تشهد منطقة الشرق الأوسط في عام 2026 آفاقًا ضبابية على خلفية الاضطرابات التي طالت المنطقة في 2025، حيث يعبر المراقبون الغربيون عن تشاؤم متزايد إزاء مستقبَل المنطقة في ظل تزايد الصراعات والمنافسات الإقليمية. قد يبدو الوضع أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، حيث تتداخل العوامل السياسية والعسكرية، ما يجعل من الصعب التنبؤ بما قد يحدث.
قد صرح «ريتشارد أتوود» و«كومفورت إيرو»، من مجموعة الأزمات الدولية التي مقرها بروكسل، بأن عام 2025 كان «عامًا دمويًا»، حيث اندلعت صراعات كبيرة من غزة إلى أوكرانيا، ومن السودان إلى ميانمار، ما أسفر عن مقتل مئات الآلاف من المدنيين وزيادة عدد النازحين إلى أكثر من 117 مليون شخص.
وأضافا أن آفاق عام 2026 «أفضل قليلاً»، وهو تقييم ينطبق على منطقة الشرق الأوسط. فقد أشار خبراء غربيون، مثل آرون ديفيد ميلر، الباحث في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، و«دانيال سي. كورتزر»، السفير الأمريكي السابق في مصر، إلى أن التوقعات للعام المقبل «قاتمة».
بدوره، كتب أليكس بليتساس، الزميل غير المقيم في مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط التابعة للمجلس الأطلسي، عن ضرورة التمييز بين اتفاقيات وقف إطلاق النار المؤقتة المنتشرة في المنطقة وبين الردع والسلام المستدام. وأشار إلى أن الشرق الأوسط «يدخل مرحلة جديدة من التوتر الاستراتيجي الحاد». كما أشار جورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لشركة جلف ستيت أناليتكس وأستاذ مساعد في جامعة جورجتاون، إلى أن عام 2026 سيكون «أقل تحديدًا باليقين وأكثر بتوازن هش بين الطموحات المتنافسة والصراعات غير المحلولة والتحالفات الهشة».
سيظل المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار والعنف في المنطقة هو إسرائيل، بدعم من حلفائها الغربيين، وعلى رأسهم إدارة الرئيس الأمريكي الجمهوري دونالد ترامب. حذر ميلر وكورتزر من فرض «واقع الدول الأربع» الذي يفرّق غزة والضفة الغربية، في حين حذر الدكتور حسين إبيش، الباحث في معهد دول الخليج العربية، من أن تحالف بنيامين نتنياهو المتطرف «يسعى لاستئناف» حملته الجوية ضد إيران.
أوضح ميلر وكورتزر، في مقالٍ نشرته «فورين بوليسي»، أن «أفضل» نتيجة للمنطقة قد تكون في «إدارة» و«تخفيف» التصعيد، مع إمكانية تحقيق «مكاسب تدريجية» في الأمن والاستقرار. حذر بليتساس صانعي السياسة الأمريكيين من «التغاضي عن احتمال تجدد الأزمة في الشرق الأوسط». ومع ذلك، فإن غياب السياسة الواضحة والقيادة الموحدة من الحكومات الغربية تجاه المنطقة - والتي تتراوح بين عدم الكفاءة والتعمد في دعم تدمير إسرائيل - يعزز التشاؤم الذي يظهر في توقعات الخبراء لعام 2026.
على العكس من محاولة إدارة ترامب تصوير التطورات الإقليمية لصالح إسرائيل بعبارات «تحولية»، أوضح ميلر وكورتزر كيف أن «حقائق السياسة الإقليمية القاسية» أصبحت واضحة مع نهاية عام 2025. فحتى بعد دخول وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ في 10 أكتوبر، استمر الجيش الإسرائيلي في شن هجمات عنيفة على غزة، بينما سجلت وكالة الأونروا مقتل نحو 400 فلسطيني.
كما استمرت إسرائيل في توسيع ضم الأراضي الفلسطينية مع استمرار التوتر في الضفة الغربية المحتلة. ورغم الضغوط العسكرية على النظام الإيراني، فإنه ظل «منهكًا ولكنه غير مستسلم». وفي ظل هذه الديناميكيات، حذر بليتساس من أن «التصعيد المتتالي» في جبهة ما قد يؤدي إلى ردود فعل في جبهات أخرى، مما يزيد من تعقيد الوضع الإقليمي.
بالنسبة لمستقبل غزة، توقع ميلر وكورتزر أن عام 2026 «قد يكون مشابهًا لعام 2025» من حيث التصعيد الإسرائيلي، مع «تدمير هائل للبنية التحتية والمساكن، وفقر السكان، وقليل من التغيير في الوضع الأمني». ووفقًا لكافييرو، فإن سجل إسرائيل في تقويض وقف إطلاق النار والجهود الدبلوماسية يشير إلى احتمال كبير لاستئناف «الحملة العسكرية الشاملة» ضد غزة، والتي يراها البعض بمثابة إبادة جماعية للقطاع. كما يتفق معه الدكتور توماس جونو، أستاذ الشؤون العامة في جامعة أوتاوا، الذي يعتقد أنه لا يوجد أمل قريب لتحسين وضع أكثر من مليوني مدني فلسطيني محاصرين في 47% فقط من الأراضي التي كانت تحت سيطرة فلسطين قبل الحرب.
لم تتغير الحقائق القاسية على الأرض بعد الاجتماع الذي عقد في ديسمبر بين ترامب ونتنياهو في منتجع مارالاغو. ففي حين تهدد الولايات المتحدة حماس بنزع سلاحها، يؤكد ميلر وكورتزر أن «حماس لن تتخلى عن أسلحتها» وأن «الولايات المتحدة لن تجد أي جهات دولية مستعدة» لنزع سلاحها بالقوة. وعلاوة على ذلك، أشار المعلقون الأمريكيون إلى أن «المزيد من المستوطنات» في الضفة الغربية والقدس الشرقية سيترافق مع «المزيد من العنف» و«المزيد من الخطوات نحو الضم الإسرائيلي». وقد أوضح «أتوود» و«إيرو» أنه رغم اعتراف أكثر من 150 دولة في الأمم المتحدة بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، فإنهم لا يزالون «مقموعين بشكل منهجي» دون مساءلة لإسرائيل. وأكدوا أن الوضع السياسي في المنطقة قد تضاءل إلى مجرد «البقاء» في ظل غياب التغيير الجذري.
وفيما يتعلق بالتهديدات ضد النظام الإيراني، نقل ترامب في بداية يناير تهديدات مباشرة لطهران، مشيرًا إلى استعداد الجيش الأمريكي للهجوم في حال استمرت الاحتجاجات المحلية هناك. وأكد كافييرو أن «التهديد النووي الإيراني» قد تراجع في نظر الكثير من المحافظين الجدد في واشنطن، لكن الاهتمام تحول الآن إلى «قدرات طهران الصاروخية». وفي الوقت نفسه، يحذر أتوود وإيرو من أن الحكومة الإسرائيلية «قد تحاول استكمال المهمة» التي بدأت في يونيو 2025، بتوجيه هجمات ضد القيادة الإيرانية والبنية التحتية المدنية.
يخلص الخبراء إلى أن الواقع الحالي يشير إلى «تضاءل الأهداف السياسية لصالح مجرد البقاء»، وأن السؤال الأكثر إلحاحًا لعام 2026، كما كان في 2025، هو: «هل يمكن للفلسطينيين الصمود كأفراد والتماسك كمجتمع؟». من بين التوجهات الأخرى التي ظهرت في النصف الأول من عام 2026، والتي نتجت عن آخر لقاء بين ترامب ونتنياهو، هي استئناف التهديدات المباشرة ضد النظام الإيراني.
زعم الرئيس الأمريكي أن إيران بدأت في إعادة بناء برنامجها النووي بعد حملة الغارات الجوية الإسرائيلية والأمريكية التي استمرت 12 يومًا في يونيو، وأكد على عزمه «إسقاطهم» و«القضاء سريعًا على هذا التراكم» بطريقة «أكثر فاعلية من المرة السابقة». ورغم أن كافييرو كتب عن تراجع «التهديد النووي الإيراني» بشكل كبير في أوساط المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، الذين يطالبون بمزيد من الهجمات، فقد تحول الاهتمام الآن إلى «التركيز شبه الكامل على قدرات إيران الصاروخية». ومع تحذيرات ترامب في يناير من تهديدات للنظام الإيراني بسبب احتجاجات محلية، أشار إلى أن الجيش الأمريكي «مستعد تمامًا للهجوم»، مما يعكس رغبة متزايدة لدى واشنطن في شن المزيد من الهجمات.
في الوقت نفسه، حذر أتوود وإيرو من أن الحكومة الإسرائيلية «أصبحت أكثر احتمالًا من أي وقت مضى» للمضي قدماً في «إتمام المهمة» التي بدأت في يونيو 2025. من المتوقع أن تستهدف الهجمات القادمة القيادة الإيرانية وتدمر البنية التحتية المدنية. وقد حذر الدكتور حسين إبيش مؤخرًا من أن إسرائيل «قد تحاول ذلك قريبًا، ربما في النصف الأول من عام 2026»، مشيرًا إلى أن أي هجوم أمريكي مباشر قد يمنح نتنياهو فرصة أخرى للقيام بذلك.
في ظل هذه الضغوط، خلص ميلر وكورتزر إلى أنه «من المستحيل معرفة» كيف ستتصرف إيران في السنوات القادمة. وبينما يمكن أن تسعى طهران إلى اتفاق لتخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه من المرجح أنها «لن تتخلى عن طموحاتها النووية أو زعامتها الإقليمية». وفي جميع الأحوال، فإن الموقفين الإسرائيلي والأمريكي مع بداية العام الجديد يشيران بوضوح إلى التصعيد المستمر وخطر اندلاع صراع إقليمي جديد سيؤثر على جميع الدول، بما في ذلك دول الخليج العربي.
من جانب آخر، أبدى رافي أغراوال، رئيس تحرير «فورين بوليسي»، اعتقاده بأن ترامب سيظل شخصية محورية في الجغرافيا السياسية لعام 2026، لكنه قد يفقد اهتمامه بسهولة بالشرق الأوسط. فقد كان يبدو في نهاية عام 2025 «راضيًا» عن دوره في تعزيز الصراعات في المنطقة، وتوجه إلى قضايا أخرى مثل الحرب الروسية في أوكرانيا. ومع ذلك، لا يزال «طبعه غير المتوقع» واضحًا في استعداده لبدء حرب أخرى مع إيران.
رغم أن حروب إسرائيل منذ عام 2023 قد زادت من اعتمادها على المساعدات العسكرية الأمريكية، مما عزز نفوذ واشنطن في المنطقة، إلا أن أتوود وإيرو أشاروا إلى أن اجتماع ترامب ونتنياهو كان مجرد «ترديد للمطالب الإسرائيلية».
وفيما يتعلق بمستقبل غزة والضفة الغربية، حيث تزايدت عمليات هدم المنازل الفلسطينية وتوسعت المستوطنات غير الشرعية، أعرب ميلر وكورتزر عن أسفهما لأن «المعارضة الأمريكية المعلنة للضم الإسرائيلي» لا تحمل أي تأثير حقيقي. وأضاف الخبراء أن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة تتجه «بشكل يبدو حتمي نحو تحقيق هذا الهدف»، بينما تتقاعس الحكومات الغربية عن معارضة الاحتلال الإسرائيلي.
في هذا السياق، حث بليتساس على ضرورة إنشاء «قنوات اتصال للأزمات، وتنسيق الجهود العسكرية الإقليمية، والانخراط الدبلوماسي» لمنع المزيد من التصعيد. ورغم ذلك، لا تبدو الحكومة الأمريكية مهتمة بتخفيض التصعيد. وأكد ميلر وكورتزر أن «اللحظة الخطيرة في الشرق الأوسط» تتطلب «حكمة واهتمامًا أكبر» في التعامل معها، وهو ما تفتقر إليه الحكومة الأمريكية الحالية.
وفي الختام، كما أشار كافييرو، فإن عام 2026 سيكون اختبارًا لمرونة الشراكات الحالية، وفعالية الدبلوماسية، وقدرة الجهات الفاعلة الإقليمية على التكيف مع بيئة متقلبة دون الانزلاق إلى مزيد من الصراعات. ولا يوجد مكان أكثر أهمية من غزة، حيث أشار ميلر وكورتزر إلى «الحقيقة المزعجة» بأن كلا من الحكومة الإسرائيلية المتطرفة وحماس تبدوان «أكثر ارتياحًا للوضع الراهن» في «غزة المقسمة»، بدلاً من مواجهة «المخاطر والضغوط» التي قد تترتب على تغيير هذا الوضع.
وهذا يعكس أيضًا موقف حكومات الغرب التي ما زالت تدعي تمثيل القانون الدولي وحقوق الإنسان والنظام القائم على القواعد، بينما لا تقدم أفعالها أي دعم حقيقي لتغيير الوضع القائم في المنطقة.
إن عام 2026 سيمثل نقطة مفصلية في تاريخ منطقة الشرق الأوسط، حيث سيكون التحدي الأكبر أمام دول المنطقة هو مواجهة الأزمات المتعددة في ظل وضع إقليمي هش ومعقد. بينما تبدو التوقعات المستقبلية قاتمة، تظل التساؤلات حول قدرة الفاعلين الإقليميين على التكيف مع التحولات المستمرة وتفادي التصعيد العسكري، هي مفتاح ما قد يكون عليه هذا العام.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك