها ضد روسيا. ففي أعقاب غزو أوكرانيا، تحركت الدول الأوروبية فوراً لقطع الروابط السياسية والاقتصادية مع موسكو، ومنذ أكتوبر 2025، اعتمد الاتحاد الأوروبي 19 حزمة عقوبات ضد الكرملين. تشمل أحدث هذه العقوبات وقف استيراد الغاز الروسي بحلول 2027، بالإضافة إلى فرض عقوبات على أكثر من 100 سفينة يُعتقد أنها جزء من «أسطول الظل» للكرملين من الناقلات التي تتجنب الرقابة الاقتصادية، مما رفع العدد الإجمالي إلى نحو 560 سفينة.
وفي الوقت نفسه، رغم العقوبات الغربية ضد روسيا، لم تُتخذ أي إجراءات مماثلة ضد إسرائيل، التي واصلت تدمير غزة بدعم غربي عسكري ومالي. هذه المعايير المزدوجة تتجلى بشكل أكبر في التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، حيث تدعم بروكسل التحقيقات في جرائم الحرب الروسية وتقديم مساعدات مالية مباشرة، بينما كانت ردود الفعل الأوروبية تجاه مذكرات توقيف نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت هي إعلان مناعة الزعيم الإسرائيلي ضد الملاحقة القضائية. كما تجاهلت الحكومة البريطانية الموضوع تماماً، ودعا المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، نتنياهو إلى زيارة بلاده، واعداً بتجنب تسليمه للمحكمة.
وعندما اقترن ذلك بتغيير ترامب المفاجئ لفرض عقوبات على اثنين من أكبر شركات النفط الروسية بسبب رفض بوتين تقديم تنازلات لإنهاء الحرب، وصفت فون دير لاين العقوبات الغربية بأنها «إشارة واضحة من الجانبين عبر الأطلسي بأننا سنواصل الضغط الجماعي على المعتدي»، وهو ما لا يمكن قوله على الإطلاق في حالة تدمير غزة من قبل إسرائيل – التي لم تحميها الدول الغربية دبلوماسياً فحسب، بل زودتها أيضاً بالأسلحة ومولتها بمليارات الدولارات.
هذه المعايير المزدوجة الواضحة في المحاسبة الدولية بين جرائم الحرب الروسية والإسرائيلية تتضح بشكل أكبر في المواقف تجاه التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية. حيث يكتب الموقع الإلكتروني للمفوضية الأوروبية عن كيف أن «الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والإبادة الجماعية، وجريمة العدوان» هي «أخطر انتهاكات القانون الدولي»، وبخصوص التحقيق الذي تجريه المحكمة في مزاعم ارتكاب روسيا جرائم حرب منذ عام 2022، فإن بروكسل لم تدعم ذلك فحسب، بل قدمت أكثر من 10 ملايين يورو كمساعدات مباشرة.
وصفت ناتالي توتشي، مديرة معهد الشؤون الدولية في روما، وصفت رد الفعل الأوروبي على تدمير غزة بأنه «أسوأ من الصمت»، مؤكدة أن القيادة الأوروبية أظهرت تواطؤاً في استمرار الحرب عبر عدم اتخاذ أي إجراء ضد الجناة، وفي الوقت نفسه استمرار التعاون العسكري والاقتصادي معهم. ومن هذا المنطلق، لم يكن مفاجئا أن تتخذ قيادة الاتحاد الأوروبي أول فرصة متاحة لعكس العقوبات المفروضة على إسرائيل، بينما تروج لالتزامها بالقانون الدولي والمحاسبة على جرائم الحرب في حالة روسيا.
وأضافت توتشي أن «التردد» في محاسبة إسرائيل على جرائمها «أفقد أوروبا مصداقيتها»، مشيرة إلى أن الحكومات الغربية لم تعد تملك القدرة على العمل كوسطاء دوليين في عملية وقف إطلاق النار في غزة. في الوقت ذاته، من المرجح أن تهيمن الولايات المتحدة على «مجلس السلام» الذي سيشرف على غزة في المستقبل، بما يتماشى مع أهداف إسرائيل طويلة الأمد، مما يعمق الأزمة الفلسطينية ويمنع تحقيق أي استقرار أو أمن للفلسطينيين.
تُبرز المقارنة بين الموقف الغربي من الحرب في أوكرانيا والإبادة في غزة ازدواجية المعايير الغربية كأحد أخطر مظاهر الانهيار الأخلاقي في النظام الدولي الحديث. فبينما تُرفع شعارات «الحرية» و«الدفاع عن القانون الدولي» في مواجهة روسيا، تُمارس في الوقت ذاته سياسة الصمت والتواطؤ أمام جرائم إسرائيل بحق الفلسطينيين. إن هذا الانحياز الفاضح لا يضعف فقط شرعية الخطاب الغربي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل يكرّس واقعًا عالميًا جديدًا عنوانه العدالة الانتقائية، حيث تُقاس القيم بميزان المصالح لا المبادئ.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك