تعكس الخطة الأمريكية الرئيسية الخاصة بغزة تعزيزًا واضحًا لمخطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروف باسم «ريفييرا الشرق الأوسط»، كما تكشف عن محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل القطاع بما يرقى إلى تطهير عرقي للفلسطينيين.
ففي أوائل فبراير 2025، وبعد أسبوعين فقط من عودته إلى البيت الأبيض لولاية رئاسية ثانية، أعلن دونالد ترامب صراحة عزمه «السيطرة» على قطاع غزة و«امتلاكه»، وتحويله إلى ما وصفه بـ«ريفييرا الشرق الأوسط». وجاءت ردود الفعل سريعة من الحكومات الإقليمية وحلفاء الولايات المتحدة الغربيين وخبراء القانون الدولي، حيث أدانت شخصيات قانونية، من بينها سارة إليزابيث ديل من لجنة جرائم الحرب التابعة لرابطة المحامين الدولية هذه التصريحات ووصفتها بأنها «انتهاك صارخ للقانون الدولي».
ومع استمرار وتصاعد الحملة الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين في غزة على مدار عام 2025، وسط موجة استنكار عالمية واسعة من خبراء حقوق الإنسان ضد سياسات حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة، بدأت الطموحات الأمريكية طويلة الأمد لتنفيذ ما أعلنه ترامب تتبلور بشكل أكثر وضوحًا. وفي أواخر فبراير، أثار قيام مسؤولين أمريكيين بنشر مقطع فيديو مُنتج بتقنيات الذكاء الاصطناعي، يُظهر إعادة إعمار الأراضي الفلسطينية على هيئة فنادق فاخرة وكازينوهات وتماثيل ذهبية، موجة سخرية وانتقادات واسعة، واعتُبر حينها ضربًا من الخيال السياسي.
غير أن الكشف، بعد أشهر قليلة، عن خطط تفصيلية أعدّها البيت الأبيض بالتعاون مع مجموعة بوسطن الاستشارية ومعهد التغيير العالمي التابع لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، لم يؤكد فقط نية إعادة بناء غزة وفق رؤية ترامب، بل كشف أيضًا عن ارتكاب جريمة حرب تتمثل في التهجير القسري لمئات الآلاف من الفلسطينيين لتحقيق هذه الأهداف.
وبعد مرور أربعة أشهر على هذا الكشف، وخلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، أعلنت الحكومة الأمريكية رسميًا إطلاق ما يسمى «مجلس السلام»، الذي يعتزم ترامب من خلاله إدارة غزة بشكل مباشر وإلى أجل غير مسمى، وقدّم صهره ومستشاره المقرب جاريد كوشنر «الخطة الرئيسية» الجديدة لما أسماه إعادة بناء «غزة الجديدة». وقد أظهرت الصور والخرائط الحاسوبية المعروضة، التي تضمنت عشرات ناطحات السحاب والمجمعات الصناعية والمناطق السياحية المخطط لها، تشابهًا جوهريًا مع التصورات السابقة.
ووصف إتش. إيه. هيليير، الزميل المشارك الأول في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، هذه الخطة بأنها «جنونية»، بينما اعتبرها جوش بول، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية ومؤسس معهد «سياسة جديدة»، شكلاً حديثًا من «الاستعمار المؤسسي».
وفي عرض اعتبره أندرو كاري من شبكة سي إن إن «متسرعًا»، استعرض كوشنر آلية إزالة مئات الأطنان من الأنقاض الناتجة عن القصف الإسرائيلي المستمر منذ عامين، وخطة إعادة الإعمار التي ستُنفذ -بحسب قوله- عبر أربع مراحل متتالية: تبدأ برفح، ثم خان يونس، تليها «المخيمات المركزية»، وتنتهي بمدينة غزة، رغم تقديرات الأمم المتحدة التي تشير إلى أن أكثر من 83% من المباني في القطاع دُمّرت كليًا أو تضررت بشدة.
ويُبرز عرض الشرائح الذي قدمه كوشنر منطقة مخصصة للسياحة في غزة، وُصفت من قبل شبكة أيه بي سي نيوز بأنها تضم «ناطحات سحاب فاخرة، وفنادق، وفيلات فخمة تطل على مياه متلألئة»، إلى جانب ميناء بحري ومطار جديدين. وتعكس هذه الصور إلى حد كبير ما ورد في فيديو الذكاء الاصطناعي الذي روّج له ترامب سابقًا، وما يحمله من أبعاد تطهير عرقي. كما تساءل هنري بودكين من صحيفة التليجراف عن أوجه الشبه اللافتة بين خريطة «الخطة الرئيسية» ومدينة تل أبيب، حيث سبق لكوشنر أن عمل في مشاريع عقارية ساحلية هناك.
ومن التفاصيل الجوهرية في مخطط «غزة الجديدة» إضفاء الطابع الدائم على الاحتلال العسكري الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عبر ما يسمى «المحيط الأمني». كما جرى إسقاط أي إشارة إلى «قوة الاستقرار الدولية» التي وردت في خطة ترامب ذات العشرين بندًا، التي وافق عليها مجلس الأمن الدولي في نوفمبر 2025.
وفي ظل السجل الإسرائيلي المعروف بتغيير الحدود الميدانية لتوسيع السيطرة، يُتوقع أن تسعى حكومة إسرائيل المتطرفة، التي دعا وزير عدلها مؤخرًا إلى «الاحتفاظ بالسيطرة» على غزة، إلى ضم أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الفلسطينية بموجب هذه الخطة.
وبالإضافة إلى احتمال الوجود العسكري الإسرائيلي الدائم، تخلو خطة ترامب لمستقبل غزة من أي إشارة واضحة للاعتراف بوجود الفلسطينيين أنفسهم في القطاع المُعاد بناؤه. فعلى الرغم من إفادة ديفيد جريتن من بي بي سي بأن خريطة كوشنر تشير إلى «تطوير مرحلي للمناطق السكنية والزراعية والصناعية لسكان غزة البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة».
ونقل جوليان بورجر من صحيفة الغارديان أن «غزة موحدة تُدار من قبل الفلسطينيين» تُعد ردًا على طموحات المتطرفين الإسرائيليين الساعين لإعادة المستوطنات غير الشرعية، إلا أن صحيفة واشنطن بوست أكدت أن «شريحة واحدة فقط من أصل عشر شرائح» في عرض كوشنر ذكرت الفلسطينيين صراحة، مع تجاهل فاضح لتفاصيل جوهرية، من بينها ظهور النص العربي بشكل غير مقروء ومقلوب، فضلًا عن أن الأراضي المصنفة زراعيًا تقع في مناطق ذات تربة رملية فقيرة غير صالحة للزراعة.
وأشارت واشنطن بوست أيضًا إلى التناقض الصارخ بين حديث كوشنر في دافوس عن تحويل غزة إلى «مكان مزدهر يوفر فرص عمل ممتازة»، والواقع القائم في القطاع، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي قتل المدنيين بشكل عشوائي رغم وقف إطلاق النار، بينما يعاني نحو 1.6 مليون فلسطيني من انعدام حاد في الأمن الغذائي.
وبخلاف ما افترضه بورجر بشأن إدارة غزة «من قبل الفلسطينيين» بموجب الخطة الأمريكية، حذّر رامي عدو، مؤسس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في جنيف، من أن الفلسطينيين يواجهون مجددًا «مخططًا للقضاء على وجودهم»، يقوم على «الإخضاع والاستئناس والسيطرة»، لصالح كل من إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي ضوء التباين العميق بين الواقع الميداني في غزة والرؤى المصطنعة التي يروج لها ترامب ومستشاروه عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبرز تساؤلات جدية حول قابلية تنفيذ الخطة الأمريكية. إذ تدّعي «الخطة الرئيسية» أنه سيتم «سحب الأسلحة الثقيلة فورًا»، وأن شرطة تابعة للمجلس الوطني لحكومة غزة ستتولى «ضمان الأمن الشخصي». غير أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي يجعل من تخلي حركة حماس عن ترسانتها أمرًا مستبعدًا، كما أن ادعاء كوشنر أن الحركة تمنع «شعب غزة من تحقيق تطلعاته» يتناقض مع تهديدات ترامب وويتكوف الأخيرة بشن مزيد من الهجمات العنيفة.
أما فيما يخص إعادة الإعمار، فقد تضمن عرض كوشنر مخططًا لـ«رفح الجديدة»، التي يُفترض أن تضم 100 ألف وحدة سكنية دائمة، و200 منشأة تعليمية، و75 مرفقًا صحيًا، ويتم إنجازها خلال عامين إلى ثلاثة أعوام. غير أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قدّر في نوفمبر 2025 أن إزالة آثار الدمار في غزة، حيث تضرر أو دُمر 90% من المساكن، ستستغرق ما لا يقل عن سبع سنوات في أفضل الظروف.
وتظهر التناقضات أيضًا في تقديرات كلفة إعادة الإعمار، إذ قدّر «مجلس السلام» المبلغ المطلوب بأكثر من 25 مليار دولار، وهو رقم يقل كثيرًا عن تقديرات الحكومات العربية التي بلغت 53 مليار دولار في مارس 2025، وتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التي وصلت إلى 70 مليار دولار بعد ذلك بسبعة أشهر.
ومع هذه الفجوة الواسعة بين تخطيط كوشنر والواقع الميداني، فإن حديثه عن توقع «نجاح كارثي» وإصراره على أن واشنطن «لا تملك خطة بديلة»، لا ينذر سوى بانهيار هذا المشروع الهادف فعليًا إلى الاستيلاء على غزة، وهو مشروع يُرجح أن يتخلى عنه رئيس يبلغ من العمر 79 عامًا، غير مكترث بمعاناة الفلسطينيين أو بالقانون الدولي أو باستقرار الشرق الأوسط على المدى الطويل.
وفيما أشارت صحيفة لوموند إلى أن ترامب يعيد تقديم نفسه باعتباره «صانع سلام عالمي»، فإن موقفه من مستقبل فلسطين يبدو أوضح من خلال اعترافه بأنه «رجل عقارات في جوهره»، وأن قيمة الأرض وموقعها هو المحرك الحقيقي لاهتمامه بغزة.
كما أن تشكيل ترامب مجلسًا تنفيذيًا من أقرب مستشاريه -من بينهم كوشنر، وبلير، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، والملياردير مارك روان- لإدارة ملف غزة، لا يمنح «مجلس السلام» أي شرعية دولية حقيقية، رغم محاولات إضفاء هذا الطابع عبر دعوة ثم سحب دعوات عدد من قادة العالم، وتعيين نيكولاي ملادينوف «ممثلًا ساميًا» في غزة، وعلي شعث «رئيسًا للجنة الوطنية لإدارة غزة»، في حين لم يتم اختيار أي من هؤلاء من قبل الفلسطينيين أنفسهم، ولا يمتلكون سلطة حقيقية أمام الصلاحيات التنفيذية التي يحتكرها ترامب.
وقد دفع امتلاك الرئيس الأمريكي نفوذًا شبه مطلق على كيان وصفه بأنه «من أهم الهيئات التي أُنشئت على الإطلاق»، مع إمكانية توسيعه لاحقًا، معلقين غربيين إلى التحذير من احتمال أن يحل هذا الكيان محل الدور الإنساني والدبلوماسي والتنموي للأمم المتحدة، بحيث تُتخذ القرارات بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، لا وفقًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
ووصف ريتشارد غوان ودانيال فورتي من مجموعة الأزمات الدولية هذا الكيان بأنه «من أكثر الهياكل السياسية الدولية اختلالًا»، معتبرين أنه يشكل عاملًا مسرّعًا لتدهور النظام الأمني متعدد الأطراف، وقد يؤدي على المدى الطويل إلى تعميق تفكك منظومة الأمن الدولي.
وفي المحصلة، فإن «الخطة الرئيسية» التي كشف عنها كوشنر في المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى جانب إضفاء الطابع الرسمي على «مجلس السلام» الذي شكله ترامب، تمثل خطوة جديدة في مسار الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وهو المسار الذي أعلنه الرئيس الأمريكي سياسة رسمية لواشنطن منذ عام.
ورغم حديث الإدارة الأمريكية عن «المساعدات الإنسانية» و«تهيئة الظروف للمضي قدمًا»، فإن واقع الاحتلال العسكري الإسرائيلي الدائم، والسيطرة السياسية الأمريكية، والاستيلاء الأجنبي على الأراضي، ومشاريع التطوير العقاري، جميعها تنذر بتصعيد غير مسبوق لعملية تطهير عرقي أكثر تدميرًا بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة، الذين لم يحصلوا، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، مؤخرًا سوى على الحد الأدنى من الاحتياجات الحرارية لأول مرة منذ أكتوبر 2023.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك