العدد : ١٧٤٧٩ - الجمعة ٣٠ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٩ - الجمعة ٣٠ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الوجه الآخر لتأثيرات العالم الرقمي

بقلم: د.طارق عباس

الجمعة ٣٠ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

تتعرض‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬لجملة‭ ‬من‭ ‬المؤثرات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬انعكست‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬المجتمع‭ ‬وقيمه،‭ ‬وانعكست‭ ‬سلبيا‭ ‬على‭ ‬العادات‭ ‬النبيلة،‭ ‬والخصوصية‭ ‬المستحقة،‭ ‬والحرية‭ ‬الواجبة‭. ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬تلك‭ ‬المؤثرات‭ ‬وأكثرها‭ ‬تغلغلًا‭ ‬وتأثيرًا‭: ‬العالَم‭ ‬الرقمي‭.‬

ويُقصد‭ ‬بالعالَم‭ ‬الرقمي‭ ‬ذلك‭ ‬الفضاء‭ ‬الذي‭ ‬توجد‭ ‬فيه‭ ‬المعلومات‭ ‬والبيانات‭ ‬بصورة‭ ‬إلكترونية،‭ ‬حيث‭ ‬تُخزَّن‭ ‬وتُعالَج‭ ‬وتُنقَل‭ ‬عبر‭ ‬الأجهزة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وشبكات‭ ‬الإنترنت،‭ ‬سواء‭ ‬أكانت‭ ‬برمجيات،‭ ‬أو‭ ‬بيانات‭ ‬رقمية،‭ ‬أو‭ ‬تفاعلات‭ ‬اجتماعية‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬المختلفة‭. ‬ولا‭ ‬يختلف‭ ‬اثنان‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ -‬بفضل‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬المتسارع‭- ‬أحدث‭ ‬تحولًا‭ ‬عظيمًا‭ ‬في‭ ‬أولويات‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات‭ ‬وأهدافهم،‭ ‬لما‭ ‬أتاحه‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬للتواصل‭ ‬بين‭ ‬الثقافات،‭ ‬وفتح‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة‭ ‬للتنمية،‭ ‬والتحفيز‭ ‬على‭ ‬الابتكار،‭ ‬وخلق‭ ‬فرص‭ ‬عمل،‭ ‬وتسهيل‭ ‬التجارة،‭ ‬ودعم‭ ‬التعلم‭ ‬عن‭ ‬بُعد،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬إيجابيات‭ ‬أخرى‭ ‬يصعب‭ ‬إنكارها،‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬المضيئة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬وجهٍ‭ ‬مظلم،‭ ‬فقد‭ ‬طفحت‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬تأثيرات‭ ‬ضربت‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات‭ ‬في‭ ‬العمق،‭ ‬واحدثت‭ ‬تغيرا‭ ‬ملموسا‭ ‬في‭ ‬حياتهم،‭ ‬حين‭ ‬تحوّلت‭ ‬نِعَم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬نِقَم،‭ ‬وإسهاماتها‭ ‬في‭ ‬الارتقاء‭ ‬إلى‭ ‬مخاطر‭ ‬تهدد‭ ‬بالتلاشي‭ ‬والضياع‭. ‬فالعالم‭ ‬الرقمي‭ ‬الذي‭ ‬سهَّل‭ ‬أحيانًا‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬عقد‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة،‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬أظهر‭ ‬أخفي،‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬عالج‭ ‬أمرض،‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬قرّب‭ ‬المسافات‭ ‬أبعد‭ ‬القلوب،‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬قوّى‭ ‬الروابط‭ ‬أضعفها،‭ ‬حتى‭ ‬تحوّلت‭ ‬التناقضات‭ ‬من‭ ‬سُنّة‭ ‬كونية‭ ‬محمودة‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬مكروه‭ ‬مفروض‭.‬

وإذا‭ ‬أردنا‭ ‬رصد‭ ‬التأثير‭ ‬الخطير‭ ‬للعالم‭ ‬الرقمي،‭ ‬أمكننا‭ ‬تناوله‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬زوايا‭:‬

‭ ‬أولًا‭: ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أدّى‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬تغييرات‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬العمل‭ ‬وبنيته،‭ ‬فأُقصيت‭ ‬بعض‭ ‬الوظائف‭ ‬التقليدية،‭ ‬وارتفعت‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬معينة،‭ ‬نتيجة‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والأتمتة‭.‬

‭ ‬كما‭ ‬تغيّرت‭ ‬متطلبات‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬وربطت‭ ‬المعرفة‭ ‬بالعالم‭ ‬الرقمي،‭ ‬ما‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬جودة‭ ‬الأداء‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬وانحسار‭ ‬التدريب‭ ‬المهني،‭ ‬وصعوبة‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬التسارع‭ ‬الهائل‭ ‬في‭ ‬التطور‭.‬

ثانيًا‭: ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬سرعة‭ ‬الاتصال‭ ‬والتواصل‭ ‬التي‭ ‬أتاحها‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي،‭ ‬فإنه‭ ‬فرض‭ ‬عزلة‭ ‬قاسية،‭ ‬نتيجة‭ ‬الانغماس‭ ‬في‭ ‬العوالم‭ ‬الافتراضية،‭ ‬وتراجع‭ ‬التفاعل‭ ‬الإنساني‭ ‬المباشر‭. ‬وقد‭ ‬أسهم‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬حدوث‭ ‬شرخ‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬الأجيال،‭ ‬وانفصال‭ ‬الشباب‭ ‬عن‭ ‬الكبار،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬عن‭ ‬الأطفال،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الانشغال‭ ‬بمحتوى‭ ‬فارغ‭ ‬يثير‭ ‬الفضول‭ ‬دون‭ ‬فائدة،‭ ‬ويغيب‭ ‬العقول‭ ‬عن‭ ‬القضايا‭ ‬الجوهرية،‭ ‬لتكون‭ ‬النتيجة‭ ‬فراغًا‭ ‬مُثقِلًا‭ ‬بالفراغ،‭ ‬وواقعًا‭ ‬مؤلمًا‭ ‬تفرضه‭ ‬شاشات‭ ‬بلا‭ ‬روح‭.‬

ثالثًا‭: ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الإعلامية‭ ‬برزت‭ ‬تأثيرات‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬الأخبار‭ ‬الزائفة،‭ ‬والمحتوى‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الإثارة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الموضوعية،‭ ‬وتفشّى‭ ‬الشائعات‭ ‬والمعلومات‭ ‬المضللة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تعدد‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬وتهافت‭ ‬الجمهور‭ ‬عليها،‭ ‬وتفضيل‭ ‬السرعة‭ ‬على‭ ‬الدقة‭.‬

رابعًا‭: ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬النفسية‭ ‬أسهم‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬معدلات‭ ‬القلق‭ ‬والتوتر‭ ‬والاكتئاب،‭ ‬وقلة‭ ‬النوم،‭ ‬وانخفاض‭ ‬تقدير‭ ‬الذات،‭ ‬نتيجة‭ ‬التعرض‭ ‬المستمر‭ ‬لسيل‭ ‬لا‭ ‬ينقطع‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬والتحديثات،‭ ‬وما‭ ‬يسببه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬إرهاق‭ ‬معرفي‭ ‬وضغط‭ ‬نفسي‭ ‬متواصل‭. ‬وفي‭ ‬الختام،‭ ‬بات‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭ ‬شريكًا‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتنا،‭ ‬يفتح‭ ‬أمامنا‭ ‬آفاقًا‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬والتواصل،‭ ‬لكنه‭ ‬يخبّئ‭ ‬في‭ ‬ثناياه‭ ‬سلبيات‭ ‬تتسلل‭ ‬ببطء‭ ‬إلى‭ ‬النفوس،‭ ‬وقد‭ ‬يصعب‭ ‬مقاومة‭ ‬آثارها‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نُحسن‭ ‬استخدامه،‭ ‬ونُعيد‭ ‬ضبط‭ ‬علاقتنا‭ ‬به‭ ‬بوعي‭ ‬ومسؤولية‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬وباحث‭ ‬أكاديمي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا