العدد : ١٧٤٨١ - الأحد ٠١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٨١ - الأحد ٠١ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

حين يحمل الفن صورة البحرين

بقلم: نبيلة رجب

الأحد ٠١ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

أتذكر‭ ‬وقوفي‭ ‬أمام‭ ‬لوحة‭ ‬‮«‬صانعة‭ ‬الدانتيل‮»‬‭ ‬للرسام‭ ‬الهولندي‭ ‬يوهانس‭ ‬فيرمير‭ ‬في‭ ‬متحف‭ ‬اللوفر‭ ‬بباريس‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭. ‬لوحة‭ ‬صغيرة،‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬راحة‭ ‬اليد‭ ‬تقريباً،‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬هادئة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬زحام‭ ‬لوحة‭ ‬الموناليزا‭.‬

امرأة‭ ‬منحنية‭ ‬على‭ ‬عملها،‭ ‬منهمكة‭ ‬تماماً‭ ‬في‭ ‬خيوطها‭ ‬الدقيقة‭. ‬الضوء‭ ‬يدخل‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬اللوحة‭ ‬بنعومة،‭ ‬يلامس‭ ‬يديها‭ ‬ووجهها‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬استثنائي‭ -‬لا‭ ‬بطولة،‭ ‬ولا‭ ‬دراما‭- ‬فقط‭ ‬إنسانة‭ ‬تؤدي‭ ‬عملها‭ ‬بصمت‭ ‬وكرامة‭.‬

وقفت‭ ‬طويلاً،‭ ‬ليس‭ ‬لأني‭ ‬أفهم‭ ‬تقنية‭ ‬فيرمير‭ ‬أو‭ ‬تاريخ‭ ‬الفن‭ ‬الهولندي،‭ ‬لكن‭ ‬لأن‭ ‬اللوحة‭ ‬تكلّمت‭.. ‬قالت‭ ‬شيئاً‭ ‬بسيطاً‭ ‬في‭ ‬ظاهره،‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬معناه‭: ‬الجمال‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬العادية،‭ ‬في‭ ‬التركيز،‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬يُؤدّى‭ ‬بإتقان‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يره‭ ‬أحد‭.‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬حضر‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬مع‭ ‬افتتاح‭ ‬معرض‭ ‬‮«‬مجموعة‭ ‬الشيخ‭ ‬راشد‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬الفنية‮»‬‭ ‬في‭ ‬سار‭. ‬هذا‭ ‬الافتتاح‭ ‬يضع‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬الطبيعي‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭: ‬مساحة‭ ‬إنسانية‭ ‬للتعبير،‭ ‬لا‭ ‬شعارات‭ ‬ولا‭ ‬خطابات،‭ ‬إحساس‭ ‬يُترجم‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬أو‭ ‬لون،‭ ‬ومن‭ ‬هناك‭ ‬تبدأ‭ ‬الحكاية‭.‬

في‭ ‬الأعمال‭ ‬المعروضة،‭ ‬تظهر‭ ‬البحرين‭ ‬كحالة‭ ‬إنسانية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬اسمًا‭ ‬على‭ ‬الخريطة‭. ‬الضوء‭ ‬المحلي‭ ‬حاضر،‭ ‬والإيقاع‭ ‬مألوف‭ ‬لمن‭ ‬عاش‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬الطيبة‭. ‬ليست‭ ‬أعمالًا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الإدهاش؛‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬هي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭. ‬فيها‭ ‬احترام‭ ‬للتفاصيل‭ ‬ووعي‭ ‬بالمكان،‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الجذور‭ ‬والرؤية‭ ‬الحديثة‭.‬

حديث‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬الفنانين‭ ‬في‭ ‬إيصال‭ ‬رسالة‭ ‬المملكة‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬يفتح‭ ‬بابًا‭ ‬للتفكير‭. ‬اللوحة‭ ‬تخلق‭ ‬علاقة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬إنسان‭ ‬وآخر،‭ ‬تتجاوز‭ ‬المسافات‭ ‬والثقافات،‭ ‬وتمنح‭ ‬البحرين‭ ‬نافذة‭ ‬للتعريف‭ ‬بنفسها‭ ‬عبر‭ ‬الحس‭ ‬الإبداعي‭.‬

الخط‭ ‬العربي‭ ‬حين‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأعمال‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬كعنصر‭ ‬تراثي‭ ‬جامد،‭ ‬يطل‭ ‬كذاكرة‭ ‬حية‭ ‬تُعاد‭ ‬صياغتها‭ ‬بلغة‭ ‬معاصرة‭.‬

الألوان‭ ‬بدورها‭ ‬لا‭ ‬تُستخدم‭ ‬لإبهار‭ ‬العين،‭ ‬تترك‭ ‬للزائر‭ ‬مساحة‭ ‬هادئة‭ ‬يرى‭ ‬فيها‭ ‬المعنى‭ ‬قبل‭ ‬الشكل‭.‬

الفن‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬تفصيلًا‭ ‬ثانويًا،‭ ‬هو‭ ‬انعكاس‭ ‬لوعي‭ ‬المجتمع‭. ‬وحين‭ ‬يجد‭ ‬الإبداع‭ ‬مساحة‭ ‬يتحرك‭ ‬فيها،‭ ‬وإحساسًا‭ ‬بأن‭ ‬التجربة‭ ‬محل‭ ‬تقدير،‭ ‬تظهر‭ ‬النتائج‭ ‬تلقائيًا‭: ‬جرأة‭ ‬في‭ ‬الطرح،‭ ‬تنوّع‭ ‬في‭ ‬الأساليب،‭ ‬ورغبة‭ ‬في‭ ‬الذهاب‭ ‬أبعد‭ ‬نحو‭ ‬المعنى‭.‬

تجربة‭ ‬الشيخ‭ ‬راشد‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬الفنية‭ ‬تعكس‭ ‬هذا‭ ‬المسار؛‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬وحده،‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬حضور‭ ‬ثقافي‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬لغيره‭. ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬نلمس‭ ‬بحثًا‭ ‬مستمرًا‭ ‬عن‭ ‬البعد‭ ‬الإنساني‭ ‬داخل‭ ‬المادة‭ ‬الفنية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬التجربة‭ ‬ثقلها‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬البحريني‭.‬

وإذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬الصورة‭ ‬الأوسع،‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬الفن‭ -‬تشكيليًا‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬موسيقيًا‭ ‬أو‭ ‬مسرحيًا‭ ‬أو‭ ‬أدبيًا‭- ‬كان‭ ‬دائمًا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬نهضة‭ ‬الأمم‭.‬

الحضارات‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬أثرًا‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك‭ ‬عبر‭ ‬الجمال‭ ‬والفكر،‭ ‬لا‭ ‬بالقوة‭ ‬وحدها‭. ‬فالفن‭ ‬يرفع‭ ‬الذائقة،‭ ‬ويوسّع‭ ‬الأفق،‭ ‬ويصنع‭ ‬جسورًا‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬حين‭ ‬تعجز‭ ‬اللغات‭ ‬الأخرى‭.‬

البحرين‭ ‬صغيرة‭ ‬على‭ ‬الخريطة‭. ‬لكن‭ ‬الفن‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الحدود‭. ‬زائر‭ ‬من‭ ‬باريس‭ ‬أو‭ ‬نيويورك‭ ‬قد‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬لوحة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المعرض،‭ ‬فيرى‭ ‬البحرين‭ ‬بعيون‭ ‬مختلفة‭. ‬وحين‭ ‬يحدث‭ ‬هذا،‭ ‬تصبح‭ ‬البحرين‭ -‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭- ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬خريطة‭.‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬الفن‭. ‬لا‭ ‬يتحدث‭ ‬بصوت‭ ‬عالٍ،‭ ‬لكنه‭ ‬يصل‭. ‬لا‭ ‬يشرح‭ ‬نفسه،‭ ‬لكنه‭ ‬يُفهم‭. ‬لا‭ ‬يطلب‭ ‬شيئاً،‭ ‬لكنه‭ ‬يعطي‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬ونحن،‭ ‬حين‭ ‬نحتفي‭ ‬به،‭ ‬نقول‭ ‬للعالم‭: ‬نحن‭ ‬هنا‭. ‬نشعر‭. ‬نعبّر‭. ‬نبقى‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا