يعود التوتر الأمريكي-الإيراني ليتصدر المشهد الإقليمي في لحظة دولية شديدة الاضطراب، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الرهانات السياسية، وتتشابك رسائل الردع مع مناورات الضغط والمساومة. وفي ظل قيادة أمريكية تميل إلى القرارات المفاجئة والتصعيد الكلامي، تتزايد المخاوف من أن تتحول الإشارات العسكرية إلى واقع ميداني يفرض معادلات جديدة على المنطقة بأكملها، ويضع الشرق الأوسط مجددًا أمام اختبار بالغ الخطورة.
مع إعادة توجيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غضبه مجددًا نحو إيران، يُنظر إلى الحشد العسكري الأمريكي المتزايد في الشرق الأوسط باعتباره مؤشرًا واضحًا على اقتراب مواجهة عنيفة جديدة. فعلى الرغم من أن ترامب بدا في منتصف يناير 2026 وكأنه يتراجع عن تهديداته بإسقاط النظام الإيراني بالقوة، زاعمًا أنه «أقنع نفسه» بعدم شن هجوم عسكري، فإن شبح الصدام لم يتبدد، بل تأجل فقط.
وبعد فترة حاول خلالها الجمهوريون، من دون نجاح يُذكر، الضغط على حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين لتمكين واشنطن من السيطرة على جرينلاند، عاد المشهد التصعيدي إلى الواجهة مع وصول أسطول من السفن الحربية الأمريكية، من بينها حاملة طائرات، إلى المياه المقابلة لشبه الجزيرة العربية.
ورغم تأكيد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن هذه التحركات تهدف إلى «تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين»، فإن تحذير ترامب لطهران من أن «الوقت ينفد» أمامها للاستجابة للمطالب السياسية والاقتصادية والنووية الأمريكية، إلى جانب إعلان الجيش الأمريكي نيته تنفيذ مناورات عسكرية واسعة النطاق ومتعددة الأيام، أسهما في تصاعد التحذيرات الإقليمية والدولية من هجوم أمريكي وشيك.
ولا يزال الهدف الحقيقي الذي تسعى واشنطن لتحقيقه من خلال شن حملة قصف جديدة ضد المنشآت العسكرية والنووية الإيرانية غير واضح. فقد أشار روبرت إس. فورد، السفير الأمريكي السابق لدى سوريا والزميل الدبلوماسي المتميز في معهد الشرق الأوسط، إلى أن «دوافع ترامب والتزاماته لا يمكن الوثوق بها»، موضحًا أن سجل الرئيس السابق في التدخلات الخارجية يظهر أنه «غير معني بدعم الديمقراطية عالميًا».
من جهتها، رأت إيلي جيرانمايه، نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن أي هجوم أمريكي «لن يحقق» الأهداف التي يسعى إليها ترامب، وأن الولايات المتحدة قد تجد نفسها منخرطة في «صراع عسكري طويل بلا نهاية».
وفي الوقت الذي تساءل فيه برايان كاتوليس، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط، مؤكدًا أن «لا أحد يعلم على وجه اليقين» ما القرار الذي سيتخذه الرئيس الجمهوري البالغ من العمر 79 عامًا خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، شدد على أن التداعيات الإقليمية ستكون جسيمة، وخصوصًا بالنسبة إلى دول الخليج العربي.
فقد أقر كريستيان كوتس أولريشسن، الباحث في معهد بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس في تكساس، بأن دول الخليج تقف «على خط المواجهة» في ظل التوترات الأمريكية-الإيرانية المستمرة، ومن المرجح أن تكون أهدافًا لأي رد إيراني محتمل على الضربات الأمريكية.
وفي أعقاب الهجوم الأمريكي العلني على فنزويلا في الثالث من يناير، ومع اندلاع احتجاجات واسعة في مختلف أنحاء إيران، صعّد ترامب لهجته، ملوحًا باستخدام القوة لإسقاط نظام المرشد الأعلى علي خامنئي، مؤكدًا الجاهزية الكاملة للجيش الأمريكي، مخاطبًا المتظاهرين الإيرانيين بأن «المساعدة في الطريق». ومع ذلك، على الرغم من سقوط آلاف، وربما عشرات الآلاف، من القتلى نتيجة حملة القمع العنيفة التي شنها النظام الإيراني، لم تُنفذ إدارة ترامب تهديداتها، حيث أفادت وسائل إعلام غربية آنذاك بأن نفوذ دول الخليج كان عاملًا حاسمًا في هذا التراجع.
ومع ذلك، أشارت مجلة «الإيكونوميست» إلى أن هذا القرار قد يكون تأثر بدرجة أكبر بحقيقة أن الجيش الأمريكي كان يمتلك «معدات محدودة في المنطقة» خلال منتصف يناير، ما حال دون قدرته على تنفيذ ضربات وحماية مصالحه في حال رد إيراني. ومع تقرير صحيفة «نيويورك تايمز» الذي أفاد بأن ترامب تلقى إحاطة استخباراتية تفيد بأن النظام الإيراني «في حالة ضعف»، بدا تصعيده المتجدد ضد طهران أمرًا متوقعًا.
وأوضحت صحيفة «فايننشال تايمز» أن واشنطن واصلت «نشر أصول عسكرية إضافية في المنطقة»، بما في ذلك «تعزيز الوجود البحري»، فيما يتباهى ترامب حاليًا بامتلاكه «أسطولًا ضخمًا بالقرب من إيران». ففي حين كانت إدارة ترامب قد حولت مسار حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس جيرالد فورد» إلى البحر الكاريبي أواخر عام 2025 تمهيدًا للهجوم على فنزويلا، أبحرت حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي باتجاه الشرق الأوسط.
وتحمل هذه الحاملة نحو 5000 بحار، وتضم الحاملة أسرابًا من الطائرات المقاتلة، من بينها مقاتلات إف/إيه-18 إي «سوبر هورنت» متعددة المهام، وطائرات إي إيه-18 جي «غراولر» المتخصصة في الحرب الإلكترونية، إلى جانب مقاتلات إف-35 سي «لايتنينغ 2»، وهي النسخة البحرية المصممة للعمل على متن حاملات الطائرات.
وإنها القادرة على تنفيذ هجمات ضد أهداف داخل إيران، ويرافقها ثلاث مدمرات مزودة بصواريخ موجهة وأنظمة دفاع جوي متطورة. ولا يقتصر الحشد على ذلك، إذ تنتشر مدمرات أمريكية أخرى في محيط إيران، كما توجد حاملة الطائرات «يو إس إس روزفلت» التي عبرت البحر الأحمر باتجاه شرق البحر المتوسط، إلى جانب المدمرتين «يو إس إس ميتشر» و«يو إس إس مكفول» المتمركزتين حاليًا في شمال بحر العرب.
كما أفادت صحيفة «واشنطن بوست» بأن البنتاجون نقل سربًا من مقاتلات مقاتلات إف-15 إي «سترايك إيغل» من بريطانيا إلى المنطقة، إضافة إلى نشر منظومات دفاع جوي من طراز باتريوت وثاد في قواعد أمريكية بالشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، رأى نيت سوانسون، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية مدير مشروع استراتيجية إيران في المجلس الأطلسي، أن هذا الوجود العسكري يمنح واشنطن «ميزة نفسية» لردع إيران. غير أن التشابه بين هذا الحشد والتحركات التي سبقت انضمام الولايات المتحدة إلى الحملة الجوية الإسرائيلية التي استمرت 12 يومًا في يونيو 2025، إلى جانب إعلان القيادة المركزية الأمريكية «تمرين استعداد متعدد الأيام»، دفع كاتوليس إلى التحذير من أن أي هجوم أمريكي جديد على إيران ينبغي اعتباره «وشيكًا».
ولم يسع ترامب إلى تهدئة هذه المخاوف، إذ اكتفى بالتعليق على تحرك الأسطول قائلًا: «سنرى ما سيحدث»، بينما واصل حليفه السياسي المقرب، السيناتور ليندسي جراهام، تأكيد أن «الهدف» لا يزال «إنهاء النظام الإيراني».
وفي ظل تصاعد احتمالات استهداف مواقع سياسية وعسكرية داخل إيران، شدد فورد على أن أي هجوم أمريكي «لن يمهد لانتقال سياسي سلمي»، وسيترتب عليه «عواقب سلبية» على الولايات المتحدة وحلفائها. وشاركه سوانسون الرأي، معربًا عن «شكوكه» في أن يؤدي أي هجوم أمريكي إلى إحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، محذرًا من سيناريو محتمل يتمثل في «ظهور حكومة أكثر تشددًا».
كما أن الرد الإيراني المحتمل على أي هجوم أمريكي قد يحمل تداعيات عميقة على دول الخليج العربي. فقد أوضح أولريشسن أن تركيز هذه الدول على المسار الدبلوماسي يعكس «قلقين رئيسيين»: الأول يتمثل في الشك في امتلاك إدارة ترامب «خطة متماسكة تتجاوز مجرد حملة غارات جوية جديدة»، والثاني في عدم الاقتناع بأن التدخل العسكري الأمريكي «سيؤدي إلى نتيجة سياسية إيجابية».
وعلى عكس تقييم صحيفة «نيويورك تايمز» الذي وصف الرد الإيراني على الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية في يونيو 2025 بأنه «محدود نسبيًا»، وادعاء سوانسون أن وجود حاملة طائرات أمريكية في بحر العرب «سيردع إيران عن أي تصعيد مفرط»، حذر أولريشسن من أن القيادة الإيرانية قد تتخلى عن «أي قدر من ضبط النفس» إذا تعرض وضعها السياسي لتهديد مباشر.
وفي السياق نفسه، أكد كيفن دونيغان، نائب الأدميرال الأمريكي السابق، أن إيران، رغم الضربات التي استهدفت أنظمة الصواريخ ومراكز القيادة والسيطرة، «لا تزال تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة القادرة على ضرب القواعد الأمريكية في المنطقة». وهو ما دفع مجلة «الإيكونوميست» إلى التحذير من احتمال لجوء طهران إلى «ضربات استباقية» قبل تدمير منصات الإطلاق.
كما أقرت جيرانمايه بأن إيران مازالت تمتلك «القدرة العملياتية» على استهداف المنشآت النفطية، وتعطيل الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وتفعيل شبكتها الإقليمية من الحلفاء لشن هجمات منسقة ضد شركاء الولايات المتحدة.
وفي إشارة إلى دور دول مجلس التعاون الخليجي في الحيلولة دون تحول التصعيد السابق إلى حرب شاملة، أقر أولريشسن بأن لقادة الخليج «نفوذًا وتأثيرًا» على ترامب، سواء بشكل مباشر أو عبر مبعوثه الخاص ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر. كما أوضح كاتوليس أن «الضغط الخليجي» قد يؤثر مجددًا على قرار ترامب، إما عبر تقليص نطاق أي ضربة محتملة وإما العدول عنها كليًا.
ويرى كاتوليس أن «القوة النارية الإضافية» التي نشرها ترامب في الشرق الأوسط قد تكون مجرد «أداة تفاوضية» لانتزاع تنازلات إضافية من طهران، ولا سيما فيما يتعلق ببرنامجها النووي، إلا أن احتمال أن تكون أيضًا «مقدمة لعمل عسكري وشيك»، إلى جانب اعتراف أولريشسن بأن دول الخليج تقترب من «عتبة التورط في صراع»، يفسر إعلان الإمارات العربية المتحدة أنها لن تشارك بأي شكل في أي هجمات أمريكية ضد إيران.
وفي النهاية، ومع إقرار كاتوليس بأن سيناريوهات المرحلة المقبلة -سواء كانت حربًا شاملة، أو ضربة محدودة تستهدف رأس النظام، أو جولة جديدة من المفاوضات- تبقى «محض تخمين»، فإن المؤكد أن البيت الأبيض في عهد ترامب «يبدو مستعدًا للقيام بخطوة ما». وفي المقابل، تظل قدرة حلفاء واشنطن، في مقدمتهم دول مجلس التعاون الخليجي، على تجنب الانجرار إلى تصعيد قد ينتهك سيادتهم الوطنية، موضع شك كبير.
في المحصلة، لا يكمن الخطر الحقيقي فقط في احتمال اندلاع مواجهة عسكرية، بل في غياب رؤية واضحة لما بعد أي تصعيد محتمل. فالتجارب السابقة أظهرت أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تضمن نتائج سياسية مستقرة، بل قد تفتح أبوابًا لفوضى أوسع وتوازنات أكثر هشاشة. وبينما تتحرك واشنطن على حافة الخيارات القصوى، تبقى المنطقة أسيرة قرارات تُصاغ خارج حدودها، في وقت تتراجع فيه فرص الحلول المستدامة لصالح منطق القوة والمغامرة، وهو منطق لطالما دفع الشرق الأوسط ثمنه مضاعفًا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك