تتعرض مجتمعاتنا العربية خلال السنوات الأخيرة لجملة من المؤثرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي انعكست سلبًا على بنية المجتمع وقيمه، وانعكست سلبيا على العادات النبيلة، والخصوصية المستحقة، والحرية الواجبة. ولعل من أخطر تلك المؤثرات وأكثرها تغلغلًا وتأثيرًا: العالَم الرقمي.
ويُقصد بالعالَم الرقمي ذلك الفضاء الذي توجد فيه المعلومات والبيانات بصورة إلكترونية، حيث تُخزَّن وتُعالَج وتُنقَل عبر الأجهزة الإلكترونية وشبكات الإنترنت، سواء أكانت برمجيات، أو بيانات رقمية، أو تفاعلات اجتماعية عبر منصات التواصل المختلفة. ولا يختلف اثنان في أن هذا العالم -بفضل التطور التكنولوجي المتسارع- أحدث تحولًا عظيمًا في أولويات الأفراد والمجتمعات وأهدافهم، لما أتاحه من سرعة في الوصول إلى المعلومات، وتعزيز للتواصل بين الثقافات، وفتح آفاق جديدة للتنمية، والتحفيز على الابتكار، وخلق فرص عمل، وتسهيل التجارة، ودعم التعلم عن بُعد، فضلًا عن إيجابيات أخرى يصعب إنكارها، جعلت من العالم الرقمي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية.
غير أن هذه الصورة المضيئة لا تخلو من وجهٍ مظلم، فقد طفحت من هذا العالم تأثيرات ضربت الأفراد والمجتمعات في العمق، واحدثت تغيرا ملموسا في حياتهم، حين تحوّلت نِعَم التكنولوجيا إلى نِقَم، وإسهاماتها في الارتقاء إلى مخاطر تهدد بالتلاشي والضياع. فالعالم الرقمي الذي سهَّل أحيانًا كل شيء، عقد أشياء كثيرة، وبقدر ما أظهر أخفي، وبقدر ما عالج أمرض، وبقدر ما قرّب المسافات أبعد القلوب، وبقدر ما قوّى الروابط أضعفها، حتى تحوّلت التناقضات من سُنّة كونية محمودة إلى واقع مكروه مفروض.
وإذا أردنا رصد التأثير الخطير للعالم الرقمي، أمكننا تناوله من عدة زوايا:
أولًا: من الناحية الاقتصادية أدّى الإفراط في استخدام التكنولوجيا إلى تغييرات جذرية في طبيعة العمل وبنيته، فأُقصيت بعض الوظائف التقليدية، وارتفعت معدلات البطالة في قطاعات معينة، نتيجة الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة.
كما تغيّرت متطلبات سوق العمل، وربطت المعرفة بالعالم الرقمي، ما أدّى إلى تراجع جودة الأداء في بعض الأحيان، وانحسار التدريب المهني، وصعوبة التكيّف مع التسارع الهائل في التطور.
ثانيًا: من الناحية الاجتماعية على الرغم من سرعة الاتصال والتواصل التي أتاحها العالم الرقمي، فإنه فرض عزلة قاسية، نتيجة الانغماس في العوالم الافتراضية، وتراجع التفاعل الإنساني المباشر. وقد أسهم ذلك في حدوث شرخ واضح بين الأجيال، وانفصال الشباب عن الكبار، بل حتى عن الأطفال، إلى جانب الانشغال بمحتوى فارغ يثير الفضول دون فائدة، ويغيب العقول عن القضايا الجوهرية، لتكون النتيجة فراغًا مُثقِلًا بالفراغ، وواقعًا مؤلمًا تفرضه شاشات بلا روح.
ثالثًا: من الناحية الإعلامية برزت تأثيرات العالم الرقمي بوضوح في انتشار الأخبار الزائفة، والمحتوى القائم على الإثارة بدلًا من الموضوعية، وتفشّى الشائعات والمعلومات المضللة، في ظل تعدد المنصات الرقمية، وتهافت الجمهور عليها، وتفضيل السرعة على الدقة.
رابعًا: من الناحية النفسية أسهم العالم الرقمي في تصاعد معدلات القلق والتوتر والاكتئاب، وقلة النوم، وانخفاض تقدير الذات، نتيجة التعرض المستمر لسيل لا ينقطع من المعلومات والتحديثات، وما يسببه ذلك من إرهاق معرفي وضغط نفسي متواصل. وفي الختام، بات العالم الرقمي شريكًا لا غنى عنه في تفاصيل حياتنا، يفتح أمامنا آفاقًا واسعة من المعرفة والتواصل، لكنه يخبّئ في ثناياه سلبيات تتسلل ببطء إلى النفوس، وقد يصعب مقاومة آثارها إن لم نُحسن استخدامه، ونُعيد ضبط علاقتنا به بوعي ومسؤولية.
{ كاتب وباحث أكاديمي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك