إن اتساع رقعة الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة يؤدي إلى تصعيد غير مسبوق في تدمير منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم الزراعية، بما يقوّض فرص إعادة الإعمار ويجعل من استدامة قيام دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل أمرًا شبه مستحيل.
وتنص خطة السلام الأمريكية المكونة من 20 بندًا، التي أعدتها حكومة الولايات المتحدة وتشكل الأساس لوقف إطلاق النار المؤقت الساري في غزة منذ 10 أكتوبر 2025، بشكل واضح على أن إسرائيل «لن تحتل غزة أو تضمها».
إلا أنه بعد مرور أربعة أشهر، وفي ظل ما وصفه الصحفي الإيطالي المستقل جيوفاني ليغورانو في مقال بمجلة «فورين بوليسي» بأنه «صراع مجمّد مرشح للاستمرار إلى أجل غير مسمى»، قيّمت فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، استمرار سيطرة الجيش الإسرائيلي على أكثر من نصف مساحة غزة، معتبرة أن ذلك يتيح لتحالف بنيامين نتنياهو اليميني المتطرف استكمال حملته الإبادية بحق المدنيين الفلسطينيين.
وبالتوازي مع التحركات التي وصفت بالعدائية لترسيم ما يسمى «الخط الأصفر» داخل غزة، بهدف خنق أكثر من مليوني نازح، جرى توثيق عمليات هدم متعمدة لآلاف المنازل والمباني والمنشآت والبنية التحتية الحيوية منذ بدء سريان وقف إطلاق النار. ويُعد هذا السلوك انتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي، ولا يمكن تفسيره إلا كمحاولة ممنهجة لحرمان الفلسطينيين من المقومات الأساسية اللازمة لإقامة دولة وطنية قابلة للحياة.
ويتكرر نمط التدمير المنهجي ذاته في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، حيث حذر المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الأونروا، فيليب لازاريني، من دخول مرحلة «وحشية جديدة» من عمليات الهدم الإسرائيلية. وبعد أن رصد المجلس النرويجي للاجئين ارتفاعًا بنسبة 39% في عمليات الهدم خلال عام 2025، استمر هذا المسار التدميري من دون توقف في عام 2026، وكان من أبرز مؤشراته استهداف مقر الأونروا في يناير.
وفي ظل انشغال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمحاولات الضغط والترهيب ضد الحلفاء والخصوم على حد سواء لفرض مطالبه الإقليمية والاقتصادية، وتجاهله المتكرر لأهمية الالتزام بالقانون الدولي، تبدو فرص محاسبة إسرائيل على انتهاكاتها المتواصلة ضعيفة للغاية. ومع ذلك، أقرت نائبة رئيس البرلمان الأوروبي السابقة، لويزا مورغانتيني، بأن الحكومات الأوروبية تتحمل قدرًا من المسؤولية، لتواطئها في هذه الانتهاكات عبر الصمت وعدم اتخاذ أي خطوات فعلية لوقف التدمير الواسع للمنازل والممتلكات والأراضي الفلسطينية.
وتنص المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، الخاصة بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، على الحظر الصريح لأي تدمير تقوم به السلطة المحتلة للممتلكات العامة أو الخاصة، سواء كانت مملوكة للأفراد أو للجماعات أو للدولة. ومع ذلك، وكما هو الحال في العديد من قضايا القانون الدولي الإنساني، تجاهلت الحكومة الإسرائيلية المتطرفة هذا الالتزام عن عمد، مستندة إلى قناعة راسخة بأنها لن تواجه عواقب حقيقية من داعميها الغربيين سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا.
ونتيجة لذلك، في ظل ما وصفه ليغورانو بـ«التقسيم الفعلي لغزة» الذي أفرزته بنود خطة ترامب ذات النقاط العشرين، شن الجيش الإسرائيلي حملة تدمير منظمة في المناطق الواقعة خلف وأمام ما يعرف بـ«الخط الأصفر» لسيطرته.
ففي نوفمبر 2025، أفادت هيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي، بأن أكثر من 1500 مبنى في قطاع غزة قد دُمّر بشكل ممنهج منذ بدء تنفيذ وقف إطلاق النار. واعتبر الدكتور هـ. أ. هيليير، الزميل المشارك الأول في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، هذا الأمر «انتهاكًا صريحًا» للاتفاق، وخاصة في ظل تقديرات الأمم المتحدة التي تشير إلى أن أكثر من 80% من مباني غزة تعرضت لأضرار جسيمة أو دُمرت بالكامل. وبحلول منتصف يناير 2026، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن إسرائيل هدمت أكثر من 2500 مبنى في القطاع، من دون أي مؤشرات على توقف هذه الحملة.
وتفسر نية التدمير المتعمد لما تبقى من منازل الفلسطينيين وبنيتهم التحتية سبب توسيع الجيش الإسرائيلي لنطاق احتلاله. فبينما تشير بعض وسائل الإعلام الغربية إلى أن إسرائيل تسيطر على نحو 53% من غزة، يؤكد تقرير للأمين العام للأمم المتحدة أن نسبة الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة قد تصل إلى 58%.
وفي هذا السياق، استخدمت بي بي سي صور الأقمار الصناعية لإظهار تحركات متعمدة للقوات الإسرائيلية، حيث جرى دفع حواجز «الخط الأصفر» مسافة 295 مترًا إلى الداخل منذ نوفمبر 2025. كما أفادت نيويورك تايمز بتدمير عشرات المباني خارج خطوط الترسيم المتفق عليها، بعضها على مسافة تصل إلى 900 قدم من الحدود المفترضة لمنطقة الاحتلال العسكري.
وصف الدكتور أندرياس كريج، المحاضر الأول في كلية الدراسات الأمنية بجامعة كينغز كوليدج لندن، هذه التحركات بأنها «أداة للهندسة الإقليمية»، حيث تسمح لإسرائيل بتغيير أنماط سكن الفلسطينيين وتنقلهم وزراعتهم من دون إعلان تعديل الحدود رسميًا. وأشار مايكل وحيد حنا، مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، إلى أن هذه الممارسات تعكس تطرف التحالف الحاكم في إسرائيل واستمراره في توسيع نطاق عدوانه حتى خلال مرحلة وقف إطلاق النار.
وعلى الرغم من أن خطة ترامب تنص على تقليص الاحتلال العسكري الإسرائيلي تدريجيًا وفق معايير وجداول زمنية تشرف عليها «قوة استقرار دولية»، فإن هذه القوة لا تزال حبرًا على ورق، ما يجعل أي انسحاب عسكري إسرائيلي أمرًا مستبعدًا. وحتى مع إعلان المبعوث الخاص لترامب، ستيف ويتكوف، بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في 14 يناير 2026، أكد ليغورانو غياب أي جدول زمني واضح للانسحاب، مقابل تركيز أمريكي شبه كامل على نزع سلاح حركة حماس.
وفي تحليله، أوضح سام روز، القائم بأعمال مدير شؤون غزة في الأونروا، أن تدمير المباني وتوسيع نطاق الاحتلال يندرج ضمن «النهج الإسرائيلي المعتاد» القائم على الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأرض خلال أي عملية، بما يقلل من فرص التفاوض لاحقًا.
وتبرز الزراعة كمثال واضح على الآثار طويلة الأمد لهذا التدمير. فقبل أكتوبر 2023، كانت 32% من أراضي غزة تُستخدم للزراعة، وتسهم بنحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم أن غزة لم تكن مكتفية ذاتيًا غذائيًا، كما أوضح البروفيسور مازن قمصية، فإن السكان تمكنوا من التكيف والبقاء. إلا أن العدوان المستمر منذ عامين أدى إلى تدمير شبه كامل للقطاع الزراعي، حيث أفادت منظمة الفاو في أغسطس 2025 بتدمير أكثر من 86% من الأراضي الزراعية، ولم يتبق سوى 1.5% صالحة للاستخدام. واعتبر الأستاذ هي ين من جامعة ولاية كينت أن هذا الضرر «غير مسبوق»، محولًا غزة إلى «أرض قاحلة».
وأشار ليغورانو إلى أن غزة تضم معظم الأراضي الزراعية التي كان يعتمد عليها الفلسطينيون، وأن فقدانها الدائم ستكون له تداعيات خطرة على التعافي الاقتصادي، وخاصة في ظل أزمة اقتصادية وصفها الأونكتاد بأنها الأسوأ على الإطلاق، مع تراجع الإيرادات بأكثر من 87% منذ عام 2022.
ويمتد نمط الهدم ذاته إلى الضفة الغربية، حيث سجل المجلس النرويجي للاجئين أكثر من 1288 عملية هدم خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، أدت إلى تهجير آلاف الفلسطينيين وتضرر عشرات الآلاف. وأكدت منظمات حقوقية أن ما يحدث يمثل جهدًا منظمًا لإفراغ الأرض من سكانها، بينما حذرت هيومن رايتس ووتش من ارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي في الضفة الغربية بالتوازي مع التركيز العالمي على غزة.
وفي ضوء هذه التطورات، خلص محللون إلى أن مستقبل غزة سيظل معلقًا، طالما استمر الاحتلال العسكري الإسرائيلي في التوسع بدلًا من الانحسار، وفي ظل غياب ضغط أمريكي فعلي يُجبر إسرائيل على الالتزام بتعهداتها، وهو ما يجعل أي أفق سياسي أو إنساني مستدام بعيد المنال.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك