أتذكر وقوفي أمام لوحة «صانعة الدانتيل» للرسام الهولندي يوهانس فيرمير في متحف اللوفر بباريس العام الماضي. لوحة صغيرة، لا تتجاوز راحة اليد تقريباً، في قاعة هادئة بعيداً عن زحام لوحة الموناليزا.
امرأة منحنية على عملها، منهمكة تماماً في خيوطها الدقيقة. الضوء يدخل من جانب اللوحة بنعومة، يلامس يديها ووجهها. لم يكن في المشهد أي شيء استثنائي -لا بطولة، ولا دراما- فقط إنسانة تؤدي عملها بصمت وكرامة.
وقفت طويلاً، ليس لأني أفهم تقنية فيرمير أو تاريخ الفن الهولندي، لكن لأن اللوحة تكلّمت.. قالت شيئاً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في معناه: الجمال موجود في اللحظة العادية، في التركيز، في العمل الذي يُؤدّى بإتقان حتى لو لم يره أحد.
هذا ما حضر في ذهني مع افتتاح معرض «مجموعة الشيخ راشد بن خليفة الفنية» في سار. هذا الافتتاح يضع الفن في مكانه الطبيعي داخل المجتمع: مساحة إنسانية للتعبير، لا شعارات ولا خطابات، إحساس يُترجم إلى خط أو لون، ومن هناك تبدأ الحكاية.
في الأعمال المعروضة، تظهر البحرين كحالة إنسانية قبل أن تكون اسمًا على الخريطة. الضوء المحلي حاضر، والإيقاع مألوف لمن عاش على هذه الأرض الطيبة. ليست أعمالًا تبحث عن الإدهاش؛ على العكس، هي تبحث عن المعنى. فيها احترام للتفاصيل ووعي بالمكان، وقدرة على الجمع بين الجذور والرؤية الحديثة.
حديث سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير سلمان بن حمد آل خليفة عن دور الفنانين في إيصال رسالة المملكة إلى العالم يفتح بابًا للتفكير. اللوحة تخلق علاقة مباشرة بين إنسان وآخر، تتجاوز المسافات والثقافات، وتمنح البحرين نافذة للتعريف بنفسها عبر الحس الإبداعي.
الخط العربي حين يظهر في بعض الأعمال لا يأتي كعنصر تراثي جامد، يطل كذاكرة حية تُعاد صياغتها بلغة معاصرة.
الألوان بدورها لا تُستخدم لإبهار العين، تترك للزائر مساحة هادئة يرى فيها المعنى قبل الشكل.
الفن هنا ليس تفصيلًا ثانويًا، هو انعكاس لوعي المجتمع. وحين يجد الإبداع مساحة يتحرك فيها، وإحساسًا بأن التجربة محل تقدير، تظهر النتائج تلقائيًا: جرأة في الطرح، تنوّع في الأساليب، ورغبة في الذهاب أبعد نحو المعنى.
تجربة الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة الفنية تعكس هذا المسار؛ فهي لا تقوم على الإنتاج وحده، وإنما على بناء حضور ثقافي يفتح المجال لغيره. في أعماله نلمس بحثًا مستمرًا عن البعد الإنساني داخل المادة الفنية، وهو ما يمنح التجربة ثقلها الحقيقي في المشهد البحريني.
وإذا نظرنا إلى الصورة الأوسع، ندرك أن الفن -تشكيليًا كان أو موسيقيًا أو مسرحيًا أو أدبيًا- كان دائمًا جزءًا من نهضة الأمم.
الحضارات التي تركت أثرًا في التاريخ فعلت ذلك عبر الجمال والفكر، لا بالقوة وحدها. فالفن يرفع الذائقة، ويوسّع الأفق، ويصنع جسورًا بين الثقافات حين تعجز اللغات الأخرى.
البحرين صغيرة على الخريطة. لكن الفن لا يعرف الحدود. زائر من باريس أو نيويورك قد يقف أمام لوحة في هذا المعرض، فيرى البحرين بعيون مختلفة. وحين يحدث هذا، تصبح البحرين -في تلك اللحظة- أوسع من أي خريطة.
هذا ما يفعله الفن. لا يتحدث بصوت عالٍ، لكنه يصل. لا يشرح نفسه، لكنه يُفهم. لا يطلب شيئاً، لكنه يعطي كل شيء. ونحن، حين نحتفي به، نقول للعالم: نحن هنا. نشعر. نعبّر. نبقى.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك