العدد : ١٧٤٧٨ - الخميس ٢٩ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٨ - الخميس ٢٩ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ شعبان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

الخطة الأمريكية لغزة.. إعادة إعمار مشروطة أم إعادة رسم قسري للقطاع؟

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الخميس ٢٩ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

تعكس‭ ‬الخطة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الرئيسية‭ ‬الخاصة‭ ‬بغزة‭ ‬تعزيزًا‭ ‬واضحًا‭ ‬لمخطط‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬المعروف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬ريفييرا‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬محاولة‭ ‬ممنهجة‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬القطاع‭ ‬بما‭ ‬يرقى‭ ‬إلى‭ ‬تطهير‭ ‬عرقي‭ ‬للفلسطينيين‭.‬

ففي‭ ‬أوائل‭ ‬فبراير‭ ‬2025،‭ ‬وبعد‭ ‬أسبوعين‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬عودته‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬لولاية‭ ‬رئاسية‭ ‬ثانية،‭ ‬أعلن‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬صراحة‭ ‬عزمه‭ ‬‮«‬السيطرة‮»‬‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬و‮«‬امتلاكه‮»‬،‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصفه‭ ‬بـ«ريفييرا‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‮»‬‭. ‬وجاءت‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬سريعة‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬الإقليمية‭ ‬وحلفاء‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الغربيين‭ ‬وخبراء‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬حيث‭ ‬أدانت‭ ‬شخصيات‭ ‬قانونية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬سارة‭ ‬إليزابيث‭ ‬ديل‭ ‬من‭ ‬لجنة‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬التابعة‭ ‬لرابطة‭ ‬المحامين‭ ‬الدولية‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬ووصفتها‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬انتهاك‭ ‬صارخ‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‮»‬‭.‬

ومع‭ ‬استمرار‭ ‬وتصاعد‭ ‬الحملة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ضد‭ ‬المدنيين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬وسط‭ ‬موجة‭ ‬استنكار‭ ‬عالمية‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬خبراء‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬ضد‭ ‬سياسات‭ ‬حكومة‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬اليمينية‭ ‬المتطرفة،‭ ‬بدأت‭ ‬الطموحات‭ ‬الأمريكية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬لتنفيذ‭ ‬ما‭ ‬أعلنه‭ ‬ترامب‭ ‬تتبلور‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭. ‬وفي‭ ‬أواخر‭ ‬فبراير،‭ ‬أثار‭ ‬قيام‭ ‬مسؤولين‭ ‬أمريكيين‭ ‬بنشر‭ ‬مقطع‭ ‬فيديو‭ ‬مُنتج‭ ‬بتقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬يُظهر‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬فنادق‭ ‬فاخرة‭ ‬وكازينوهات‭ ‬وتماثيل‭ ‬ذهبية،‭ ‬موجة‭ ‬سخرية‭ ‬وانتقادات‭ ‬واسعة،‭ ‬واعتُبر‭ ‬حينها‭ ‬ضربًا‭ ‬من‭ ‬الخيال‭ ‬السياسي‭. ‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الكشف،‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة،‭ ‬عن‭ ‬خطط‭ ‬تفصيلية‭ ‬أعدّها‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬بوسطن‭ ‬الاستشارية‭ ‬ومعهد‭ ‬التغيير‭ ‬العالمي‭ ‬التابع‭ ‬لرئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني‭ ‬الأسبق‭ ‬توني‭ ‬بلير،‭ ‬لم‭ ‬يؤكد‭ ‬فقط‭ ‬نية‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬غزة‭ ‬وفق‭ ‬رؤية‭ ‬ترامب،‭ ‬بل‭ ‬كشف‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬ارتكاب‭ ‬جريمة‭ ‬حرب‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬التهجير‭ ‬القسري‭ ‬لمئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬لتحقيق‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭.‬

وبعد‭ ‬مرور‭ ‬أربعة‭ ‬أشهر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الكشف،‭ ‬وخلال‭ ‬الاجتماع‭ ‬السنوي‭ ‬للمنتدى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬أعلنت‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬رسميًا‭ ‬إطلاق‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬السلام‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يعتزم‭ ‬ترامب‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬إدارة‭ ‬غزة‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬وإلى‭ ‬أجل‭ ‬غير‭ ‬مسمى،‭ ‬وقدّم‭ ‬صهره‭ ‬ومستشاره‭ ‬المقرب‭ ‬جاريد‭ ‬كوشنر‭ ‬‮«‬الخطة‭ ‬الرئيسية‮»‬‭ ‬الجديدة‭ ‬لما‭ ‬أسماه‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬‮«‬غزة‭ ‬الجديدة‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الصور‭ ‬والخرائط‭ ‬الحاسوبية‭ ‬المعروضة،‭ ‬التي‭ ‬تضمنت‭ ‬عشرات‭ ‬ناطحات‭ ‬السحاب‭ ‬والمجمعات‭ ‬الصناعية‭ ‬والمناطق‭ ‬السياحية‭ ‬المخطط‭ ‬لها،‭ ‬تشابهًا‭ ‬جوهريًا‭ ‬مع‭ ‬التصورات‭ ‬السابقة‭.‬

‮ ‬ووصف‭ ‬إتش‭. ‬إيه‭. ‬هيليير،‭ ‬الزميل‭ ‬المشارك‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬الملكي‭ ‬للخدمات‭ ‬المتحدة،‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬جنونية‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬اعتبرها‭ ‬جوش‭ ‬بول،‭ ‬المسؤول‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬ومؤسس‭ ‬معهد‭ ‬‮«‬سياسة‭ ‬جديدة‮»‬،‭ ‬شكلاً‭ ‬حديثًا‭ ‬من‭ ‬‮«‬الاستعمار‭ ‬المؤسسي‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬عرض‭ ‬اعتبره‭ ‬أندرو‭ ‬كاري‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬سي‭ ‬إن‭ ‬إن‭ ‬‮«‬متسرعًا‮»‬،‭ ‬استعرض‭ ‬كوشنر‭ ‬آلية‭ ‬إزالة‭ ‬مئات‭ ‬الأطنان‭ ‬من‭ ‬الأنقاض‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬القصف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المستمر‭ ‬منذ‭ ‬عامين،‭ ‬وخطة‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬التي‭ ‬ستُنفذ‭ -‬بحسب‭ ‬قوله‭- ‬عبر‭ ‬أربع‭ ‬مراحل‭ ‬متتالية‭: ‬تبدأ‭ ‬برفح،‭ ‬ثم‭ ‬خان‭ ‬يونس،‭ ‬تليها‭ ‬‮«‬المخيمات‭ ‬المركزية‮»‬،‭ ‬وتنتهي‭ ‬بمدينة‭ ‬غزة،‭ ‬رغم‭ ‬تقديرات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬83‭% ‬من‭ ‬المباني‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬دُمّرت‭ ‬كليًا‭ ‬أو‭ ‬تضررت‭ ‬بشدة‭.‬

ويُبرز‭ ‬عرض‭ ‬الشرائح‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬كوشنر‭ ‬منطقة‭ ‬مخصصة‭ ‬للسياحة‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وُصفت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬شبكة‭ ‬أيه‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬نيوز‭ ‬بأنها‭ ‬تضم‭ ‬‮«‬ناطحات‭ ‬سحاب‭ ‬فاخرة،‭ ‬وفنادق،‭ ‬وفيلات‭ ‬فخمة‭ ‬تطل‭ ‬على‭ ‬مياه‭ ‬متلألئة‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ميناء‭ ‬بحري‭ ‬ومطار‭ ‬جديدين‭. ‬وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬ما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬فيديو‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الذي‭ ‬روّج‭ ‬له‭ ‬ترامب‭ ‬سابقًا،‭ ‬وما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬أبعاد‭ ‬تطهير‭ ‬عرقي‭. ‬كما‭ ‬تساءل‭ ‬هنري‭ ‬بودكين‭ ‬من‭ ‬صحيفة‭ ‬التليجراف‭ ‬عن‭ ‬أوجه‭ ‬الشبه‭ ‬اللافتة‭ ‬بين‭ ‬خريطة‭ ‬‮«‬الخطة‭ ‬الرئيسية‮»‬‭ ‬ومدينة‭ ‬تل‭ ‬أبيب،‭ ‬حيث‭ ‬سبق‭ ‬لكوشنر‭ ‬أن‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬عقارية‭ ‬ساحلية‭ ‬هناك‭.‬

ومن‭ ‬التفاصيل‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬مخطط‭ ‬‮«‬غزة‭ ‬الجديدة‮»‬‭ ‬إضفاء‭ ‬الطابع‭ ‬الدائم‭ ‬على‭ ‬الاحتلال‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬للأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬المحيط‭ ‬الأمني‮»‬‭. ‬كما‭ ‬جرى‭ ‬إسقاط‭ ‬أي‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬قوة‭ ‬الاستقرار‭ ‬الدولية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬خطة‭ ‬ترامب‭ ‬ذات‭ ‬العشرين‭ ‬بندًا،‭ ‬التي‭ ‬وافق‭ ‬عليها‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2025‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬السجل‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المعروف‭ ‬بتغيير‭ ‬الحدود‭ ‬الميدانية‭ ‬لتوسيع‭ ‬السيطرة،‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬تسعى‭ ‬حكومة‭ ‬إسرائيل‭ ‬المتطرفة،‭ ‬التي‭ ‬دعا‭ ‬وزير‭ ‬عدلها‭ ‬مؤخرًا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الاحتفاظ‭ ‬بالسيطرة‮»‬‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬إلى‭ ‬ضم‭ ‬أكبر‭ ‬مساحة‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بموجب‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭.‬

وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الدائم،‭ ‬تخلو‭ ‬خطة‭ ‬ترامب‭ ‬لمستقبل‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬للاعتراف‭ ‬بوجود‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المُعاد‭ ‬بناؤه‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬إفادة‭ ‬ديفيد‭ ‬جريتن‭ ‬من‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬بأن‭ ‬خريطة‭ ‬كوشنر‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تطوير‭ ‬مرحلي‭ ‬للمناطق‭ ‬السكنية‭ ‬والزراعية‭ ‬والصناعية‭ ‬لسكان‭ ‬غزة‭ ‬البالغ‭ ‬عددهم‭ ‬2‭.‬1‭ ‬مليون‭ ‬نسمة‮»‬‭. ‬

ونقل‭ ‬جوليان‭ ‬بورجر‭ ‬من‭ ‬صحيفة‭ ‬الغارديان‭ ‬أن‭ ‬‮«‬غزة‭ ‬موحدة‭ ‬تُدار‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الفلسطينيين‮»‬‭ ‬تُعد‭ ‬ردًا‭ ‬على‭ ‬طموحات‭ ‬المتطرفين‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬الساعين‭ ‬لإعادة‭ ‬المستوطنات‭ ‬غير‭ ‬الشرعية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬صحيفة‭ ‬واشنطن‭ ‬بوست‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬شريحة‭ ‬واحدة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬عشر‭ ‬شرائح‮»‬‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬كوشنر‭ ‬ذكرت‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬صراحة،‭ ‬مع‭ ‬تجاهل‭ ‬فاضح‭ ‬لتفاصيل‭ ‬جوهرية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬ظهور‭ ‬النص‭ ‬العربي‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مقروء‭ ‬ومقلوب،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الأراضي‭ ‬المصنفة‭ ‬زراعيًا‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬ذات‭ ‬تربة‭ ‬رملية‭ ‬فقيرة‭ ‬غير‭ ‬صالحة‭ ‬للزراعة‭.‬

وأشارت‭ ‬واشنطن‭ ‬بوست‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬التناقض‭ ‬الصارخ‭ ‬بين‭ ‬حديث‭ ‬كوشنر‭ ‬في‭ ‬دافوس‭ ‬عن‭ ‬تحويل‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مكان‭ ‬مزدهر‭ ‬يوفر‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬ممتازة‮»‬،‭ ‬والواقع‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬القطاع،‭ ‬حيث‭ ‬يواصل‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬قتل‭ ‬المدنيين‭ ‬بشكل‭ ‬عشوائي‭ ‬رغم‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬بينما‭ ‬يعاني‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬6‭ ‬مليون‭ ‬فلسطيني‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭.‬

وبخلاف‭ ‬ما‭ ‬افترضه‭ ‬بورجر‭ ‬بشأن‭ ‬إدارة‭ ‬غزة‭ ‬‮«‬من‭ ‬قبل‭ ‬الفلسطينيين‮»‬‭ ‬بموجب‭ ‬الخطة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬حذّر‭ ‬رامي‭ ‬عدو،‭ ‬مؤسس‭ ‬المرصد‭ ‬الأورومتوسطي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬جنيف،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬يواجهون‭ ‬مجددًا‭ ‬‮«‬مخططًا‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬وجودهم‮»‬،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬‮«‬الإخضاع‭ ‬والاستئناس‭ ‬والسيطرة‮»‬،‭ ‬لصالح‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬التباين‭ ‬العميق‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬الميداني‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والرؤى‭ ‬المصطنعة‭ ‬التي‭ ‬يروج‭ ‬لها‭ ‬ترامب‭ ‬ومستشاروه‭ ‬عبر‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬تبرز‭ ‬تساؤلات‭ ‬جدية‭ ‬حول‭ ‬قابلية‭ ‬تنفيذ‭ ‬الخطة‭ ‬الأمريكية‭. ‬إذ‭ ‬تدّعي‭ ‬‮«‬الخطة‭ ‬الرئيسية‮»‬‭ ‬أنه‭ ‬سيتم‭ ‬‮«‬سحب‭ ‬الأسلحة‭ ‬الثقيلة‭ ‬فورًا‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬شرطة‭ ‬تابعة‭ ‬للمجلس‭ ‬الوطني‭ ‬لحكومة‭ ‬غزة‭ ‬ستتولى‭ ‬‮«‬ضمان‭ ‬الأمن‭ ‬الشخصي‮»‬‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬تخلي‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭ ‬عن‭ ‬ترسانتها‭ ‬أمرًا‭ ‬مستبعدًا،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬ادعاء‭ ‬كوشنر‭ ‬أن‭ ‬الحركة‭ ‬تمنع‭ ‬‮«‬شعب‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬تطلعاته‮»‬‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬تهديدات‭ ‬ترامب‭ ‬وويتكوف‭ ‬الأخيرة‭ ‬بشن‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الهجمات‭ ‬العنيفة‭.‬

أما‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار،‭ ‬فقد‭ ‬تضمن‭ ‬عرض‭ ‬كوشنر‭ ‬مخططًا‭ ‬لـ«رفح‭ ‬الجديدة‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تضم‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬وحدة‭ ‬سكنية‭ ‬دائمة،‭ ‬و200‭ ‬منشأة‭ ‬تعليمية،‭ ‬و75‭ ‬مرفقًا‭ ‬صحيًا،‭ ‬ويتم‭ ‬إنجازها‭ ‬خلال‭ ‬عامين‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أعوام‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬برنامج‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الإنمائي‭ ‬قدّر‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2025‭ ‬أن‭ ‬إزالة‭ ‬آثار‭ ‬الدمار‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬حيث‭ ‬تضرر‭ ‬أو‭ ‬دُمر‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬المساكن،‭ ‬ستستغرق‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الظروف‭.‬

وتظهر‭ ‬التناقضات‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬تقديرات‭ ‬كلفة‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار،‭ ‬إذ‭ ‬قدّر‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬المبلغ‭ ‬المطلوب‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬25‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يقل‭ ‬كثيرًا‭ ‬عن‭ ‬تقديرات‭ ‬الحكومات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬53‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2025،‭ ‬وتقديرات‭ ‬برنامج‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الإنمائي‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬70‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬بسبعة‭ ‬أشهر‭.‬

ومع‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬الواسعة‭ ‬بين‭ ‬تخطيط‭ ‬كوشنر‭ ‬والواقع‭ ‬الميداني،‭ ‬فإن‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬توقع‭ ‬‮«‬نجاح‭ ‬كارثي‮»‬‭ ‬وإصراره‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تملك‭ ‬خطة‭ ‬بديلة‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬ينذر‭ ‬سوى‭ ‬بانهيار‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬الهادف‭ ‬فعليًا‭ ‬إلى‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬غزة،‭ ‬وهو‭ ‬مشروع‭ ‬يُرجح‭ ‬أن‭ ‬يتخلى‭ ‬عنه‭ ‬رئيس‭ ‬يبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬79‭ ‬عامًا،‭ ‬غير‭ ‬مكترث‭ ‬بمعاناة‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬أو‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي‭ ‬أو‭ ‬باستقرار‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

وفيما‭ ‬أشارت‭ ‬صحيفة‭ ‬لوموند‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬يعيد‭ ‬تقديم‭ ‬نفسه‭ ‬باعتباره‭ ‬‮«‬صانع‭ ‬سلام‭ ‬عالمي‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬مستقبل‭ ‬فلسطين‭ ‬يبدو‭ ‬أوضح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اعترافه‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬رجل‭ ‬عقارات‭ ‬في‭ ‬جوهره‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬قيمة‭ ‬الأرض‭ ‬وموقعها‭ ‬هو‭ ‬المحرك‭ ‬الحقيقي‭ ‬لاهتمامه‭ ‬بغزة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تشكيل‭ ‬ترامب‭ ‬مجلسًا‭ ‬تنفيذيًا‭ ‬من‭ ‬أقرب‭ ‬مستشاريه‭ -‬من‭ ‬بينهم‭ ‬كوشنر،‭ ‬وبلير،‭ ‬والمبعوث‭ ‬الخاص‭ ‬ستيف‭ ‬ويتكوف،‭ ‬والملياردير‭ ‬مارك‭ ‬روان‭- ‬لإدارة‭ ‬ملف‭ ‬غزة،‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬أي‭ ‬شرعية‭ ‬دولية‭ ‬حقيقية،‭ ‬رغم‭ ‬محاولات‭ ‬إضفاء‭ ‬هذا‭ ‬الطابع‭ ‬عبر‭ ‬دعوة‭ ‬ثم‭ ‬سحب‭ ‬دعوات‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬العالم،‭ ‬وتعيين‭ ‬نيكولاي‭ ‬ملادينوف‭ ‬‮«‬ممثلًا‭ ‬ساميًا‮»‬‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وعلي‭ ‬شعث‭ ‬‮«‬رئيسًا‭ ‬للجنة‭ ‬الوطنية‭ ‬لإدارة‭ ‬غزة‮»‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬اختيار‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬أنفسهم،‭ ‬ولا‭ ‬يمتلكون‭ ‬سلطة‭ ‬حقيقية‭ ‬أمام‭ ‬الصلاحيات‭ ‬التنفيذية‭ ‬التي‭ ‬يحتكرها‭ ‬ترامب‭.‬

وقد‭ ‬دفع‭ ‬امتلاك‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفوذًا‭ ‬شبه‭ ‬مطلق‭ ‬على‭ ‬كيان‭ ‬وصفه‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬من‭ ‬أهم‭ ‬الهيئات‭ ‬التي‭ ‬أُنشئت‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬إمكانية‭ ‬توسيعه‭ ‬لاحقًا،‭ ‬معلقين‭ ‬غربيين‭ ‬إلى‭ ‬التحذير‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬محل‭ ‬الدور‭ ‬الإنساني‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬والتنموي‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬بحيث‭ ‬تُتخذ‭ ‬القرارات‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية،‭ ‬لا‭ ‬وفقًا‭ ‬لمبادئ‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬الإنساني‭.‬

ووصف‭ ‬ريتشارد‭ ‬غوان‭ ‬ودانيال‭ ‬فورتي‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬الأزمات‭ ‬الدولية‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الهياكل‭ ‬السياسية‭ ‬الدولية‭ ‬اختلالًا‮»‬،‭ ‬معتبرين‭ ‬أنه‭ ‬يشكل‭ ‬عاملًا‭ ‬مسرّعًا‭ ‬لتدهور‭ ‬النظام‭ ‬الأمني‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف،‭ ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬تفكك‭ ‬منظومة‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭.‬

وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬الخطة‭ ‬الرئيسية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كشف‭ ‬عنها‭ ‬كوشنر‭ ‬في‭ ‬المنتدى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إضفاء‭ ‬الطابع‭ ‬الرسمي‭ ‬على‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬شكله‭ ‬ترامب،‭ ‬تمثل‭ ‬خطوة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وهو‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬أعلنه‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬سياسة‭ ‬رسمية‭ ‬لواشنطن‭ ‬منذ‭ ‬عام‭.‬

ورغم‭ ‬حديث‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬عن‭ ‬‮«‬المساعدات‭ ‬الإنسانية‮»‬‭ ‬و«تهيئة‭ ‬الظروف‭ ‬للمضي‭ ‬قدمًا‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬واقع‭ ‬الاحتلال‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الدائم،‭ ‬والسيطرة‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬والاستيلاء‭ ‬الأجنبي‭ ‬على‭ ‬الأراضي،‭ ‬ومشاريع‭ ‬التطوير‭ ‬العقاري،‭ ‬جميعها‭ ‬تنذر‭ ‬بتصعيد‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬لعملية‭ ‬تطهير‭ ‬عرقي‭ ‬أكثر‭ ‬تدميرًا‭ ‬بحق‭ ‬المدنيين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يحصلوا،‭ ‬وفق‭ ‬مكتب‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لتنسيق‭ ‬الشؤون‭ ‬الإنسانية‭ (‬أوتشا‭)‬،‭ ‬مؤخرًا‭ ‬سوى‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الحرارية‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا