حين تقول صحيفة «نيويورك تايمز» إن «زلزالًا لحق بدعم إسرائيل» في أوساط الرأي العام الأمريكي، فهي هنا لا تنشر خبرًا، بل تدق ناقوس الخطر.. فالصحيفة لم تتخلف يومًا عن دعم إسرائيل، وتغطيتها حرب الإبادة مجرد مثال صارخ.
وحين يتعهد مرشحون لانتخابات الكونجرس بالامتناع عن قبول تمويل لحملاتهم من لوبي إسرائيل، بل ورد المبالغ التي تلقوها حتى تاريخه، وحين يُطالَب الأعضاء الحاليون بالإفصاح عن حجم الأموال التي تلقوها من اللوبي، فلا بد أن الزلزال قد وقع بالفعل.
فما تقدم كله لم يكن واردًا قبل «طوفان الأقصى»؛ ففي العامين الأخيرين، ولأول مرة، استحال على الإعلام الأمريكي التعتيم على جرائم إسرائيل. فعبر وسائل التواصل، شاهد الأمريكيون على هواتفهم حرب الإبادة لحظة بلحظة.
فـ«طوفان الأقصى» جعلت الهوة الجيلية في أمريكا، بما في ذلك بين اليهود الأمريكيين بالمناسبة، أكثر عمقًا بكثير، بل ولم يعد معها الاستقطاب الأمريكي استقطابًا بين اليمين واليسار، وإنما أصبح استقطابًا رباعيًا، إذا جاز التعبير. فكلٌّ من التيارين صار بداخله استقطاب بين أنصار إسرائيل التقليديين وأولئك المعارضين علنًا للدعم الأمريكي لها.
والحقيقة أن أيًا من تلك التحولات لم يحدث بين يوم وليلة، إذ كان هناك تراكم خلال عقد على الأقل ولكنه ظل تراكمًا بطيئًا، حتى وقعت حرب الإبادة، فتسارع التراكم وحقق قفزة غير مسبوقة. وهو ما يضع لوبي إسرائيل لأول مرة في موقع لم يشهده منذ نشأته. وهو واقع اعترف به ترامب علنًا أكثر من مرة، وتلك سابقة تاريخية هي الأخرى.
فاللوبي ظل دومًا حاضرًا بقوة في السياسة الأمريكية، وغائبًا بصورة عمدية في الخطاب السياسي. ولأول مرة أيضًا صارت منظمات حقوقية تطالب علنًا بتسجيل لوبي إسرائيل في واشنطن باعتباره منظمة «تعمل لصالح جهات أجنبية»، لا وفق قانون جماعات المصالح «الأمريكية».
لكن اللوبي لا يقف مكتوف الأيدي إزاء تلك التطورات؛ فهو، في تقديري، لا يزال قادرًا على استغلال ما يسمي «التمويل المظلم». وهو ثغرة بالقانون الحالي لتمويل الحملات الانتخابية تسمح لأصحاب الملايين بإنفاق أموال هائلة من دون الحاجة إلى الإفصاح عن مصدرها.
وتلك الثغرة تظل أداة مهمة هدفها إجهاض تأثير الرأي العام، والإبقاء على أعضاء الكونجرس رهينة لدى جماعات المصالح. وأصحاب الملايين من أنصار إسرائيل شرعوا بالفعل في قمع الرأي العام، عبر تجريم دعم فلسطين وشراء وسائل التواصل، بل وشبكات الأخبار التلفزيونية، لاستعادة النفوذ وصنع تغطية موالية لإسرائيل.
وإسرائيل لا تقف مكتوفة الأيدي هي الأخرى؛ فهي خصصت 145 مليون دولار لغسل سمعتها، وهي تستهدف جيل الشباب، فتدفع لمؤثرين عبر وسائل التواصل لصنع خطاب داعم لإسرائيل، حتى إن منظمات أمريكية باتت تطالب بتسجيل أولئك المؤثرين وفق قانون العمل «لصالح دول أجنبية».
وإدارة ترامب لا تقف ساكنة هي الأخرى. في الوقت الذي قلصت فيه الميزانية المخصصة لكل المنح التعليمية والأكاديمية في مجال العلوم الاجتماعية، قدمت من خلال المؤسسة العامة للعلوم الإنسانية، بدعوي «محاربة السامية»، منحة تصل إلى أكثر من 10 ملايين دولار لمنظمة أمريكية صهيونية متطرفة تعتنق رؤي بالغة العنصرية تجاه الفلسطينيين. وتلك المنظمة تحارب معاداة السامية، ليس لأنها تحرم اليهود من المساواة بغيرهم وإنما لأنها «تعادي الحضارة الغربية» ذاتها! وهي تؤكد في برامجها التعليمية والتثقيفية ما تسميه دور اليهود والثقافة اليهودية في صنع مجد الحضارة الغربية أصلًا.
بعبارة أخري، نستطيع التأكيد أن معركة الرأي العام العالمي حول فلسطين لم تُحسم بعد، وتحتاج إلى المثابرة والنفس الطويل.
{ باحثة في العلوم السياسية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك