العدد : ١٧٤٨٢ - الاثنين ٠٢ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨٢ - الاثنين ٠٢ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

توسع السيطرة الإسرائيلية في غزة وتداعياته على الإعمار ومستقبل الدولة الفلسطينية

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الاثنين ٠٢ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

إن‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تصعيد‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬منازل‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وممتلكاتهم‭ ‬وأراضيهم‭ ‬الزراعية،‭ ‬بما‭ ‬يقوّض‭ ‬فرص‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬استدامة‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬أمرًا‭ ‬شبه‭ ‬مستحيل‭.‬

وتنص‭ ‬خطة‭ ‬السلام‭ ‬الأمريكية‭ ‬المكونة‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬بندًا،‭ ‬التي‭ ‬أعدتها‭ ‬حكومة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وتشكل‭ ‬الأساس‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬المؤقت‭ ‬الساري‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬منذ‭ ‬10‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬‮«‬لن‭ ‬تحتل‭ ‬غزة‭ ‬أو‭ ‬تضمها‮»‬‭. ‬

إلا‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬الصحفي‭ ‬الإيطالي‭ ‬المستقل‭ ‬جيوفاني‭ ‬ليغورانو‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬بمجلة‭ ‬‮«‬فورين‭ ‬بوليسي‮»‬‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬صراع‭ ‬مجمّد‭ ‬مرشح‭ ‬للاستمرار‭ ‬إلى‭ ‬أجل‭ ‬غير‭ ‬مسمى‮»‬،‭ ‬قيّمت‭ ‬فرانشيسكا‭ ‬ألبانيز،‭ ‬المقررة‭ ‬الخاصة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬المعنية‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬استمرار‭ ‬سيطرة‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬مساحة‭ ‬غزة،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يتيح‭ ‬لتحالف‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬اليميني‭ ‬المتطرف‭ ‬استكمال‭ ‬حملته‭ ‬الإبادية‭ ‬بحق‭ ‬المدنيين‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

وبالتوازي‭ ‬مع‭ ‬التحركات‭ ‬التي‭ ‬وصفت‭ ‬بالعدائية‭ ‬لترسيم‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬الخط‭ ‬الأصفر‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬غزة،‭ ‬بهدف‭ ‬خنق‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليوني‭ ‬نازح،‭ ‬جرى‭ ‬توثيق‭ ‬عمليات‭ ‬هدم‭ ‬متعمدة‭ ‬لآلاف‭ ‬المنازل‭ ‬والمباني‭ ‬والمنشآت‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬سريان‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭. ‬ويُعد‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬انتهاكًا‭ ‬فاضحًا‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيره‭ ‬إلا‭ ‬كمحاولة‭ ‬ممنهجة‭ ‬لحرمان‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬المقومات‭ ‬الأساسية‭ ‬اللازمة‭ ‬لإقامة‭ ‬دولة‭ ‬وطنية‭ ‬قابلة‭ ‬للحياة‭.‬

ويتكرر‭ ‬نمط‭ ‬التدمير‭ ‬المنهجي‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة‭ ‬والقدس‭ ‬الشرقية،‭ ‬حيث‭ ‬حذر‭ ‬المفوض‭ ‬العام‭ ‬لوكالة‭ ‬غوث‭ ‬وتشغيل‭ ‬اللاجئين‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬الأونروا،‭ ‬فيليب‭ ‬لازاريني،‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬وحشية‭ ‬جديدة‮»‬‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬الهدم‭ ‬الإسرائيلية‭. ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬رصد‭ ‬المجلس‭ ‬النرويجي‭ ‬للاجئين‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬بنسبة‭ ‬39‭% ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬الهدم‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬استمر‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬التدميري‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬توقف‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬مؤشراته‭ ‬استهداف‭ ‬مقر‭ ‬الأونروا‭ ‬في‭ ‬يناير‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬انشغال‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بمحاولات‭ ‬الضغط‭ ‬والترهيب‭ ‬ضد‭ ‬الحلفاء‭ ‬والخصوم‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬لفرض‭ ‬مطالبه‭ ‬الإقليمية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬وتجاهله‭ ‬المتكرر‭ ‬لأهمية‭ ‬الالتزام‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬تبدو‭ ‬فرص‭ ‬محاسبة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬انتهاكاتها‭ ‬المتواصلة‭ ‬ضعيفة‭ ‬للغاية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬أقرت‭ ‬نائبة‭ ‬رئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬الأوروبي‭ ‬السابقة،‭ ‬لويزا‭ ‬مورغانتيني،‭ ‬بأن‭ ‬الحكومات‭ ‬الأوروبية‭ ‬تتحمل‭ ‬قدرًا‭ ‬من‭ ‬المسؤولية،‭ ‬لتواطئها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الانتهاكات‭ ‬عبر‭ ‬الصمت‭ ‬وعدم‭ ‬اتخاذ‭ ‬أي‭ ‬خطوات‭ ‬فعلية‭ ‬لوقف‭ ‬التدمير‭ ‬الواسع‭ ‬للمنازل‭ ‬والممتلكات‭ ‬والأراضي‭ ‬الفلسطينية‭.‬

وتنص‭ ‬المادة‭ ‬53‭ ‬من‭ ‬اتفاقية‭ ‬جنيف‭ ‬الرابعة‭ ‬لعام‭ ‬1949،‭ ‬الخاصة‭ ‬بحماية‭ ‬المدنيين‭ ‬أثناء‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬على‭ ‬الحظر‭ ‬الصريح‭ ‬لأي‭ ‬تدمير‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬السلطة‭ ‬المحتلة‭ ‬للممتلكات‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬الخاصة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬مملوكة‭ ‬للأفراد‭ ‬أو‭ ‬للجماعات‭ ‬أو‭ ‬للدولة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني،‭ ‬تجاهلت‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المتطرفة‭ ‬هذا‭ ‬الالتزام‭ ‬عن‭ ‬عمد،‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة‭ ‬بأنها‭ ‬لن‭ ‬تواجه‭ ‬عواقب‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬داعميها‭ ‬الغربيين‭ ‬سياسيًا‭ ‬واقتصاديًا‭ ‬ودبلوماسيًا‭.‬

ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬ليغورانو‭ ‬بـ«التقسيم‭ ‬الفعلي‭ ‬لغزة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أفرزته‭ ‬بنود‭ ‬خطة‭ ‬ترامب‭ ‬ذات‭ ‬النقاط‭ ‬العشرين،‭ ‬شن‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬حملة‭ ‬تدمير‭ ‬منظمة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الواقعة‭ ‬خلف‭ ‬وأمام‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«الخط‭ ‬الأصفر‮»‬‭ ‬لسيطرته‭.‬

ففي‭ ‬نوفمبر‭ ‬2025،‭ ‬أفادت‭ ‬هيئة‭ ‬الإذاعة‭ ‬البريطانية،‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي،‭ ‬بأن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1500‭ ‬مبنى‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬قد‭ ‬دُمّر‭ ‬بشكل‭ ‬ممنهج‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬تنفيذ‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭. ‬واعتبر‭ ‬الدكتور‭ ‬هـ‭. ‬أ‭. ‬هيليير،‭ ‬الزميل‭ ‬المشارك‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬الملكي‭ ‬للخدمات‭ ‬المتحدة،‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬‮«‬انتهاكًا‭ ‬صريحًا‮»‬‭ ‬للاتفاق،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تقديرات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬80‭% ‬من‭ ‬مباني‭ ‬غزة‭ ‬تعرضت‭ ‬لأضرار‭ ‬جسيمة‭ ‬أو‭ ‬دُمرت‭ ‬بالكامل‭. ‬وبحلول‭ ‬منتصف‭ ‬يناير‭ ‬2026،‭ ‬ذكرت‭ ‬صحيفة‭ ‬نيويورك‭ ‬تايمز‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬هدمت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬2500‭ ‬مبنى‭ ‬في‭ ‬القطاع،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬توقف‭ ‬هذه‭ ‬الحملة‭.‬

وتفسر‭ ‬نية‭ ‬التدمير‭ ‬المتعمد‭ ‬لما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬منازل‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وبنيتهم‭ ‬التحتية‭ ‬سبب‭ ‬توسيع‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لنطاق‭ ‬احتلاله‭. ‬فبينما‭ ‬تشير‭ ‬بعض‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬53‭% ‬من‭ ‬غزة،‭ ‬يؤكد‭ ‬تقرير‭ ‬للأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬الأراضي‭ ‬الخاضعة‭ ‬للسيطرة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الكاملة‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬58‭%.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬استخدمت‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬لإظهار‭ ‬تحركات‭ ‬متعمدة‭ ‬للقوات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬حيث‭ ‬جرى‭ ‬دفع‭ ‬حواجز‭ ‬‮«‬الخط‭ ‬الأصفر‮»‬‭ ‬مسافة‭ ‬295‭ ‬مترًا‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬منذ‭ ‬نوفمبر‭ ‬2025‭. ‬كما‭ ‬أفادت‭ ‬نيويورك‭ ‬تايمز‭ ‬بتدمير‭ ‬عشرات‭ ‬المباني‭ ‬خارج‭ ‬خطوط‭ ‬الترسيم‭ ‬المتفق‭ ‬عليها،‭ ‬بعضها‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬900‭ ‬قدم‭ ‬من‭ ‬الحدود‭ ‬المفترضة‭ ‬لمنطقة‭ ‬الاحتلال‭ ‬العسكري‭.‬

وصف‭ ‬الدكتور‭ ‬أندرياس‭ ‬كريج،‭ ‬المحاضر‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الدراسات‭ ‬الأمنية‭ ‬بجامعة‭ ‬كينغز‭ ‬كوليدج‭ ‬لندن،‭ ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬أداة‭ ‬للهندسة‭ ‬الإقليمية‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تسمح‭ ‬لإسرائيل‭ ‬بتغيير‭ ‬أنماط‭ ‬سكن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وتنقلهم‭ ‬وزراعتهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إعلان‭ ‬تعديل‭ ‬الحدود‭ ‬رسميًا‭. ‬وأشار‭ ‬مايكل‭ ‬وحيد‭ ‬حنا،‭ ‬مدير‭ ‬برنامج‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬الأزمات‭ ‬الدولية،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬تعكس‭ ‬تطرف‭ ‬التحالف‭ ‬الحاكم‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬واستمراره‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬عدوانه‭ ‬حتى‭ ‬خلال‭ ‬مرحلة‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬خطة‭ ‬ترامب‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬الاحتلال‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬تدريجيًا‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬وجداول‭ ‬زمنية‭ ‬تشرف‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬قوة‭ ‬استقرار‭ ‬دولية‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬حبرًا‭ ‬على‭ ‬ورق،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬انسحاب‭ ‬عسكري‭ ‬إسرائيلي‭ ‬أمرًا‭ ‬مستبعدًا‭. ‬وحتى‭ ‬مع‭ ‬إعلان‭ ‬المبعوث‭ ‬الخاص‭ ‬لترامب،‭ ‬ستيف‭ ‬ويتكوف،‭ ‬بدء‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬14‭ ‬يناير‭ ‬2026،‭ ‬أكد‭ ‬ليغورانو‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬جدول‭ ‬زمني‭ ‬واضح‭ ‬للانسحاب،‭ ‬مقابل‭ ‬تركيز‭ ‬أمريكي‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬نزع‭ ‬سلاح‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭.‬

وفي‭ ‬تحليله،‭ ‬أوضح‭ ‬سام‭ ‬روز،‭ ‬القائم‭ ‬بأعمال‭ ‬مدير‭ ‬شؤون‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬الأونروا،‭ ‬أن‭ ‬تدمير‭ ‬المباني‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الاحتلال‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬‮«‬النهج‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المعتاد‮»‬‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬خلال‭ ‬أي‭ ‬عملية،‭ ‬بما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬التفاوض‭ ‬لاحقًا‭.‬

وتبرز‭ ‬الزراعة‭ ‬كمثال‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬الآثار‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬لهذا‭ ‬التدمير‭. ‬فقبل‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬كانت‭ ‬32‭% ‬من‭ ‬أراضي‭ ‬غزة‭ ‬تُستخدم‭ ‬للزراعة،‭ ‬وتسهم‭ ‬بنحو‭ ‬11‭% ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬غزة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مكتفية‭ ‬ذاتيًا‭ ‬غذائيًا،‭ ‬كما‭ ‬أوضح‭ ‬البروفيسور‭ ‬مازن‭ ‬قمصية،‭ ‬فإن‭ ‬السكان‭ ‬تمكنوا‭ ‬من‭ ‬التكيف‭ ‬والبقاء‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬العدوان‭ ‬المستمر‭ ‬منذ‭ ‬عامين‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬للقطاع‭ ‬الزراعي،‭ ‬حيث‭ ‬أفادت‭ ‬منظمة‭ ‬الفاو‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2025‭ ‬بتدمير‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬86‭% ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية،‭ ‬ولم‭ ‬يتبق‭ ‬سوى‭ ‬1.5%‭ ‬صالحة‭ ‬للاستخدام‭. ‬واعتبر‭ ‬الأستاذ‭ ‬هي‭ ‬ين‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬ولاية‭ ‬كينت‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الضرر‭ ‬‮«‬غير‭ ‬مسبوق‮»‬،‭ ‬محولًا‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أرض‭ ‬قاحلة‮»‬‭.‬

وأشار‭ ‬ليغورانو‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬غزة‭ ‬تضم‭ ‬معظم‭ ‬الأراضي‭ ‬الزراعية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬الفلسطينيون،‭ ‬وأن‭ ‬فقدانها‭ ‬الدائم‭ ‬ستكون‭ ‬له‭ ‬تداعيات‭ ‬خطرة‭ ‬على‭ ‬التعافي‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أزمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وصفها‭ ‬الأونكتاد‭ ‬بأنها‭ ‬الأسوأ‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬الإيرادات‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬87‭% ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2022‭.‬

ويمتد‭ ‬نمط‭ ‬الهدم‭ ‬ذاته‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬حيث‭ ‬سجل‭ ‬المجلس‭ ‬النرويجي‭ ‬للاجئين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1288‭ ‬عملية‭ ‬هدم‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬التسعة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تهجير‭ ‬آلاف‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وتضرر‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭. ‬وأكدت‭ ‬منظمات‭ ‬حقوقية‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬يمثل‭ ‬جهدًا‭ ‬منظمًا‭ ‬لإفراغ‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬سكانها،‭ ‬بينما‭ ‬حذرت‭ ‬هيومن‭ ‬رايتس‭ ‬ووتش‭ ‬من‭ ‬ارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬وتطهير‭ ‬عرقي‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬غزة‭.‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬التطورات،‭ ‬خلص‭ ‬محللون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬غزة‭ ‬سيظل‭ ‬معلقًا،‭ ‬طالما‭ ‬استمر‭ ‬الاحتلال‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الانحسار،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬ضغط‭ ‬أمريكي‭ ‬فعلي‭ ‬يُجبر‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬الالتزام‭ ‬بتعهداتها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬أفق‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬إنساني‭ ‬مستدام‭ ‬بعيد‭ ‬المنال‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا