سافرتُ مؤخرا إلى ولاية أيوا لإلقاء كلمة في يوم الهدنة، حيث يتم إحياءً لذكرى نهاية الحرب العالمية الأولى. وبدلًا من إلقاء كلمة اعتيادية في مثل تلك المناسبة، والتركيز على الجنود الشباب الذين خدموا وقاتلوا وماتوا، فقد اخترت أن تكون مداخلتي بعنوان: «الحرب التي أنهت كل الحروب زرعت بذور قرن من الصراع».
ابتداءً من النصف الأخير من القرن التاسع عشر، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية تدفقًا هائلًا من المهاجرين من أوروبا ومناطق البحر الأبيض المتوسط، حيث وجد الكثيرون الحريات والفرص التي وعدت بها هذه الأرض الجديدة، إن الحرب العالمية الأولى هي التي منحت الكثيرين شعورًا بالانتماء، والشعور بالانتماء الأمريكي الكامل.
في بهو النادي الخاص بالجالية اللبنانية الأمريكية في بيوريا بولاية إلينوي، توجد صور جماعية مؤطرة لأعضاء تلك الجالية الذين خدموا في الجيش في مختلف الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية.
هناك صور من الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، والحرب الكورية، وحرب فيتنام، بالإضافة إلى حربي أفغانستان والعراق. يفخر اللبنانيون في بيوريا بخدمتهم لأمريكا، ويمكنك رؤية هذا الفخر على وجوه الشباب في الصور، كما يمكن رؤية صور مماثلة في المراكز الإيطالية واليونانية في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية.
لكن في الحقيقة فإن نفس الحماسة الوطنية التي ولّدتها الحرب في هذه المجتمعات المهاجرة الجديدة تحولت إلى موجة من كراهية موجهة ضد الأجانب الذين تحولوا في نهاية المطاف إلى ضحايا.
لقد بدأ الأمر باستهداف المهاجرين الألمان، لكنه تطور ليشمل أولئك الذين كانوا «أجانب» أكثر من غالبية سكان شمال أوروبا.
كان الإيطاليون واليونانيون والسوريون (وهو المصطلح العام المستخدم للإشارة إلى عرب بلاد الشام) مستهدفين بشكل خاص، حيث شهدت المنطقة هجمات وعمليات إعدام خارج نطاق القانون، وسُنّت تشريعات للحد من الهجرة من منطقة البحر الأبيض المتوسط، ومن ثم إنهائها.
لقد استمر هذا الاستبعاد للمهاجرين الجدد من هذه البلدان على مدى جيل كامل، ما أدى إلى انفصال أفراد الأسر عن بعضها بعضا وولد الخوف والصعوبات التي واجهتها مئات الآلاف من العائلات المهاجرة.
اتخذت الدول الحليفة المنتصرة في نهاية الحرب العالمية الأولى قرارات كارثية عديدة، من أبرزها، بحسب المؤرخين، تلك التعويضات الثقيلة والمُذلة التي فُرضت على ألمانيا، التي مهدت الطريق لصعود النازية ونشوب الحرب العالمية التالية.
ولكن ما لا ينبغي أن ننساه أبداً هي الإجراءات التي اتخذتها الدول الأوروبية المنتصرة التي كانت لها عواقب مدمرة على منطقة الشرق الأوسط.
كان الأهم هو خيانة الدول الأوروبية المنتصرة وتنصلها من الالتزامات والوعود التي قطعوها للعرب بالاعتراف بدولة عربية موحدة في بلاد الشام إذا انضموا إلى جهود الحلفاء وفتحوا جبهة جنوبية ضد الإمبراطورية العثمانية. وبدلاً من ذلك، تآمر البريطانيون والفرنسيون على تقسيم المنطقة فيما بينهم.
لقد قام البريطانيون والفرنسيون بتقسيم المشرق العربي إلى «دول» ذات حدود لم تكن موجودة من قبل، مع قيام البريطانيين بتقديم وعد منفصل للحركة الصهيونية الناشئة بمكافأتهم بفلسطين كوطن يهودي.
لقد تذرع البريطانيون والفرنسيون بأن العرب لم يكونوا مستعدين للحكم الذاتي، عملت بريطانيا وفرنسا على ترتيب الحصول على تفويضات لتشكيل الحكومات وفرضها في المناطق التي قسمتها بما يخدم مصالحهما.
ردّت الإدارة الأمريكية على هذا المخطط البريطاني الفرنسي بالقول إن للعرب رأيًا في مستقبلهم. وهكذا، أمر الرئيس وودرو ويلسون آنذاك بإجراء استطلاع رأي واسع النطاق للرأي العام العربي، الذي وجد أن الأغلبية المطلقة تعارض التقسيم، والانتداب، وإقامة وطن يهودي منفصل، حيث رفض البريطانيون تلك النتائج، قائلين إن آراء العرب لا تهمهم.
بعد مرور مائة عام، لا يزال العالم يعاني من عواقب تلك القرارات الأوروبية المتغطرسة والأنانية التي غيّرت وجه الشرق الأوسط بشكل كارثي. عندما يتساءل السياسيون في الغرب: «لماذا أصبح الشرق الأوسط حلبة للصراع؟»، يكمن الجواب في الطريقة التي عوملت بها المنطقة بقسوة بعد الحرب العالمية الأولى.
وبعيداً عن كونها «الحرب التي ستنهي كل الحروب»، كما أطلق عليها، فإن البريطانيين والفرنسيين هم الذين خلقوا حرفياً الصراع العربي الإسرائيلي، فضلاً عن صراعات طائفية وإقليمية أخرى.
هناك عنوان رئيسي شهير في إحدى الصحف يعود إلى يوم الهدنة في عام 1918، حيث يصف ذلك العنوان الصحفي يوم 11 نوفمبر بأنه «أعظم يوم في تاريخ البشرية».
لا أعلم إن كان الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب يفكر في هذا العنوان عندما أعلن توقيع اتفاق السلام بين إسرائيل وحماس بأنه «أعظم يوم في تاريخ البشرية».
وسواء فكر ترامب في ذلك أو لا، فإن هناك قدراً كبيراً من السخرية هنا على وجه التحديد لأن هذه الحرب الأخيرة، مثل الحرب العالمية الأولى، و«اتفاقية السلام» التي تلتها قد تؤدي أيضاً ليس إلى السلام، بل إلى قرن آخر من الحرب.
ينبغي أن يكون الدرس واضحًا: الحرب لا تُنهي الصراع، بل إن العدالة هي وحدها كفيلة بتحقيق ذلك. أما خطة ترامب والممارسات الإسرائيلية، فإن مصيرها سيكون مثل مصير الخطط والإجراءات الظالمة التي اتخذتها الدول الأوروبية المنتصرة في نهاية الحرب العالمية الأولى.
كثيراً ما أتذكر وجوه أولئك الشباب الفخورين في إحدى الصور المعروضة في بيوريا. لقد كانوا أناساً وطنيين بدون أي شك، لكن تضحياتهم المخلصة قد ذهبت سدى وتم التنكر لها وتناسيها.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك